
في ديوانها الصادر عام 1994ف والموسوم بعنوان طويل نسبياً كما نلاحظ .. تغيب فأسرج خيل ظنوني .. وهو عنوان أحد القصائد التي تتناول ثيمة الغياب يعمق، عبر هذا الديوان الذي يجىء بعد عدة دواوين أصدرتها الشاعرة الكويتية، سعدية مفرح، تطالعنا بقصائد غاية في الرقة والدفء والخفة، حيث أنه وسط الرتم المتسارع والقراءات الدسمة والالتزامات المتناسلة من بعضها البعض بلا انقطاع، لابد من فترة هُدنة يركن فيها المرء إلى الهدوء والدعة ويستجمع فيها شتاته وليس أفضل في هكذا حال من ديوان شعر يتسم بهذه الصفات، ديوان شعر حقيقي يدفع قارئه إلى التأمل والاسترخاء يختلسها ويمنحه السكينة والهدوء اللذين يبحث عنهما، لحيظات من النظام والتناسق يختسلها من دوامة الفوضى والتسارع والدوران المحموم.
وفيما يُشبه الهمس وبعد مدخل تم انتقاؤه بعناية من مُخاطبات النفرىّ وهو العلامة والمتصوف والتاثر الكبير، فيه من الرمز والإحالات والمقاصد المضمرة الشيء الكثير، بعد هذه المقدمة التي لم توضع اعتباطاً، والتوطئة التي هيئت للولوج إلى متن الديوان تتحفنا بالقصيدة الأولى وعبرها تُناجي الشاعرة حبيباً غائباً بلغة أقل ما يمكن أن يقال عنها إنها شفافة ورقيقة ناعمة، غير أن الحبيب في ختامها يلوذ بالفرار تاركاً الشاعرة فريسة للوجوم ضحية لليأس وعندما تفرد كفيها لاتجد سوى سراب الوعود ودخان الأمنيات.
ودائماً ثمة حبيب غائب ومتوار في قصائد الشاعرة التي انحازت انحيازاً ظاهراً للأنوثة عندما كان سهلاً حتى على القارىء العادي تخمين أن القصائد التي بين يديه لا يمكن أن تقولها سوى أنثى إن قُدمت إليه دون اسم قائلها وطلب منه تحديد جنس كاتبها.
ولاتنيّ الشاعرة تحاور الحبيب الغائب وكأنه الحبيب الحلم، الحبيب المرتسم في الذاكرة بكثير من الشجن وبكثير من الحنين تذكره بما فات وانقضى، علّها تحثه على الأياب وهو السادر في نأيه الموغل في ابتعاده دونما التفات نحو الماضي، لنصل بعد هذا الفيض من البوح والدفق من المكاشفة وطرح المشاعر إلى القصيدة العنوان أو ذروة الشعر في الديوان، ودائماً ذات الحبيب الحاضر في القصيدة والغائب جسداً، والذي يقف قبالة الشاعر كمذنب في قفص الاتهام لتفضي إليه بأحاسيسها وأنكساراتها وتخاطبه مباشرة يستعصي عليه الفرار من صراحتها الموجعة وكأنها تقول ما تقول وتشير إليه بأصبعها ، تنشد الشاعرة حتى وإن كانت لهجتها حزينة أو متأسية ينضح من ثناياها وينتظم مقاطعها الشعرية ومع الظلم والقهر، تتسم بالرقة كما لو أنها تجتهد في ألا تخدش شعوره وهو العاق والصامت والموغل في فراره وتغفر له.
وتحت لازمة "تغيب" التي يفترض أن تنزل على رأس المخاطب كالصاعقة كي تحثه على مراجعة موقفه، تستحضر الكثير من التفاصيل وتسرد الكثير من التبدلات التي تحدثُ في غيابه المؤلم، علّه يكف عن هذا الفعل القاتل، ويعلن حضوره الباذخ والفخم حتى أننا ونحن نثب بخفة فوق أحرف القصيدة، نستغرب حدوث كل هذا الخراب الذي يتعذر تحققه إلاّ بزلزال مدمر، ونرى آثاره تسيل على حوافّ القلب، والتي أعلنت عنه الشاعرة ، فقط لأن الحبيب غائب إلى أن تبلغ قول، تغيب فأسرج خيل ظنوني التي تختلط فيها نبرة الرجاء باليأس بالغفران باللوم بالاحتجاج الهادىء، غير أن الهدوء لن يلبث أن يعاود الشاعرة ويأخذ بأجواء القصيدة، لتقول ، غيابك نهرٌ غضوب/وحين يكون/ أخضب كل عرائس شوقي ملائك حُبّ/ وأفرش كل عرائش قلبي أرائك لعب لهن/ فأجلوهن/ وألبسهن خلاخيلهن وأبرزهن/ نهاراً جهاراً/ يصرن شموساً يراقصن موجك منتشيات/ بهذا العليّ الأبي الفتى وينثرن حنائهن الجميل/ طيور على الماء تنقر سبع نوافذ خضر وتشعل/ سبع شموع، وينداح فيض الهديل العليل صلاة/ لطقس النخيل المخضب بالعود والورد والندى والظل/ الموسمي البليل ، والخلاخيل هذه فضضت ليل وجهك تدعوك سبعاً، فهل ستفيض وقد غيض مائي.
