فـوائـد ودروس وعــبر

الحلقة 73-الجزء الأول-الفصل الحادي عشر - المبحث الرابع أولاً: المعجزات الحسية لرسول الله صلى الله عليه وسلم:
ظهرت خلال مرحلة حفر الخندق معجزات حسية للنبي صلى الله عليه وسلم، منها تكثير الطعام الذي أعده جابر بن عبد الله، فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: إنا يوم الخندق مُحفِّر()، فعرضت كدية شديدة، فجاءوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: هذه كدية عرضت في الخندق، فقال: «أنا نازل» ثم قام وبطنه معصوب بحجر، ولبثنا ثلاثة أيام لا نذوق ذواقًا، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم المعول، فضرب في الكدية فعاد كثيبًا أهيل() أو أهيم().
قال جابر: فقلت: يا رسول الله، ائذن لي إلى البيت، فقلت لامرأتي: رأيت بالنبي صلى الله عليه وسلم شيئًا ما كان في ذلك صبر، فعندك شيء؟ فقالت: عندي شعير وعناق()، فذبحت العناق، وطحنت الشعير، حتى جعلنا اللحم بالبرمة()، ثم جئت النبي صلى الله عليه وسلم والعجين قد انكسر والبرمة بين الأثافي(). قد كادت أن تنضج، فقلت: طُعَيمٌ لي، فقم أنت يا رسول الله ورجل أو رجلان، قال: «كم هو؟» فذكرت له، فقال «كثير طيب»? قال: قل لها لا تنزع البرمة ولا الخبز من التنور حتى آتي. فقال: «قوموا»? فقام المهاجرون والأنصار، فلما دخل على امرأته قال: ويحكِ جاء النبي صلى الله عليه وسلم بالمهاجرين والأنصار ومن معهم، قالت: هل سألك؟ قلت: نعم، فقال «ادخلوا ولا تضاغطوا»() فجعل يكثر الخبز ويجعل عليه اللحم ويخمر البرمة والتنور إذا أخذ منه، ويقرب إلى أصحابه، ثم ينزع فلم يزل يكسر الخبز ويغرف حتى شبعوا وبقي بقية، قال: «كلي هذا وأهدي فإن الناس أصابتهم مجاعة»().
وهذه ابنة بشير بن سعد تقول: دعتني أمي عمرة بنت رواحة فأعطتني حفنة من تمر في ثوبي، ثم قالت: أي بنية، اذهبي إلى أبيك وخالك عبد الله بن رواحة بغدائهما،
قالت: فأخذتها فانطلقت بها، فمررت برسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا ألتمس أبي وخالي، فقال: تعالي يا بنية ما هذا معك؟ فقلت: يا رسول الله، هذا تمر بعثتني به أمي إلى أبي بشير بن سعد، وخالي عبد الله بن رواحة يتغذيانه، قال: هاتيه، قالت: فصببته في كفي رسول الله صلى الله عليه وسلم فما ملأتهما، ثم أمر بثوب فبسط له ثم دعا بالتمر عليه فتبدد فوق الثوب، ثم قال لإنسان عنده: اصرخ في أهل الخندق أن هلم إلى الغذاء، فاجتمع أهل الخندق عليه فجعلوا يأكلون منه، وجعل يزيد حتى صدر أهل الخندق عنه، وإنه ليسقط من أطراف الثوب().
ففي هذين الخبرين معجزات حسية ظاهرة للرسول صلى الله عليه وسلم، كما يظهر دور المرأة المسلمة في مشاركة المسلمين في جهادهم، فعندما اشتغل المسلمون بحفر الخندق تركوا أعمالهم، وبعدت عنهم أرزاقهم، وقل عنهم القوت، وأصاب الناس جوع وحرمان حتى كان رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه يشدون على بطونهم الحجارة من شدة الجوع، فكانت المرأة المسلمة تعين المسلمين بإعداد ما قدرت عليه من الطعام().
