
النطق بالشهادتين ..وعقد الإسلام
دين الإسلام هو خاتم الرسالات النبوية التي أنزلها الله سبحانه وتعالى لهداية الخلق إلى عبادة الله وحده ، والرسول صلى الله عليه وسلم الذي أرسله الله عزَّ وجلَّ إلى الخلق كافة هو خاتـم النبيين ]ما كان محمَّد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين [ الأحزاب : 40 , قرئ بفتح التاء وبكسرها ، فبالفتح على اسم الآلة ، وبالكسر على اسم الفاعل وكلاهما يرجع إلى معنى أنه آخر الأنبياء .
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنََّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( فُضلِّت على الأنبياء بست ، أُعطيت جوامع الكلم ، ونُصرت بالرعب ، وأُحلت لي الغنائم ، وجُعلت لي الأرض طهوراً ومسجداً , وأُرسلت إلى الخلق كافةً وخُتم بي النبيون ) , ولا يقبل الله تعالى من الناس ـ منذ أن بَعَث نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم من أحد ديناً غير الإسلام } ومن يبتغ غير الإسـلام ديناً فلن يقبل منـه وهو في الآخـرة من الخاسرين ] آل عمران[ : [85 ] , وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال
: (والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة. يهودي ولا نصراني ثم مات ولم يؤمن بي إلاَّ كان من أهل النار),) وفي إرسال النبي صلى الله عليه وسلم رسله وكتبــه إلـــى أنحـــاء الأرض ، إلــــى كســرى وقيصـــر والنجاشــي والمقوقــس وسائـر ملــوك الأرض يــأمــرهــم باعتنــاق الإســـلام ، والإيمـان به دليل على عموم رسالته صلى الله عليه وسلم ).
المبحث الأول :
ثبوت حكم الإسلام لكل من نطق بالشهادتين أو ما يقوم مقامهما : قال الله تعالى : يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلم لست مؤمناً تبتغون عرض الحياة الدنيا فعند الله مغانم كثيرة كذلك كنتم من قبل فمنَّ الله عليكم فتبينوا إنَّ الله كان بما تعملون خبيراً النساء : 94 ) يقـول الإمام القرطبي في تفسير هذه الآية ( وهذه الآية نزلت في قوم من المسلمين مروا في سفرهم برجل معه جمل وغُنَيمة يتبعها فسلَّم على القوم وقال : لا إله إلاَّ الله محمَّد رسول الله ، فحمل عليه أحدهما فقتله ، فلمَّا ذُكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم شقَّ عليه ونزلت الآية ) . وأخرج البخاري عن عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : كان رجل في غُنَيمة له فلحقه المسلمون فقال السلام عليكم فقتلوه وأخذوا غنيمته ، فأنزل الله تعالى ذلك ... الثالثة ، قوله تعالى : ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلم لست مؤمناً ، السلَم والسِّلْم والسلام واحد ، قاله البخاري وقرئ بها كلها ، فالسلم الاستسلام والانقياد أي لا تقولوا لمن ألقى بيده واستسلم لكم وأظهر دعوتكم لست مؤمناً . وقيل السلام قوله : السلام عليكم وهو راجع إلى الأول لأنَّ سلامه بتحية الإسلام مؤذن بطاعته وانقياده ... الخامسة : والمسلم إذا لقي الكافر ولا عهد له جاز له قتله ، فإن قال لا إله إلاَّ الله لم يجز قتله لأنه قد اعتصم بعصام الإسلام المانع من دمه وماله وأهله ، فإن قتله بعد ذلك قُتل به وإنما سقط القتل عن هؤلاء لأجل أنهم كانوا في صدر الإسلام وتأولوا لأنَّه قالها متعوذاً وخوفاً من السلاح وأنَّ العاصم قولها مطمئناً ، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه عاصم كيفما قالها ولذلك قال لأسامة : ((أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا ؟ ) ، أخرجه مسلم ، ( أي تنظر أصادق هو في قوله أم كاذب ؟ ) وذلك لا يمكن ، فلم يبق إلاَّ أن يبين عنه بلسانه ، وفي هذا من الفقه باب عظيم وهو أنَّ الأحكام تناط بالمظان والظواهر لا على القطع واطلاع السرائر ...) ، وذكر الإمام ابن كثير عدة روايات في سبب نزول هذه الآية منها : ما رواه الإمام الحافظ أبو بكر البزار بسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية فيها المقداد بن الاسود فلمَّا أتوا القوم وجدوهم قد تفرقوا وبقي رجل له مال كثير لم يبرح فقال : أشهد أن لا إله إلاَّ الله ، وأهوى إليه المقداد فقتله ، فقال له رجل من أصحابه : أقتلت رجلاً شهد أن لا إله إلاَّ الله ؟ والله لأذكرنَّ ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فلما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا : يا رسول الله : إنَّ رجلاً شهـد أن لا إله إلاَّ الله فقتله المقداد ، فقال : ( ادعوا لي المقداد ، يا مقداد أقتلت رجلاً يقـول لا إله إلاَّ الله ؟ فكيف لك بلا إله إلاَّ الله غداً ؟! ) قال : فأنزل الله } يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلم لست مؤمناً تبتغون عرض الحياة الدنيا فعند الله مغانم كثيرة كذلك كنتم من قبل فمَنَّ الله عليكم فتبينوا إنَّ الله كان بما تعملون خبيراً { النساء : 94 ]فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للمقداد : ( كان رجل مؤمن يخفي إيمانه مع قوم كفار فأظهر إيمانه فقتلته كذلك كنت تخفي إيمانك بمكة قبل ) .