ولكثرة ما بها من عطور ولوازم زينة كالحناء والخلاخيل ومتعلقات المرأة إضافة إلى الرقص والتجلي نهاراً جهاراً كشمس في كبد السماء تذكرنا هذه المقاطع بشاعرة تلعب هذه الأخرى ببراعة على الحسية عبر إثارة مداخلها كاللمس والشم والبصر وتتحرك غير بعيد عن هذه الأجواء الخاصة بالنساء ولكن دون خدش للحياء وخروج عن خط الشعر الملتزم بمضمونه وبشكله وفتيته وتغني بالشاعر الأخرى التي أشرنا إليها الشاعرة التونسية جميلة الماجري، التي بإمكان قارئها أن يشتمّ في قصائدها روائح البخور والعطور ويكحل عينيه بتلاوي الزرابي وزخارف الحناء على الألف، ويتمتع بملمس الأقمشة الحريرية.
ويجب ألا ينسينا أستغراقنا في القصيدة، الصورة الشعرية الرائعة والرائقة والجديدة التي صنعتها جملة، «تغيب فأسرج خيل ظنوني»? أي أنك تختفي عن ناظري فتشتعل بقلبي نار الخوف عليك وأعيش مرارة الانتظار مهما كان قصيراً وأغرق في بحار الحزن، كل هذا وغيره تقوله هذه الجملة المبتسرة والمترعة بالشعر حتى حوافها، والتي بمكنتنا أن نكتفي بها كقصيدة مستقلة قائمة بذاتها بعد أن ندرجها تحت تصنيف قصائد الومضة الرائجة في الوقت الحالي والذي بدأت منظومة الشعر تنحو نحوها، ينبغي ألا ينسينا استغراقنا في القصيدة ككل هذه الومضة وغيرها من الومضات التي يمتلئ بها الديوان والتي قطعاً لن تسفر عن روعتها وتفصح عن جمالها إلا في حضرة عاشق للشعر متفان فيه متعامل معه بجدية.
وكما أن للديوان ذروة وقمة، لهذه القصيدة أيضاً ذروة تأتي قرب نهايتها وفيها نقرأ فيما يُحاكي أقوال الصوفيين الكبار والتي يتم فيها مناجاة الحبيب الأول بأوصاف ودلائل دنيوية أرضية والتي قد تعادل فيها لفظة الغياب، التماهي والفناء في الذات العليا أو الحلول وهو أقصى مراحل التصوف والهدف الذي يجيء بعد المجاهدة والتضحيات الجسيمة من قبل المريد، حيث نقرأ ، حين تغيب/ يكون غيابك أشهى وحين يغيب/ الغياب يكون حضورك أبهى، فكيف / يكون الحضور غياباً، وكيف يكون الغياب/ حضوراً، والغياب سراب، خاصة وأن الديوان حفل بالمفردات المستقاة من القرآن الكريم وتناصّ معه بأكثر من موقع على مستوى المعاني والمفردات.
وهو المقطع الذي اختارت الشاعرة أن توشح به الغلاف الخلفي للديوان وقصدت من وضعه أن يكون مدخلاً من مداخل الديوان وعتبة من عتباته.
إذا هو الشعر الذي يتقاطع مع عمق المعنى بل حتى مع الأفكار الفلسفية، وكيميائه التي تقبل التعاطي مع أي كيمياء أخرى، ومن جهة مقابلة هو النثر الذي يأتي مستتراً في هيئة الشعر ما اختارته الشاعرة لقولها الشعري الذي نأت به تماماً عن القافية والموسيقى الظاهرة ولم تتوسل بغير الموسيقى الجوانية الحالمة التي هي صنيع الحالة النفسية التي تهيمن على فضاء القصيدة وتكسبها التناغم المطلوب، والقصيدة تكون حزينة مرة وفائضة بالحميمية والحنين مرة أخرى ومكتظة بالألم والقسوة مرة ثالثة غير أنها لم تلامس الفرح مرة إلا بخجل كل ذلك في مفردات غاية في البساطة لا يحتاج معها القارىء إلى بذل جهد كبير حتى يقف عند المعاني الحاملة لها والتي لا تقبل إلا المعدود والمحدود من التأويلات بعكس الشعر المحتفي بغموضه وصوره المركبة، ذلك أن القصائد سحبت في فضاء أقرب ما يكون إلى الوصف المباشر والتقريري سوى أنها لم تقع فيها ولم تسقط في أوحالها وظلت تراوح في منطقة التخوم، محتفظة بحمولتها الشعرية.