ومن دلائل النبوة أثناء حفر الخندق إخباره صلى الله عليه وسلم عمار بن ياسر- وهو يحفر معهم الخندق- بأن ستقتله الفئة الباغية، فقتل في صفين وكان في جيش علي()، وعندما اعترضت صخرة الصحابة وهم يحفرون، ضربها الرسول صلى الله عليه وسلم ثلاث ضربات فتفتتت قال إثر الضربة الأولى: «الله أكبر، أعطيت مفاتيح الشام، والله إني لأبصر قصورها الحمراء الساعة»? ثم ضربها الثانية فقال: «الله أكبر، أعطيت مفاتيح فارس، والله إني لأبصر قصر المدائن أبيض»? ثم ضرب الثالثة، وقال: «الله أكبر أعطيت مفاتيح اليمن، والله إني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني هذه الساعة»(). وقد تحققت هذه البشارة التي أخبرت عن اتساع الفتوحات الإسلامية والإخبار عنها في وقت كان المسلمون فيه محصورين في المدينة يواجهون المشاق والخوف والجوع والبرد القارس().
ثانيًا: بين التصور والواقع:
قال رجل من أهل الكوفة لحذيفة بن اليمان: يا أبا عبد الله، أرأيتم رسول الله وصحبتموه؟ قال: نعم، يا ابن أخي، قال: فكيف كنتم تصنعون؟ قال: والله لقد كنا نجهد، قال: فقال: والله لو أدركناه ما تركناه يمشي على الأرض، ولحملناه على أعناقنا، فقال حذيفة: يا ابن أخي، والله لقد رأيتنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، بالخندق()، ثم ذكر حديث تكليفه بمهمة الذهاب إلى معسكر المشركين.
هذا تابعي يلتقي بالصحابي حذيفة ويتخيل أنه لو وجد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لاستطاع أن يفعل ما لم يفعله الصحابة الكرام، والخيال شيء والواقع شيء آخر، والصحابة رضي الله عنهم بشر، لهم طاقات البشر، وقدراتهم، وقد قدموا كل من يستطيعون، فلم يبخلوا بالأنفس فضلا عن المال والجهد، وقد وضع صلى الله عليه وسلم الأمور في نصابها بقوله: «خير القرون قرني» فبين أن عملهم لا يعدله عمل.
إن الذين جاءوا من بعد، فوجدوا سلطان الإسلام ممتدًا، وعاشوا في ظل الأمن والرخاء والعدل، بعيدين عن الفتنة والابتلاء، هم بحاجة إلى نقلة بعيدة يستشعرون من خلالها أجواء الماضي بكل ما فيه من جهالات وضلالات وكفر، وبعد ذلك يمكنهم تقدير الجهد المبذول من الصحابة حتى قام الإسلام في الأرض().
ثالثًا: سلمان منا أهل البيت():
قال المهاجرون يوم الخندق: سلمان منا، وقالت الأنصار: سلمان منا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سلمان منا أهل البيت()، وهذا الوسام النبوي الخالد لسلمان يشعر بأن سلمان من المهاجرين؛ لأن أهل البيت من المهاجرين().
رابعًا: الصلاة الوسطى:
قال صلى الله عليه وسلم: «ملأ الله عليهم بيوتهم وقبورهم نارًا، كما شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس»().
وقد استدل طائفة من العلماء بهذا الحديث على كون الصلاة الوسطى هي صلاة العصر، كما هو منصوص عليه، وألزم القاضي الماوردي مذهب الشافعي بهذا لصحة الحديث، وقد استدل طائفة من العلماء بهذا الصنيع على جواز تأخير الصلاة لعذر القتال كما هو مذهب مكحول والأوزاعي().
