مقالات وزوايا

طرابلس
° ° °
الجمعة السبت الأحد

مصافحة ... يونس شعبان الفنادي

 السطى‮ "‬شعبان‮"‬

يونس شعبان الفنادي 

 لا‮ ‬يعرف القراءة والكتابة لعزوفه منذ سنوات طفولته الأولى عن كتاب‮ "‬الفقي‮ ‬رمضان‮" ‬بزاوية‮ "‬أولاد دياب‮" ‬القرآنية،‮ ‬واتخاذه من بحر‮ "‬القدّارة‮" ‬وركل كرة‮ "‬الليف‮" ‬و"الشخشير‮" ‬مرتعاً‮ ‬للهو واللعب مع أترابه من عائلة‮ "‬شاقان‮" ‬و"الخباط‮" ‬و"عموش‮" ‬وعساكر الحرب العالمية الثانية‮. ‬كما أنه ليس مولوداً‮ ‬في‮ ‬قرية‮ "‬العمروص‮" ‬بل بمحلة‮ "‬أولاد دياب‮" ‬في‮ "‬الملاحة‮" ‬سنة‮ ‬1934 ولكنه‮ ‬غادرها باكراً‮ ‬بعد استيلاء القوات الأمريكية على أرضهم ومنزلهم وضمها داخل أسوار قاعدة‮ "‬ويلس‮"‬،‮ ‬فرحل مع والده ووالدته‮ "‬فاطمة الحطاب‮" ‬من عائلات الهجارسة وشقيقتيه‮ "‬حليمة‮" ‬و"خديجة‮"‬،‮ ‬للعيش بوسط مدينة طرابلس متردداً‮ ‬من حين لآخر على خاله لوالدته‮ "‬جمعة الهيشري‮" ‬في‮ ‬حي‮ "‬بلخير‮" ‬ثم عاد إلى سوق الجمعة في‮ ‬بداية الخمسينيات بعد وفاة والده بمستشفى طرابلس المركزي‮ (‬السبيتار الكبير‮).‬

جاء إلى كنف المرحوم‮ "‬الصديق بيرام‮" ‬في‮ "‬العمروص‮" ‬وهو لا‮ ‬يملك شيئاً‮ ‬من متاع الدنيا،‮ ‬فرعاه ووالدته وعامله بمثابة أخوته‮ "‬محمد‮" ‬و"الطاهر‮" "‬وعلي‮"‬،‮ ‬وعمل‮ "‬فلاحا‮"‬ً‮ ‬سنين طويلة في‮ ‬سانية‮ "‬بيرام‮" ‬التي‮ ‬يشقها طريق الساحل العمروص وتتوسط شمالا سانية الساقية العالية لعائلة‮ "‬المصراتي‮" ‬وسانية‮ "‬بن سليمان‮"‬،‮ ‬وغربا زقاق‮ ‬يفصلها عن سانية‮ "‬بن رمضان‮" ‬وسانية‮ "‬شاكر‮"‬،‮ ‬وشرقاً‮ ‬سانية‮ "‬بزيك‮"‬،‮ ‬وجنوبا سانية‮ "‬القره بوللي‮" ‬وخندق‮ "‬بن اسماعيل‮" ‬المقابل لطاحونة العمروص وشارع اليهودي‮ "‬ساسي‮ ‬كحلون‮" ‬الذي‮ ‬يفصل سانية‮ "‬بيرام‮" ‬عن مساكن حارة العمروص و"جبانة اليهود‮" ‬التي‮ ‬تحولت فيما بعد إلى ملعب لكرة القدم بين المقابر والكهوف والمغارات العتيقة،‮ ‬تؤدي‮ ‬إليها عدة أزقة ضيقة متفرعة أحدها ملاصق لمنزل المرحوم رجب طرنيش المشهور ب"عكي‮".‬ تزوج سنة‮ ‬1956 من أسرة المرحوم‮ "‬علي‮ ‬الخويلدي‮" ‬الملقب بالمتشون وظل‮ ‬يعمل في‮ ‬العمروص فلاحاً‮ ‬مع نسيبه‮ "‬جمعة والي‮" ‬لدى عائلة بيرام،‮ ‬وفي‮ ‬معصرة‮ "‬البكوش‮" ‬خلال مواسم جمع الزيتون،‮ ‬ثم تحايل على الحداد اليهودي‮ "‬صانو موشيه‮" ‬فتعلم منه فن الحدادة وطريقة صناعة ونقش مناجل الزرع والحصاد،‮ ‬وبدأ منافسة ذاك اليهودي‮ ‬فأصبح إلى جانب‮ "‬شعبان المريول‮" ‬و"المهدي‮ ‬بتبت‮" ‬أبرز من امتهن هذه الصنعة في‮ ‬العمروص،‮ ‬التي‮ ‬نقلها فيما بعد لكل من‮ "‬أحمد الزني‮" ‬و"رمضان بعوش‮" ‬رحمهما الله و"محمد الزني‮" ‬أمد الله في‮ ‬عمره‮.‬ في‮ ‬بداية الستينيات انتقل مع زوجته ووالدته للعمل فلاحاً‮ ‬في‮ ‬سانية‮ "‬الكبيّر‮" ‬التي‮ ‬تملكها عائلة العالم فكان مثالاً‮ ‬للفلاح الكادح النزيه الشريف في‮ ‬تعامله مع أقطاب تلك العائلة أمثال الشيخ‮ "‬الأمين‮" ‬والحاج‮ "‬محمد‮" ‬و"كامل‮" ‬و"علي‮". ‬