وقال الإمام الشوكاني في تفسير هذه الآيـة : ( قوله } ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلم { وقرئ } السلام { ومعناهما واحد واختار أبو عبيـد } السلام { وخالفه أهل النظر ، فقالوا السلم هنا أشبه لأنه بمعنى الانقياد والتسليم والمراد هنا لا تقولوا لمن ألقى بيده إليكم واستسلم لست مؤمناً ، فالسلم والسلام كلاهما بمعنى الاستسلام وقيل هما بمعنى الإسلام أي لا تقولوا لمن ألقى إليكم الإسلام ، أي كلمته وهي الشهادة لست مؤمناً ، وقيل هما بمعنى التسليم الذي هو تحية أهل الإسلام أي لا تقولوا لمن ألقى إليكم التسليم فقال ( السلام عليكم ) } لست مؤمناً { والمراد نهي المسلمين عن أن يهملوا ما جاء به الكافر مما يستدل به على إسلامـه ويقولوا إنه إنما جاء بذلك تعوذاً وتقية وقرأ أبو جعفر } لسـت مُؤمَناً { من أمنه : إذا أجرته فهو مؤمن ، وقد استدل بهذه الآية على أنَّ من قتل كافراً بعد أن قال لا إله إلاَّ الله قُتل به ، لأنه قد عصم بهذه الكلمة دمه وماله وأهله ، وإنما سقط القتل عمن وقع منه ذلك في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ( لأنهم تأولوا وظنوا من قالها خوفاً من السلاح لا يكون مسلماً ولا يصير بها دمه معصوماً وأنَّه لا بدَّ من أن يقول هذه الكلمة وهو مطمئن غير خائف ) ، وفي حكم التكلم بكلمة الإسلام إظهار الانقياد بأن يقول ( أنا مسلم ) أو (أنا على دينكم ) ، لما عرفت من أنَّ معنى الآية الاستسلام والانقياد وهو يحصل بكل ما يشعـر بالإسلام من قول أو فعل ومن جملة ذلك كلمة الشهادة وكلمة التسليم ) ، وقال الحافظ ابن حجر في شرح كتاب التفسير من صحيح البخاري : ( وفي الآية دليل على أنَّ من أظهر شيئاً من علامات الإسلام لم يحلّ دمه حتى يختبر أمره لأنَّ السلام تحية المسلمين ، وكانت تحيتهم في الجاهلية بخلاف ذلك فكانت هذه علامة ، وأما على قراءة } السلم { على اختلاف ضبطه فالمراد به الانقياد وهو علامة الإسلام لأنَّ معنى الإسلام في اللغة الانقياد ولا يلزم من الذي ذكرته الحكم بإسلام من اقتصر على ذلك وإجراء أحكام المسلمـين عليـه بل لا بدَّ من التلـفظ بالشهادتين على تفاصيل في ذلك بين أهـل الكتاب وغيرهـم والله أعلـم .). عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( أُمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلاَّ الله وأنَّ محمداً رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا منى دماءهم وأموالهم إلاَّ بحق الإسلام وحسابهم على الله تعالى ) ، قال العلامة ابن رجب : ( هذا الحديث أخرجاه في الصحيحين من رواية واقد بن محمَّد بن زيد بن عبد الله بن عمر عن أبيه عن جده عبد الله بن عمر رضي الله عنهما , وقوله إلاَّ بحق الإسلام ، هذه اللفظة تفرد بها البخاري دون مسلم ، وقد رُوي معنى هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه متعددة ، ففي صحيح البخاري عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( أُمرت أن أقاتل الناس يعني المشركين حتى يشهدوا أن لا إله إلاَّ الله وأنَّ محمداً عبده ورسوله فإذا شهدوا أن لا إله إلاَّ الله وأنَّ محمداً رسول الله وصلُّوا صلاتنا واستقبلوا قبلتنا وأكلوا ذبيحتنا فقد حرمت علينا دماؤهم وأموالهم إلاَّ بحقها ) ، وخرَّج الإمام أحمد من حديث معاذ بن جبل عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إنَّما أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلاَّ الله وحده لا شريك له وأنَّ محمداً رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك فقد اعتصموا أو عصموا دماءهم وأموالهم إلاَّ بحقها وحسابهم على الله عزَّ وجلَّ .