قال الدكتور البوطي: لقد فاتت النبي صلى الله عليه وسلم صلاة العصر كما رأيت في هذه الموقعة، لشدة انشغاله، حتى صلاها قضاء بعدما غربت الشمس. وفي روايات أخرى غير الصحيحين أن الذي فاته أكثر من صلاة واحدة، صلاها تباعًا بعدما خرج وقتها وفرغ لأدائها، وهذا يدل على مشروعية قضاء الفائتة، ولا ينقض هذه الدلالة ما ذهب إليه البعض من أن تأخير الصلاة لمثل ذلك الانشغال كان جائزًا إذ ذاك ثم نسخ حينما شرعت صلاة الخوف للمسلمين رجالاً وركبانًا عند التحام القتال بينهم وبين المشركين، إذ النسخ على فرض صحته ليس واردًا على مشروعية القضاء، وإنما هو وارد على صحة تأخير الصلاة بسبب الانشغال، أي أن نسخ صحة التأخير ليس نسخًا لما كان قد ثبت من مشروعية القضاء أيضًا، بل هي مسكوت عنها، فتبقى على مشروعيتها السابقة().
خامسًا: الحلال والحرام:
عرضت قريش فداء مقابل جثة عمرو بن ود، فقال صلى الله عليه وسلم: «ادفعوا إليهم جيفته، فإنه خبيث الجيفة، خبيث الدية فلم يقبل منهم شيئًا».
حدث هذا والمسلمون في ضنك من العيش، ومع ذلك فالحلال حلال والحرام حرام، إنها مقاييس الإسلام في الحلال والحرام، فأين هذا من الناس المحسوبين على المسلمين الذين يحاولون إيجاد المبررات لأكل الربا وما شابهه؟()
سادسًا: شجاعة صفية عمة الرسول صلى الله عليه وسلم:
كان صلى الله عليه وسلم قد وضع النساء والأطفال في حصن فارع وهو حصن قوي، حماية لهم؛ لأن المسلمين في شغل عن حمايتهم لمواجهتهم جيوش الأحزاب، فعندما نقض يهود بني قريظة عهدهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسلت يهوديًّا ليستطلع وضع الحصن الذي فيه نساء المسلمين وأطفالهم، فأبصرته صفية بنت عبد المطلب عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذت عمودًا ونزلت من الحصن فضربته بالعمود فقتلته، فكان هذا الفعل من صفية رادعًا لليهود من التحرش بهذا الحصن الذي ليس فيه إلا النساء والأطفال، حيث ظنت يهود بني قريظة أنه محمي من قبل الجيش الإسلامي، أو أن فيه على الأقل من يدافع عنه من الرجال()، ففي هذا الخبر دليل للمرأة في الدفاع عن نفسها إن لم تجد من يدافع عنها().
سابعًا: عدم صحة ما يروى عن جبن حسان رضي الله عنه:
ففي قصة صفية عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقتلها لليهودي جاء في رواية سندها ضعيف() أن صفية -رضي الله عنها- قالت لحسان بن ثابت: إن هذا اليهودي يطيف بالحصن كما ترى، ولا آمنه أن يدل على عورتنا من ورائنا من يهود، وقد شغل عنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فانزل إليه فاقتله، فقال: يغفر الله لك يا بنت عبد المطلب، والله لقد عرفت ما أنا بصاحب هذا، قالت صفية: فلما قال ذلك، احتجزت عمودًا ثم نزلت من الحصن إليه فضربته بالعمود حتى قتلته، ثم رجعت الحصن، فقلت: يا حسان انزل فاستلبه، فإنه لم يمنعني أن استلبه إلا أنه رجل، فقال: ما لي بسلبه من حاجة يا بنت عبد المطلب().
وهذا الخبر لا يصح لأمور منها:
1- من حيث الإسناد فالخبر ليس مسندًا، وهو ساقط لا يصح ولا يجوز أن يروى، فيساء إلى صحابي من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينافح عن الدعوة وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم عمره كله.