وفي ومضة أتخذت مُسمى "وحدها" تهتف من اصطفاها الشعر من بين الكثيرين والكثيرات لتمثله ونتحدث باسمه بكلام معبر عن الذات ينطلق منها ليكمل دورته قبل أن يستقر بها كرة ثانية ويعود إليها ليرابط فيها تهتف قائلة بتؤدة.
والفتيات الجميلان / يتـ....../سر...../......بن / نحو ثقوب الحياة السعيدة/ والتي بقيت وحدها/ تفتش بين خبايا الكلام/ أجتباها نورس من هيام/ واصطفاها/ فتون القصيدة، وبينما يتسرب الجميع نحو الحياة ، نحو الواقع الواحد تلو الآخر في خفة غير مصحوبة بالندم، تظل بطلتنا أسيرة النظرة الحالمة رهينة الرؤية الرومانسية لتحيا في الشعر أكثر مما تحيا في الواقع.
وبصرف النظر عن الحالة الموصوفة لنركز فيما يلي عن الصورة الشعرية التي احتوتها الومضة التالية التي حملت عنوان "لا أحد".
من يُعزّي الحبيبة/ حين يموت الحبيب/ غير أن تدفن رأسها/ والفضيحة/ بين رمال النحيب، فهل بمقدور أحدنا بمعزلٍ عن الشعر أن يتصور كثباناً رملية قوامها النحيب، حيث من مثل هذه الصور البراقة والفيض من الألوان والخيال يأتي جمال وروعة الشعر.
ثم وفي كلمات قليلة مقتصدة وكاشفة، تلخص مأزق كل مثقف حقيقي وتشخص صراعه مع الزمن لتغدو المسألة أكثر من أزمة عابرة عندما تستحيل إلى مسألة وجود وتحقيق للذات وسعي نحو الخلود، كلمات ننقلها كما جاءت بالديوان بلا إسهاب في التعليق، القصيدة أسمها "كتبي" وفيها تقول الشاعرة كما لو أنها تسرد حكاية من حكايات كل يوم بهدوء وبلسان واضح مبين لا لبس فيه.
في مكتبتي/ كتب لم أفتحها/ أخشى إذ أفعل/ أن أتلاشى/ بين رياح الكلمات المحمومة/ وأغرض تحت سيول الكلمات الهادرة/ أو أتجرع / عاصفة الكلمات/ فأنفجر/ في مكتبتي / كتب مغلقة/ مازالت تتزايد كل نهار/ ترى هل تكفي كل مساءات العمر الاتي لقراءتها، لتنتهي القصيدة بسؤال كبير كأنه الانفجار أو الصاعقة، هكذا عبرت القائلة عن مشكلة كل قارىء ومثقف إذ قل أن نجد قارئاً جادَّاً لا يعاني من هذه المشكلة وبدرجات متفاوتة وقد قامت الشاعرة هنا باستعراضها بفنية، وهنا لا نزعم أن الشاعرة هي أول من أو الوحيدة التي تناولت هذه المسألة التي تؤرق الجميع لأن الكثير من الشعراء تناولها ولكن كلٌ بطريقته وحسب وجهة نظره، مسك الختام كان مع القصيدة السؤال "كيف أتم القصيدة" والتي عبرها سنرى الشاعرة تسوق وتستحضر أكثر من طريقة ونهج لأكمال القصيدة ـ المتمنعة ربما ـ مثل ، هل أسمى الحفيدات بأسماء جداتهن/ هل أرضعهن السلام/ وأفطمهمن/ رويداً/ عن غمغمات الكلام/ وأحكي لهن الحكايا/ قبيل وبعد المنام.
ومثل، هل أشير إلى وطنٍ منزوٍ بين زوايا الخرائط/ فأرسمه من جديد/ ألونه/ قرية .. قرية/ شارعاً .. شارعاً/ غرفة .. غرفة/ أرتب أحجاره/ حجراً .. حجراً/ أعلق في سقفه/ مصابيح لا تنطفئ/ أثبت في وجهه/ أنفاً جميلاً/ وعينين مبصرتين/ أخط له شارباً كثاً/ وأنحت في حجره/ حضناً وسيعاً/ أنفخ في صدره/ من روح قلبي/ ثم أحرث بشرته/ وأزرعها بنبات القصيد ، إلى هنا وينتهي المقطع الشعري ولنلاحظ كيف أنه بدأ بالحديث عن الوطن لينتهي على غير توقع إلى أن يتلاشى الوطن في الحبيب ويفنى الحبيب في الوطن ويذوب كلاهما برقة في قلب الشاعرة ويتوحدان في نبضهما.
يُذكر ختاماً أن الشاعرة سعدية مفرح إلى جانب اجتراحها للقصيدة تكتب المقالة النقدية لا سيما ما يتعلق منها بالشعر العربي القديم فمثلاً في أشهر شعرائه وأبرز ممثليه كالتنبي وأبي نواس والإمام الشافعي رغم أنه لم يكن شاعراً بالمعنى المتعارف عليه.

