إتجاهات الرأي

طرابلس Fair Partly Cloudy Mostly Sunny
17°C 23°C 19°C
السبت الأحد الاثنين

هل‮ ‬يمثل بوش أمام محكمة جرائم الحرب؟

هل يقتاد بوش الى الجنايات الدولية   لقطة افتراضية
لعل من المفارقات الغريبة في‮ ‬هذا الزمن‮ ‬غير العادل أن‮ ‬يبقى الرئيس الأمريكي‮ ‬الأسبق جورج بوش حرا طليقا بعد سلسلة‮  ‬جرائم الحرب التي‮ ‬ارتكبها ضد الإنسانية في‮ ‬أكثر من مكان في‮ ‬العالم أثناء فترة رئاسته الأولى والثانية وما صاحب ذلك من أضاليل وأكاذيب وضعها لإنجاح مهماته العدوانية وعلى وجه الخصوص في‮ ‬العراق وأفغانستان في‮ ‬إطار ما أسماه الحرب على الإرهاب في‮ ‬أعقاب أحداث الحادي‮ ‬عشر من سبتمبر عام‮ ‬2001 م والذي‮ ‬أطلق بوش في‮ ‬حينها شعاره من ليس معنا فهو ضدنا وهي‮ ‬إشارة موجهة إلى المجتمع الدولي‮ ‬بهدف ضمان التأييد والموافقة على سياسته باحتلال العراق تحت ذريعة امتلاكه لأسلحة الدمار الشامل وتهديد المنطقة والذي‮ ‬اتضح فيما بعد أن تلك الحجج والذرائع كانت ملفقة ومجافية للحقيقة‮.‬
والسؤال الذي‮ ‬يطرح نفسه من ذا الذي‮ ‬يتحمل مسئولية احتلال العراق وأفغانستان وما نتج عنه من قتل لآلاف المدنيين ؟ لعل من المنطق والموضوعية أن‮ ‬يوضع هذا الجرم التاريخي‮ ‬برسم المحاكم الدولية لمحاسبة المسئولين عنه باعتبارهم مجرمي‮ ‬حرب عملوا على زعزعة الأمن والسلام العالميين ولا زالت تداعيات تلك السياسة العدوانية التي‮ ‬انتهجها بوش تلقي‮ ‬بظلالها في‮ ‬المشهدين العراقي‮ ‬والأفغاني‮ ‬ولم‮ ‬يتوقف الأمر فقط عند حدود الإحتلال فقط وإنما تعداه ليصبح مأزقا حقيقيا للإدارة الأمريكية نفسها التي‮ ‬وجدت نفسها أمام مفترق طرق إما البقاء في‮ ‬العراق وأفغانستان وتكبد المزيد من الخسائر وإما الإعلان عن خطة للإنسحاب وهو ما‮ ‬يراه بعض المسئولين الأمريكيين بمثابة الإعلان عن الهزيمة وعدم مقدرة القوات الأمريكية عن أداء‮  ‬واجباتها على الوجه المطلوب ويبدو في‮ ‬كلا الحالين أن مجمل التقارير الواردة إلى البيت الأبيض تؤكد صراحة على الوضع المأساوي‮ ‬للجنود الأمريكيين وهو ما دعا قائد القوات الأمريكية في‮ ‬أفغانستان إلى طلب النجدة بزيادة عديد القوات الأمريكية بعد تزايد هجمات طالبان وما تحدثه من ضربات مؤلمة في‮ ‬مواقع تمركز القوات الحليفة‮ .‬

والمشهد العراقي‮ ‬لا‮ ‬يختلف في‮ ‬جوهره عن المشهد الأفغاني‮ ‬فبعد الإعلان الأمريكي‮ ‬عن الإنسحاب من بعض المدن العراقية وتسليمها إلى قوات الأمن العراقية دليل واضح على أن المهمة الأمريكية قد فشلت فشلا ذريعا الأمر الذي‮ ‬دفع ببعض المسئولين الأمريكيين إلى البحث بجدية عن وضع آليات للإنسحاب في‮ ‬غضون الأشهر المقبلة‮ ‬،‮ ‬ويرى بعض المحللين السياسيين أن قرار الإنسحاب الأمريكي‮ ‬من العراق ليس مرتبطا فقط بالوجود العسكري‮ ‬هناك وإنما كذلك بسبب الوضع المتأزم في‮ ‬المنطقة على خلفية برنامج إيران النووي‮ ‬وتهديدات إسرائيل بضرب المنشآت الإيرانية وما قد‮ ‬ينجر عنه من ردات فعل إيرانية قد تستهدف القوات الأمريكية وقواعدها المنتشرة في‮ ‬الخليج العربي‮. ‬