2- لو كان حسان بن ثابت رضي الله عنه معروفًا بالجبن الذي ذكر عنه لهجاه أعداؤه ومبغضوه بهذه الخصلة الذميمة، لا سيما الذين كان يهاجيهم، فلم يسلم من هجائه أحد من زعماء الجاهلية، والرسول صلى الله عليه وسلم كان يؤيده ويدعو له، ويشجعه على هجاء زعماء المشركين().
ثامنًا: أول مستشفى إسلامي حربي:
أنشأ المسلمون أول مستشفى إسلامي حربي في غزوة الأحزاب، فقد ضرب الرسول صلوات الله وسلامه عليه خيمة في مسجده الشريف في المدينة، عندما دارت رحى غزوة الأحزاب، فأمر صلى الله عليه وسلم أن تكون رفيدة الأسلمية الأنصارية رئيسة ذلك المستشفى النبوي الحربي، وبذلك أصبحت أول ممرضة عسكرية في الإسلام()، وجاء في السيرة النبوية لابن هشام:... وكان صلى الله عليه وسلم قد جعل سعد بن معاذ في خيمة لامرأة من أسلم، يقال لها رفيدة، في مسجده، كانت تداوي الجرحى، وتحتسب بنفسها على خدمة من به ضيعة من المسلمين، وكان صلى الله عليه وسلم قد قال لقومه حين أصاب سعد بن معاذ السهم بالخندق: «اجعلوه في خيمة رفيدة، حتى أعوده من قريب»().
ويفهم من النص السابق أن من أصيب من المسلمين إن كان له أهل اعتنى به أهله، وإن لم يكن له أهل، جيء به إلى المسجد حيث ضربت خيمة فيه لمن كانت به ضيعة من المسلمين، وسعد بن معاذ الأوسي، ليس به ضيعة، ولكن لما أراد الرسول صلى الله عليه وسلم الاطمئنان عليه باستمرار، جعله في تلك الخيمة التي أعدت لمن به ضيعة وليس له أهل، ذلك أن هؤلاء هم في رعاية رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإلا فلم ضربت الخيمة في المسجد، وكان بالإمكان ضربها في أي مكان آخر؟
إن سعد بن معاذ يكرم لمآثره وما بذله في سبيل الله تعالى، فيكون هذا التكريم أن يجعل في خيمة أعدت لمن به ضيعة، وهكذا حينما يرتفع السادة يجعلون مع المغمورين الذين أخلصوا أعمالهم لله تعالى فاستحقوا أن يكونوا في رعاية رسول الله صلى الله عليه وسلم()، وهذا منهج نبوي كريم أصبح دستورًا للمسلمين على مدى الزمن.
تاسعًا: المسلم يقع في الإثم ولكنه يسارع في التوبة:
أرسل بنو قريظة إلى أبي لبابة بن عبد المنذر -وكانوا حلفاءه- فاستشاروه في النزول على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأشار إلى حلقه يعني الذبح، ثم ندم فتوجه إلى مسجد النبي صلى الله عليه وسلم فارتبط به حتى تاب الله عليه، وقد ظل مرتبطًا بالجذع في المسجد ست ليالٍ تأتيه امرأته في وقت كل صلاة فتحله للصلاة ثم يعود فيرتبط في الجذع()، وقد قال أبو لبابة: لا أبرح مكاني هذا حتى يتوب الله عليَّ مما صنعت: قالت أم سلمة: فسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم من السحر وهو يضحك فقلت: مم تضحك يا رسول الله؟ أضحك الله سنك. قال: تيب على أبي لبابة، قالت: قلت: أفلا أبشره يا رسول الله؟ قال: بلى إن شئتِ، فقامت على باب حجرتها، وذلك قبل أن يضرب عليهن الحجاب، فقالت: يا أبا لبابة، أبشر فقد تاب الله عليك قالت: فثار الناس ليطلقوه فقال: لا والله حتى يكون رسول الله هو الذي يطلقني بيده. فلما مر عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم خارجًا إلى صلاة الصبح أطلقه(). وذلك في الاعتراف بالذنب والتوبة النصوح، وإن موطن العبرة في هذا الموقف يكمن في تصرف أبي لبابة بعدما وقعت منه هذه الزلة التي أفشى بها سرًّا حربيًّا خطيرًا، فأبو لبابة لم يحاول التكتم على ما بدر منه والظهور أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين بمظهر الرجل الذي أدى مهمته بنجاح، وأنه لم يحصل منه شيء من المخالفات، وكان بإمكانه أن يخفي هذا الأمر حيث لم يطلع عليه أحد من المسلمين، وأن يستكتم اليهود أمره، ولكنه تذكر رقابة الله عليه وعلمه بما يسر ويعلن، وتذكر حق رسول الله صلى الله عليه وسلم العظيم عليه وهو الذي ائتمنه على ذلك السر، ففزع لهذه الزلة فزعًا عظيمًا()، وأقر بذنبه واعترف به وبادر إلى العقوبة الذاتية التلقائية، دون انتظار التحقيق وتوقيع العقوبة الواجبة، إنها صورة تطبيقية لقوله تعالى: (إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ) النساء: 17].