وبعد سنوات قليلة ترك الزراعة ليخوض مع المرحوم‮ "‬الصادق بن رمضان‮" ‬والد كل من‮ "‬الصيد وعاشور وإبراهيم ونعيمة وكريمة‮" ‬تجربة جديدة ويتعلم منه مهنة البناء،‮ ‬فاختار المرحومين‮ "‬عياد الطروق‮" ‬و"جمعة درمان‮" ‬ليؤسس معهما شراكة مبكرة في‮ ‬هذه المهنة‮. ‬كان السطى‮ "‬شعبان‮" ‬هو المتفنن في‮ ‬تمهيد الأرض،‮ ‬وأخذ المقاسات،‮ ‬وحفر وإعداد الأساسات،‮ ‬وبناء طوب الحوائط ووضع الجدران ورفعها،‮ ‬وتلييسها،‮ ‬ومد أسلاك الكهرباء وشبكة المياه والصرف الصحي،‮ ‬والطلاء‮. ‬ومن هنا صار‮ ‬يعرف بالسطى‮ "‬شعبان‮" ‬لدى أصحاب دكاكين العمروص‮ "‬الصادق ومحمد ومفتاح شبيط‮" ‬و"شاكر وعامر وعبدالسلام بن رمضان‮" ‬و"ميلاد الترهوني‮" ‬ثم امتدت شهرته لتصل حتى دكاكين‮ "‬الدوكالي‮ ‬الزائدي‮" ‬و"مسعود الخويلدي‮" ‬في‮ "‬الحاجِّية‮" ‬الحي‮ ‬الفاصل بين قريتي‮ ‬الساحل والعمروص‮. ‬