ولعل من المفيد التذكير أن ما تواجهه إدارة الرئيس الأمريكي‮ ‬باراك أوباما من أزمات سياسية وعسكرية واقتصادية هي‮ ‬نتيجة طبيعية للتركة الثقيلة التي‮ ‬خلفها بوش بسبب سياسته الفاشلة وخصوصا في‮ ‬موضوع مكافحة الإرهاب والتي‮ ‬ما جنا منها العالم سوى الدمار والخراب ولعل أبلغ‮ ‬شاهد على ذلك‮  ‬اليوم معتقل‮ ‬غوانتنامو وما‮ ‬يجري‮ ‬فيه من تعذيب وقهر بحق المعتقلين الذين لم‮ ‬يقدموا بعد إلى المحاكمة وهذا بطبيعته‮ ‬يتنافى جملة وتفصيلا مع مواثيق حقوق الإنسان وقوانين معاملة المعتقلين‮ ‬،‮ ‬وكانت أصوات قد علت مؤخرا في‮ ‬الولايات المتحدة بفتح ملف‮ ‬غوانتنامو والانتهاكات المفضوحة التي‮ ‬مارسها أفراد من المخابرات الأمريكية في‮ ‬أبشع صورة للظلم والاضطهاد إلا أن الموضوع لم‮ ‬يكتب له النجاح بسبب معارضة عدد من السياسيين الأمريكيين الذين وجدوا في‮ ‬هذا الملف صورة سوداء قد تلحق بالتاريخ الأمريكي‮ ‬في‮ ‬وقت‮ ‬يحاول أوباما اتباع استراتيجية جديدة‮  ‬لتحسين صورة الولايات المتحدة في‮ ‬الخارج وبصرف النظر إن نجحت سياسة أوباما أم لم تنجح فالعالم كله بات‮ ‬يعرف أن ما أقدم عليه جورج بوش أثناء فترة رئاسته كان كارثة حقيقية ستبقى عالقة بالأذهان مهما حاول الأمريكيون تلمييع صورة أمريكا وإذا كانت الدول والحكومات قد تناست حجم المآسي‮ ‬التي‮ ‬خلفها بوش في‮ ‬العراق وأفغانستان‮  ‬فلا أخال أن الشعوب التي‮ ‬تضررت بشكل مباشر من عدوان بوش ستنسى وربما‮ ‬يأتي‮ ‬اليوم التي‮ ‬تقدم فيه هذه الشعوب على تقديم مذكرات توقيف بحق الرئيس الأسبق بوش وتقديمه إلى محكمة العدل الدولية أسوة بمن قدموا للمحاكمة أمثال الصربي‮ ‬كاردتش واليوغسلافي‮ ‬ميلوزوفيتش‮  ‬والليبيري‮ ‬تايلر وحقيقة الأمر أن الولايات المتحدة تدرك جيدا مدى الصعوبات التي‮ ‬تواجهها في‮ ‬سياستها الخارجية وتدرك كذلك جملة الأخطاء الجسيمة التي‮ ‬أوجدتها الإدارة السابقة إلا أن إدارة أوباما تحاول عدم الاعتراف بحقيقة تلك الأخطاء بشكل مباشر حتى لا‮ ‬يفتح جدل دولي‮ ‬بشأنها وتصبح أمريكا في‮ ‬قفص الاتهام في‮ ‬وقت تسعى الدبلوماسية الأمريكية كما‮ ‬يقول مسئوليها وفي‮ ‬مقدمتهم وزيرة الخارجية هيلاري‮ ‬كلينتون إلى إعادة التوازن في‮ ‬العلاقات الدولية وفق‮  ‬استراتيجية جديدة تعتمد بداية‮  ‬على حل بعض القضايا العالمية‮  ‬العالقة ومنها ما تسبب بوجودها الرئيس الأسبق بوش والتي‮ ‬تشكل تهديدا لحياة الآلاف من الجنود الأمريكيين المنتشرين سواء في‮ ‬منطقة الشرق الأوسط أو في‮ ‬أفغانستان‮.
  ‬
وعليه ليس من العدل أو الإنصاف بوجود المحاكم الدولية التي‮ ‬تنظر بجرائم الحرب أن‮ ‬يظل‮  ‬جورج بوش خارج قضبان السجن نظير ما قام به من انتهاكات صارخة لحقوق الإنسان في‮ ‬العراق وأفغانستان والمعاملة السيئة التي‮ ‬يلقاها المعتقلون في‮ ‬السجون الأمريكية السرية والعلنية‮  ‬وتحديدا في‮ ‬معتقلي‮ ‬غوانتنامو وأبو‮ ‬غريب فهل‮ ‬يصحو ضمير العالم‮ ‬يوما ويطالب بمثول بوش أمام محكمة جرائم الحرب ؟‮.‬



التعليقات (0)

RSS خاصية التعليقات

أضف تعليق

تصغير | تكبير

busy
حاليا يتواجد 190 متصفح لموقع صحيفة أويا