إنها صورة فريدة لتوقيع العقوبة من الإنسان نفسه على نفسه... ولا يفعل ذلك إلا أهل الإيمان، وما ذلك إلا من آثار الإيمان العميق الراسخ، الذي لا يرضى لصاحبه أن يخالطه إثم أو فسوق. وقد فرح الصحابة وفرح النبي صلى الله عليه وسلم نفسه، بتوبة الله على أبي لبابة، وتسابقوا إلى تهنئته حتى كانت أم سلمة زوجة النبي صلى الله عليه وسلم هي التي بادرت بالتهنئة بعد الإذن فبشرته
بقبول الله توبته(). وقد أنزل الله تعالى في أبي لبابة قوله تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَخُونُوا اللهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) الأنفال: 27]. ونزل في توبته قوله تعالى: ( وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) التوبة: 102]().
عاشرًا: من فضائل سعد بن معاذ رضي الله عنه:
ظهرت لسعد بن معاذ رضي الله عنه في هذه الغزوة فضائل كثيرة تدل على فضله ومنزلته عند الله ورسوله صلى الله عليه وسلم منها:
* استجابة الله تعالى لدعائه عندما قال: (اللهم إنك تعلم أنه ليس أحد أحب إليَّ أن أجاهدهم فيك من قوم كذبوا رسولك صلى الله عليه وسلم وأخرجوه، اللهم فإن بقي من حرب قريش شيء فأبقني له حتى أجاهدهم فيك)، وقد استجيب دعاؤه فتحجر جرحه، وتماثل للشفاء() حتى كانت غزوة بني قريظة، وكان سعد قد دعا أيضًا: (ولا تمتني حتى تقر عيني من بني قريظة()، وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم الحكم فيهم إليه، فحكم فيهم بالحق ولم تأخذه في الله لومة لائم، وهذا دليل على تجرد قلبه لله تعالى().
* ومن إكرام رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله للأنصار عندما جاء سعد للحكم في بني قريظة: «قوموا إلى سيدكم»(). وهذا تكريم لسعد، وتقدير لشجاعته حيث سماه سيدًا، وأمر بالقيام له().
* وعندما نفذ حكم الله في يهود بني قريظة رفع سعد يده يدعو الله ثانية يقول: اللهم فإني أظن أنك قد وضعت الحرب بيننا وبينهم (يعني قريشًا والمشركين)، فإن كنت قد وضعت الحرب بيننا وبينهم فافجرها واجعل موتي فيها()، وقد استجيب دعاؤه فانفجر جرحه تلك الليلة ومات رحمه الله(). ومن خلال دعائه الأول والثاني، نلحظ هذا الدعاء العجيب، دعاء العظماء الذين يعرفون أن رسالتهم في الحياة ليست الاستشهاد فقط، بل متابعة الجهاد إلى اللحظة الأخيرة، فهو المسؤول عن نصرة الإسلام في قومه وأمته().
