مقالات وزوايا

طرابلس
° ° °
الخميس الجمعة السبت

ام كلثوم الطيب الفرجاني

سلام دارفور في الدوحة ......خطوة الألف ميل

وقعت الحكومة السودانية اتفاق إطاري لوقف إطلاق النار مع حركة العدل والمساواة المتمردة في دارفور تمهيدا لإجراء مباحثات لإنهاء النزاع المسلح في إقليم دارفور، ومراسم توقيع الاتفاق  النهائي الذي استضافته العاصمة القطرية الدوحة حضره الرئيس السوداني عمر البشير والرئيس التشادي إدريس ديبي إضافة إلى أمير دولة قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني والرئيس الاريتري اسياس افورقي ، ويتضمن الاتفاق بالإضافة إلى وقف إطلاق النار بين الطرفين الخطوط العريضة لاقتسام السلطة على جميع المستويات ستستكمل بحلول الخامس عشر من مارس المقبل ، وينظر للاتفاق على انه خطوة إلى الإمام على طريق السلام الفعلي في الإقليم الذي أدمته الصراعات منذ العام (2003م) وينص الاتفاق على تقاسم السلطة ومشاركة حركة العدل والمساواة في مستويات كافة وفق معاير يحددها الطرفان على ان تؤسس الحركة لاحقا حزب سياسيا ، أما من الناحية الإنسانية فاتفق الطرفان على التعويض على ضحايا دارفور وعلى إجراءات تسهل العودة الطواعية لملايين النازحين ، الاتفاق الذي حضي بترحيب دولي واسع النطاق رفضته حركة جيش  تحرير السودان التي ترفض الانضمام إلى عملية السلام،  فقد اعتبر قائد الحركة عبد الواحد نور ان هذا الاتفاق هو سياسيا بامتياز وينحصر بالحصول على مناصب حكومية ويتغاضي عن ضمان امن دارفور،


 من جهته أشار الأمين العام للأمم المتحدة بان كى مون بالتوصل للهدنة وأعتبرها خطوة على طريق اتفاق شامل في الإقليم المضطرب ، وفيما رأت الولايات المتحدة الأمريكية ان الاتفاق  يمهد الطريق أمام مفاوضات رسمية من المقرر ان تستأنف في قطر، كما دعت بريطانيا الأطراف كافة إلى مضاعفة الجهود لتحقيق السلام أما فرنسا فاعتبرت الاتفاق خطوة مهمة من اجل تسوية مجمل الأزمة في دارفور في حين حثت كندا مختلف أطراف النزاع على استكمال الجهود الرامية إلى إبرام اتفاق سلام شامل ودائم ، وكان الفعل السار الذي حدث ان عشرة حركات من دارفور توحدت قبيل توقيع الاتفاق بساعات ماعدا أربعة منها ترددت ولم يبق إلا عبد الواحد زعيم حركة تحرير السودان وحيدا الذي رفض هذا الاتفاق وشكك في مصداقيته واعتبره مثله مثل اى اتفاقيات سابقة فاشلة تلك التي جرت في أنجمينا وسبعة جولات في ابوجا، لكن جدية التفاوض قد يحمل نور لاحقا  على الانضمام إلى عملية السلام رغبة أو اضطرارا.
فمن المعلوم ان إقليم دارفور في غرب السودان شهد سنوات من المواجهة المسلحة بين الحكومة السودانية وحركة العدل والمساواة اكبر جماعات التمرد في دارفور منذ العام (2003م)، عندما حمل المتمردون السلاح ضد حكومة الخرطوم وهاجموا منشات حكومية احتجاجا على ما اعتبروه تحيزا تمارسه الحكومة ضدهم  وتهميش لمناطقهم ، وتفيد تقديرات الأمم المتحدة ان نحو (300) ألف شخص لقوا مصرعهم جرا الآثار المترتبة على الحرب والمجاعة والمرض في دارفور ، في حين تقول الحكومة السودانية ان عدد القتلى لا يتجاوز العشرة الألف ، كما اجبر هذا الصراع نزوح الملايين من منازلهم في أسوء أزمة إنسانية في العالم ،


