الاحتفال بيوم ليبي
ثمة حقيقة لا يمكن كشطها أو القفز فوقها .. وهي أن الخصوصية ليست مسألة مقدسة أو أبدية .. لكنها في المقابل تستمد بقاءها المشروع من خلال التعويل على التنوع والبحث عن الجذور الأولى لتصوغ بعدئذٍ هويتها التي يشترك في تشكيلها الدين واللغة والمصير المشترك .. إلى المكونات التقليدية للهوية .. من هنا سيكتسي الاحتفال بالسنة الليبية الجديدة أكثر من دلالة .. فهذا التقويم الليبي الموغل في القدم ، والذي يعدّه المؤرخون ثالث تقويم عالمي لا يمكن استبعاد من حقل الخصوصية .. مثلما لايصح وسْمُه « بالتاريخ الميت » .. إذ أن هناك الكثير من مفردات ثقافتنا الشعبية تحيل إليه .. فالفلاحون ـ مثلاً ـ لايزالون يحددون بداية السنة الجديدة بما يعرف بالليالي السود .. ودخول سنة فلاحية جديدة .. وهذا مسمى أصيل للتقويم الليبي .. كما أن هذا التقويم مابرح يمثل طريقة حساب الأيام والشهور في منطقة شمال أفريقيا إلى اليوم .. ولعل العودة إليه ، وإحيائه من جديد ستسجل إعادة اعتبار لتاريخنا الوطني فمن منا لا يتذكر أو لا يتوقف عند « شيشنق الليبي » الذي تمكن من الوصول إلى الكرسي الفرعوني بشكل سلمي في ظروف مضطربة عاشتها مصر القديمة إبان فترة حكم رمسيس الثاني ، وتمكنه من توحيد ليبيا ومصر وبلاد الشام في دولة واحدة قوية ومنيعة دامت لثلاثة قرون .
إن شيشنق الذي يؤرخ التقويم الليبي باعتلائه العرش الفرعوني ينبغي الاحتفاء به مع مطلع كل عام ليبي جديد .. فهو ليس أقل شأواً من رموز وأيام وأعوام تقيم لها شعوب كإيران والصين والأعياد وتجعلها تقاويم وطنية ولاشك أن اهتمامنا بهذا المكون من ثقافتنا الوطنية سيعزز اللحمة ويقوي المنعة .. ولايتعارض أبداً مع مستويات هويتنا الأخرى عربية كانت أم إسلامية .. فالوحدة كما تؤكد الدراسات الانتروبولوجية ستظل في أوفر حظوظها وقوتها عندما تستند على التنوع . ولنا أيضاً في تجارب الأمم الأخرى خير دليل .
إذن .. اليوم 13 / 1 يشكل مناسبة وطنية تشمل الليبيين دون استثناء ، وينبغي إحياؤه والاحتفال به على امتداد رقعة الوطن .. وليس في رقعة محددة .. أو لمجموعة معينة من الليبيين .. وإن رفض فئة المشاركة في هذا الاحتفال الوطني سنعتبره تصرفاً غير سليمٍ .. وهو محاولة لاستنساخ تجارب دول أخرى بسعيها لاختطاف هذا اليوم بالاتكاء على هويات موهومة .. الأمر الذي سيوفر مبررات للبعض باتهامها بعدم الوطنية .
إن احتفالنا بهذا اليوم بقدر ماهو رد اعتبار لتأريخنا الوطني فإنه سيذهب بدلالاته إلى توطيد لحمتنا الاجتماعية.. وتأكيد خصوصيتنا الليبية التي لا تتناقض مع مستويات هويتنا العربية الإسلامية كما أن هذا الاحتفال لايمكنه بأي حال سحب البساط من اهتماماتنا الكبرى بالأعياد والمناسبات القومية والدينية وأي قراءة مغايرة لهذا الفهم ستلتقي مع الغرب في محاولاته المستمرة لتفتيت المنطقة العربية وتكريس الانقسام والفرقة من هنا فإن اهتمام مؤسسة القذافي العالمية للجمعيات الخيرية والتنمية بإحياء هذا اليوم الوطني ينطلق من الدوافع المنوه عنها في سياق المقال والتي تأتي في مقدمتها مسألة توطيد اللحمة وإعادة الاعتبار لتاريخنا الوطني ومن باب النصح نقول لتلك الفئة التي اندفعت لرفض الاحتفال الوطني ومحاولة احتكار لها ولمنطقة محددة دون وعي بدلالاته وأهدافه الاستراتيجية والتاريخية بأن موقفها السلبي هذا قد يوفر مبرراً لردّات فعل تتعاطى معها كأقلية وهذا ما لانريده لأننا لن نشك في توجّهاتها الوطنية والقومية لكننا بالتأكيد نشك دائماً في توجّهات الغرب والاستعمار الذي يسعى للعودة من بابه القديم "باب الفتنة"..