* ونرى من سيرته أنه لو أقسم على الله لأبره، فهو وجيه في السماوات والأرض، فقد شاءت إرادة المولى تعالى أن يعيد الأمر في بني قريظة كله إليه، وأن يطلب بنو قريظة أن يكون الحكم فيهم لسعد بن معاذ.
* إنه لم يحرص كثيرًا على الحياة، بعد انتهاء الجهاد، وانتهاء المسئولية وتأدية الأمانة المناطة به في قيادة قومه لحرب الأحمر والأسود من الناس، فإذا انتهت الحروب ووضعت بين المسلمين وقريش، وشفى غيظ قلبه في الحكم في بني قريظة، وبدا قطف الثمار للإسلام فلا ثمرة أشهى من الشهادة (فافجر جرحى واجعل موتي فيه)().وقد تحققت آماله، فقد أصدر حكمه في بني قريظة وشهد مصرع حلفاء الأمس أعداء اليوم، وها هو جرحه ينفجر(). وعندما انفجر جرحه نقله قومه فاحتملوه إلى بني عبد الأشهل إلى منازلهم، وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقيل: انطلقوا فخرج وخرج معه الصحابة، وأسرع حتى تقطعت شسوع نعالهم، وسقطت أرديتهم، فقال: إني أخاف أن تسبقنا الملائكة فتغسله كما غسلت حنظلة، فانتهى إلى البيت وهو يغسل، وأمه تبكيه وتقول:
ويل أم سعد سعدًا حزامــــة وجــــــدًّا
فقال: كل نائحة تكذب إلا أم سعد، ثم خرج به، وقال: يقول له القوم: ما حملنا يا رسول الله ميتًا أخف علينا منه قال: «وما يمنعه أن يخف؟ وقد هبط من الملائكة كذا وكذا لم يهبطوا قط قبل يومهم قد حملوه معكم»().
وقد جاء في النسائي عن ابن عمر رضي الله عنهما عدد الملائكة الذين شاركوا في تشييع جنازة سعد فقد قال صلى الله عليه وسلم: «هذا العبد الصالح الذي تحرك له العرش، وفُتحت أبواب السماء، وشهده سبعون ألفًا من الملائكة، لم ينزلوا إلى الأرض قبل ذلك، لقد ضم ضمة ثم أفرج عنه»() يعني سعدًا.
وها هو رسول الله صلى الله عليه وسلم يودع سعدًا كما روى عبد الله بن شداد: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يكيد نفسه فقال: «جزاك الله خيرًا من سيد قوم، فقد أنجزت ما وعدته، ولينجزك الله ما وعدك»().
* لقد أثنى النبي صلى الله عليه وسلم على هذا العبد الصالح بعد موته كثيرًا أمام الصحابة ليتعرف الناس على أعماله الصالحة فيتأسوا به()، فقد قال صلى الله عليه وسلم: «اهتز عرش الرحمن لموت سعد بن معاذ»() وفي حديث البراء بن عازب رضي الله عنه قال: أهديت لرسول الله صلى الله عليه وسلم حلة حرير فجعل أصحابه يلمسونه ويعجبون من لينها، فقال: «أتعجبون من لين هذه؟ لمناديل سعد بن معاذ في الجنة خير منها وألين»().
ومع كل هذه المآثر والمحاسن والأعمال الجليلة التي قدمها لخدمة دين الله، فقد تعرض لضمة القبر: لما انتهوا إلى قبر سعد رضي الله عنه نزل فيه أربعة: الحارث بن أوس، وأسيد بن الحضير، وأبو نائلة سلكان، وسلمة بن سلامة بن وقش، ورسول الله صلى الله عليه وسلم واقف، فلما وضع في قبره، تغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وسبح ثلاثًا، فسبح المسلمون حتى ارتج البقيع ثم كبَّر ثلاثًا، وكبَّر المسلمون، فسئل عن ذلك فقال: «تضايق على صاحبكم القبر، وضم ضمة لو نجا منها أحد لنجا هو، ثم فرج الله عنه»().