 لينفتح أخيرا بابا واسعا في جدار أزمة دارفور، جدار لطالما تكسرت أمامه جهود وتراكمت مبادرات ، وقد جاء الاختراق من انجمينا بعد ان توسط  الرئيس التشادي إدريس ديبى في محادثات مباشرة بين وفدى الحكومة برئاسة غازي صلاح الدين  مستشار الرئيس السوداني ومسؤل ملف دارفور وبين خليل إبراهيم رئيس حركة العدل والمساواة اتفاقا اطارى لوقف إطلاق النار بين الجانين ويلغى أحكام الإعدام ضد منسوبي الحركة مما غزو أم درمان في العام (2008م) في الخرطوم،  فيبدو ان اتفاق انجمينا بين الحكومة السودانية وحركة العدل والمساواة في دارفور كان ربما كافي لإعادة بناء الثقة بينهما، فعلى أرضية هذا الاتفاق يأتي التوقيع على اتفاق إطار السلام في الدوحة الذي يحصل بموجبه حركة العدل والمساواة على حق المشاركة السياسية في السلطتين التشريعية والتنفيذية على ان تتحول حركة العدل والمساواة إلى حزب سياسي بحلول الخامس عشر من مارس المقبل  وذلك قبل موعد الانتخابات الرئاسية المقررة في ابريل المقبل،  كما يضم الاتفاق أيضا اثني عشر بندا أبرزها توزيع الثروة وتعويض النازحين إلى جانب استيعاب عناصر الحركات المتمردة في القوات النظامية ، وبدت الخرطوم متفائلة بإمكانية انضمام بقية الفصائل المسلحة في إقليم دار فور إلى هذا الاتفاق الذي اعتبره الرئيس السوداني عمر البشير بداية النهاية للحرب في دارفور ومن شأنه أيضا ان يفضي للتوصل لاتفاق سلام شامل ينهى سنوات من الحرب التي أودت بحياة العشرات الألف  وأودت إلى نزوح الملايين، كما ان أهمية الاتفاق تكمن في كونه يأتي في أعقاب اتفاقات هامة جديدة بين حكومتي السودان وتشاد  ولتقليص التشنجات على حدودهما المشتركة.


وغداة توقيع الاتفاق أكد الرئيس السوداني البشير ان الحرب في الإقليم انتهت وبدأت معركة التنمية ، كما أطلقت الحكومة السودانية نصف المحتجزين لديها من حركة العدل والمساواة من المحكومين بالإعدام الذين هاجموا أم درمان في العام (2008م) على ان يتم إطلاق سراح الآخرين لاحقا، فالرئيس السوداني البشير اليوم أحوج ما يكون إلى هذا الاتفاق الذي يأتي في وقت يقترب معه موعد الانتخابات الرئاسية ،إذا يرى البعض في اتفاق الدوحة محاولة حثيثة من قبل حكومة السودان لإحراز مكاسب سياسية ربما تعزز حضورها خلال الانتخابات المقررة في ابريل وهذا ما يعني في نظرهم إزاحة أهم أحدى الأوراق من يد المعارضة السياسية وهى قضية دارفور التي طالما أنحى كثيرون باللائمة لاستمرارها وتفاقمها على حزب المؤتمر الحاكم ومن ورائه الرئيس السوداني عمر البشير
إلى جانب تواصل الضغط الدولي عليه بسبب ملف إقليم دارفور الذي أدى إلى صدور مذكرة اعتقال بحقه في مارس من العام الماضي (2009م) لاتهامه بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في الإقليم،


 وقبل توقيع الاتفاق أعلن أمير دولة قطر الشيخ حمد بن خليفة ان بلاده تسعى لإنشاء بنك للتنمية في دارفور برأس مال قدره مليار دولار داعيا جميع الدول والمنظمات المعنية بقضية دارفور إلى تنمية هذه الخطوة، وهو دعما سخيا يستحق التفاوض ، ويلقى بالمسؤولية الأخلاقية على أطرافه، وإذا كان حفل التوقيع والمصافحة التي تمت بين الرئيس السوداني ورئيس حركة العدل والمساواة وفر شعورا مريحا من خلال إدراك الجميع على تجاوز مرارة الخصومة والدماء المراقة ، فان الوصول لهذه  الدعوة الاحتفالية وحدها لن تشكل ضمانة سلام لدارفور إذ لم يأخذ أطراف النزاع أنفسهم من اجل تقديم العسير من مصالحهم لمصلحة الوطن،


اتفاق الدوحة الذي شمل الحكومة في السودان وحركة العدل والمساواة كبرى حركات التمرد في دارفور قد يعتبره البعض في حد ذاته غير كافي لاستقرار الأمن في الإقليم ، لجهة امتناع بعض الفصائل من الدخول فيه لكنه يبقى خطوة مهمة جدا،  لأنه وقع بين الحكومة وحركة العدل والمساواة التي كانت تعتبر اكبر الحركات المتمردة والتي استطاعت ان تصل للخرطوم في هجوم كبير في العام (2008م) لهذا فالتوصل معها إلى اتفاق هو خطوة مهمة يجب ان تستكمل ، لكن ذلك يتوقف على شروط عديدة من بينها حسن النوايا بين الأطراف الموقعة و ان تستمر حالة التحسن بين السودان وتشاد ، إلى جانب المساعدة من المجتمع الدولي من اجل دفع خطوات السلام والمساهمة في تحقيق الاستقرار وان تكون الاتفاق شاملا بمعنى ان يشمل باقي الأطراف والحركات المتمردة في دارفور وأيضا ان تعالج الأزمات المترتبة لحل الأزمة في دارفور لاسيما أوضاع النازحين واللاجئين ،والأوضاع التي ترتبت على الحرب الناشئة منذ العام (2003م)