جرّب العمل في‮ ‬الميناء وقاسى برده الشتائي‮ ‬وظلمة لياليه الصعبة وبحره الغدار،‮ ‬ثم انتقل للعمل بالشركة الوطنية للمواشي‮ ‬واللحوم،‮ ‬وأدى فريضة الحج سنة‮ ‬1976 واعتمر سنة‮ ‬1991 وتقاعد من العمل بالشركة سنة‮ ‬1997. والمفارقة أنه بعد تقاعده تعلم قيادة السيارات وتحصل على رخصة سنة‮ ‬1999 واشترى سيارة وجلس على الكرسي‮ ‬الأيسر لأول مرة في‮ ‬حياته،‮ ‬وبعد أول جولة بها صرح قائلاً‮ "‬الآن فقط أنا عرفت الدنيا‮".‬ أنجب السطى‮ "‬شعبان‮" ‬سبعة ذكور وسبعة إناث منهم المهندس وطالب الطب والحرفي‮ ‬والتاجر وحفظة كتاب الله الكريم،‮ ‬ومعلمات مربيات فضليات،‮ ‬وجميعهم مشهود لهم بالأخلاق الإسلامية الفاضلة والسمعة الحسنة،‮ ‬وصاهر عائلات‮ "‬حالول‮" ‬و"بشيه‮" ‬و"الفقي‮" ‬و"الدالي‮" ‬و"أبوغريس‮" ‬من سيدي‮ ‬السايح وسوق الجمعة وزاوية الدهماني‮ ‬وتاجوراء‮.‬ السطى‮ "‬شعبان‮" ‬متعه الله بالصحة والعافية لازال‮ ‬يسكن حي‮ "‬العمروص‮" ‬ويمارس حياته ويرعى‮ ‬غرسه المبارك الذي‮ ‬أثمر خيراً‮ ‬وفلاحاً‮ ‬بين أبناء وأحفاد وأسباط،‮ ‬وتظل تشهد له أسر سوق الجمعة العريقة مثل عائلة‮ "‬العالم‮" ‬و"بيرام‮" ‬و"البكوش‮" ‬و"التياني‮" ‬و"الرماش‮" ‬و"الزني‮" ‬و"بشيه‮" ‬و"الدالي‮" ‬و"بلحاج‮" ‬و"الجهيمي‮" ‬و"بن رمضان‮" ‬و"بن سليم‮" ‬و"بن سليمان‮" ‬و"الخويلدي‮" ‬و"القماطي‮" ‬و"بوشاقور‮" ‬و"المسلاتي‮" ‬و"المصراتي‮" ‬و"حريب‮" ‬و"هروس‮" ‬وغيرها بالنزاهة والخلق الحسن وصفاء السريرة وبراعة العمل وإتقانه‮.‬

التعليقات (3)

زمن جميل
لن أتحدث عن جمالية النص ، ولا روعة السرد ، ولن أتكلم عن كل ما احتوته هذه المصافحة بين سطورها من معان كبيرة ومدلولات قيمة ، ولا عن كل الإسقاطات البديعة عن ذلك الزمن الجميل الذي كان المرء يشار إليه فيه بما تجيده يداه من حرفة وبما يحمله من طيب الإخلاق وعراقة المحتد.
لكني سأهنيء السيد يونس الفنادي بـ (السطى شعبان )الذي أورثه كل هذا الإرث الرائع والتاريخ التليد الذي يحق له أن يفتخر به ، وكل التمنيات أن يبقي الله
( السطى شعبان ) في صحة وعافية وان يمتعه بحياة طيبة صحبة الأبناء والحفدة والأسباط ، وكلمة أخيرة ومهمة ، لو حرص كل منا على أن يدون قصة كفاح والده أو أمه أو أي من أقاربه بكل تفصيلاتها الدقيقة ومسميات أماكنها لأمكننا الخروج بأرشيف وطني يضم أسماء الشوارع والحارات و ( الزنق ) والمناطق والحرف والصناعات وفوق كل ذلك أسماء العائلات وأصولها ، فنحن شعب لنا عراقة وجذور ضاربة في آخر عمق من منابت الأصالةوالعراقة .
شكرا سيد الفنادي .
ليبية أبا عن جد      11-11-2009 
طرابلس
قصة رائعة. قدراتك اللغوية في الوصف الدقيق والتعبير البسيط تظهر بوضوح في هذا النص. مزيداً من التألق
الطاهر محمد      25-08-2009 
طبعا هذا والدك
ياأخى بارك الله فيك والله فى فصتك نفحة من نفحات طرابلس ونسمة من هوائها العليل واسقاط على عدة احوال متنوعه فى ماضى حلو وجميل وبسيط ولك كل الشكر والتقدير
فرج الجبارى      15-08-2009 

أضف تعليق

هذا الموضوع تم اغلاقه. لايمكنك ان ترسل اي تعليقات..

busy
حاليا يتواجد 464 متصفح لموقع صحيفة أويا

تسجيل الدخول