إن هذا الصحابي الجليل قد استُشهد وهو في ريعان شبابه، فقد كان في السابعة والثلاثين من عمره، يوم وافته منيته، وهذا يعني أنه قاد قومه إلى الإسلام وهو في الثلاثين من عمره، فقد كانت هذه السيادة في العشرينيات من عمره، وقبل أن يكون على مشارف الثلاثين، وإنما تنفجر الطاقات الكامنة والمواهب بعد سن الأربعين التي هي غاية الرشد قال تعالى: ( وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْرًا حَتَّى إذا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ) الأحقاف: 15]. فأي طراز هذا الذي حفل تاريخه بهذه المآثر، واستبشر أهل السماوات بقدومه، واهتز عرش الرحمن فرحًا لوفاته، من دون خلق الله أجمعين(). كان سعد بن معاذ، رجلا أبيض، طوالاً، جميلاً، حسن الوجه، أعين، حسن اللحية()، رحمة الله عليه ورضي عنه، وأعلى ذكره في المصلحين.
الهوامش
() محفر: اسم فاعل من حفَّر.
() أهيل: رملاً سائلاً. انظر: النهاية في غريب الحديث (5/289).
() أهيم: الرمل الذي لا يتمالك، انظر: لسان العرب (3/858).
() العناق: الأنثى من أولاد الماعز، انظر: النهاية في غريب الحديث (3/310).
() البرمة: هي القدر مطلقًا، انظر: النهاية في غريب الحديث (1/121).
() الأثافي: الحجارة التي تنصب ويجعل القدر عليها، انظر: القاموس المحيط (3/120)
() ولا تضاغطوا: أي لا تزاحموا. انظر: لسان العرب (2/537).
() البخاري، كتاب المغازي، باب غزوة الخندق (5/55) رقم 4101.
() انظر: السيرة النبوية لابن هشام (3/241). (2) انظر: المرأة في العهد النبوي، ص175.
() انظر: السيرة النبوية في ضوء المصادر الأصلية، ص448.
()المصدر نفسه، ص449. (5) انظر: نضرة النعيم (1/325).
() انظر: السيرة النبوية لابن هشام (3/255)
() انظر: من معين السيرة للشامي، ص291.
() انظر: السيرة النبوية لابن هشام (3/247).
() المصدر نفسه (3/247) ضعفه الألباني في ضعيف الجامع الصغير.
() انظر: التاريخ الإسلامي للحميدي (6/108).
() البخاري، كتاب المغازي، باب غزوة الخندق رقم 4111.
() انظر: الأساس في السنة (2/682).
() انظر: فقه السيرة النبوية، ص223. (2) انظر: من معين السيرة، ص294.
() انظر: الرحيق المختوم، ص283? 284.
() انظر: المستفاد من قصص القرآن للدعوة والدعاة (2/246).
() انظر: صحيح السيرة النبوية، ص365. (4) المصدر نفسه، ص365.
(1) انظر: صحيح السيرة النبوية، ص365. (2) انظر: غزوة الأحزاب، الدكتور أبو فارس.
() انظر: المستشفيات الإسلامية، الدكتور عبد الله السعيد، ص43.
() انظر: السيرة النبوية لابن هشام (3/263).
() انظر: من معين السيرة، ص294. (2) انظر: المستفاد من قصص القرآن (2/286).
() انظر: السيرة النبوية لابن هشام (3/262).
() انظر: التاريخ الإسلامي للحميدي (6/165).
() انظر: صور وعبر من الجهاد النبوي في المدينة، ص261.
() انظر: السيرة النبوية لابن هشام، (3/262).
() انظر: فقه السيرة للبوطي، ص228.