أما فيما يخص حركة تحرير جيش السودان بزعامة عبد الواحد نور والتي شككت في الاتفاق ورفضت الانضمام إليه، فيعتبرها البعض من السودانيين مجرد ظاهرة إعلامية ، وأصبحت حركة عنكبوتيه موجودة في وسائل الإعلام والانترنت فقط ، وان الضجيج الذي تحدته لا يغير من واقع الأرض شئ ، وخاصة أنها لا تطرح البديل ، فيجب ان يكون هناك بديل عن الجلوس في أماكن مريحة وتضع الشروط  التي يراها البعض عسيرة ولا تدخل في مفاوضات سلام ،وهذا طبعا لا يؤدى إلى حدوث تقدم يساعد على إخراج أبناء دارفور من ماسيهم ، بل البعض يرى ان حركة تحرير السودان نفسها أصبحت تواجه الآن العديد من الانقسامات وزعيمها نور مقيم في باريس فعليه ان يطرح البديل لما يرفضه ، وإلا فان الأحداث ستتجاوزه،  ولا مناص له إذن إلا من ترتيب أوضاعهم واللحاق بركب التفاوض الذي انطلق.

فالطريق إلى سلام في دارفور يبدو اليوم واضحا أكثر من ذي قبل ، وما كان ذلك سهل ارتضى جهود ووساطة في تشاد بين الحكومة السودانية وحركة العدل والمساواة ، كما اقتضى وعيا لدى الحكومة السودانية ولدى حركة العدل والمساواة وبقية الحركات في دارفور ان السلام هو ليس ثمرة للحرب وإنما للتفاوض، فما حدث في الاتفاق الأخير هو ان هناك متغير دخل في الموضوع وهو المصالحة السودانية التشادية ، فقد استطاعت تشاد من تفعيل المصالحة في ظرف أسبوع من أخر تاريخ لزيارة الرئيس التشادي إدريس ديبي ، اذن الحكومة السودانية لم ترضخ لحركة العدل والمساواة بقدر ما استجابت لنداءات وطلبات تحسين العلاقة بينها وبين تشاد،  من هنا فان ابرز العوامل التي نضجت هذا الاتفاق إلى جانب المستجدات الإقليمية والمحلية والدولية التي بذلت جهود كبيرة من جميع الإطراف ومن دول الجوار ومن المجتمع الدولي الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي ،هو العامل والعنصر والذي كان مهم جدا هو التحسين الكبير والتطبيع في العلاقات بين تشاد والسودان، 

ويرى المراقبون ان هذا الانفراج الذي حصل ما كان له ان يتم لولا اليقين الذي استقر لدى السودان وتشاد باستحالة السلام في البلدين دون تحقيق السلام في دارفور، ويقينا مثله انتهت إليه الحركات بان العمل المسلح لن يحقق سلام واستقرارا في الإقليم ، لكن رغم ذلك فان هناك تحديات تنتظر هذا الإطار ألاتفاقي والمتمثل في تلك الجماعات المتمردة التي شككت في جدواه وفي إمكانية احتوائها، كما ان هناك بعض التفاصيل الهامة تركت لمناقشتها لاحقا منها إجراء الانتخابات التي يرى الرئيس السوداني ضرورة إجرائها في موعدها  وحركة العدل والمساواة التي تأمل في إرجائها ، وتفاصيل أخرى هامة قابلة ومفتوحة لدخول الشياطين إليها قد تعود بالأزمة من جديد لنقطة الصفر وخاصة ان هذا الاتفاق سبقه قبل نحو عام اتفاق مماثل ولم يصمد إلا أيام معدودة ، وبالتالي فما الذي يضمن ألا يكون هذا الاتفاق كبقية الاتفاقيات السابقة ؟.وان كان كل الأطراف الموقعة تقول ان الضامن لهذا الاتفاق هو الرغبة الحقيقة لدى الجميع للتوصل لسلام حقيقي شامل ، وبالتالي فلابد من كل هذه الأطراف ان تدفع باستحقاقات السلام  وهو الالتزام بمعالجة جذور المشكلة والتنازل من العسير من مصالحها لمصلحة الوطن .
 الوحدة في حد ذاتها خطوة ايجابية ، وتبقى الإرادة والرغبة والصبر والتمسك بعملية السلام وبضرورة دفع العملية التفاوضية للأمام يمكن تجاوز هذه المرحلة والدخول إلى مرحلة تحقيق السلام الحقيقي النهائي ووضع حد لنهاية الأزمة في دارفور،ولطي صفحة الحرب ليفتح المجال أمام تحقيق الأحلام المؤجلة طال انتظارها...

 

التعليقات (0)

أضف تعليق

هذا الموضوع تم اغلاقه. لايمكنك ان ترسل اي تعليقات..

busy
حاليا يتواجد 474 متصفح لموقع صحيفة أويا

تسجيل الدخول