وخرَّجه ابن ماجه مختصراً وخرَّج نحوه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه ، ولكن المشهور من رواية أبي هريرة ليس فيه ذكر إقام الصلاة ولا إيتاء الزكاة ، ففي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( أُمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلاَّ الله فمن قال لا إله إلاَّ الله عصم مني ماله ونفسه إلاَّ بحقها وحسابه على الله عزَّ وجلَّ ـ وفي رواية لمسلم ـ ( حتى يشهدوا أن لا إله إلاَّ الله ويؤمنوا بي وبما جئت به ) ، ثم قال ابن رجب بعد ذكر هذه الروايات : ( ومن المعلوم بالضرورة أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبل من كل من جاءه يريد الدخول في الإسلام الشهادتين فقط ويعصم دمه بذلك ويجعله مسلماً ، فقد أنكر على أسامة بن زيد رضي الله عنهما قتله لمن قال لا إله إلاَّ الله لمَّا رفع عليه السيف واشتد نكيره عليه ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يشترط على من جاءه يريد الإسلام أن يلتزم الصلاة والزكاة بل قد رُوي أنه قبل من قوم الإسلام واشترطوا ألاَّ يزكوا ، ففي مسند الإمام أحمد عن جابر رضي الله عنه قال : ( اشترطت ثقيف على رسول الله صلى الله عليه وسلم ألاَّ صدقة عليهم ولا جهاد ، وأنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( سيتصدقون ويجاهدون ) ، وفيه أيضاً عن نصر بن عاصم الليثي عن رجل منهم ( أنَّه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فأسلم على ألاَّ يصلي إلاَّ صلاتين فقبل منه ) ، وأخذ الإمام أحمد بهذه الأحاديث وقال : يصح الإسلام على الشرط الفاسد ثم يلزم بشرائع الإسلام كلها واستدل أيضاً أنَّ حكيم بن حزام قال : ( بايعت النبي صلى الله عليه وسلم على ألاَّ أخِرَّ إلاَّ قائماً ) ، قال أحمد : معناه أن يسجد من غير ركوع ، وخرَّج محمَّد بن نصر المروزي بإسناد ضعيف جداً عن أنس رضي الله عنه قال : لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يقبل من أجابه إلى الإسلام إلاَّ بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وكانت فريضتين على من أقرَّ بمحمد صلى الله عليه وسلم وبالإسلام ، وذلك قول الله عزَّ وجلَّ : } فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة { المجادلة : 13وهذا لا يثبت وعلى تقدير ثبوته فالمراد منه أنه لم يكن يقرّ أحداً دخل في الإسلام على ترك الصلاة والزكاة ، وهذا حق فإنه صلى الله عليه وسلم أمر معاذاً رضي الله عنه لما بعثه إلى اليمن أن يدعوهم أولاً إلى الشهادتين وقال : ( إن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم بالصلاة ثم بالزكاة ) ، ومراده أنَّ من صار مسلماً بدخوله للإسلام ، أُمر بعد ذلك بإقام الصلاة ثم بإيتاء الزكاة ، وكان من سأله عن الإسلام يذكر له مع الشهادتين بقية أركان الإسلام ، كما قال جبريل عليه الصلاة السلام لمَّا سأله عن الإسلام ، وكما قال للأعرابي الذي جاءه ثائر الرأس يسأله عن الإسلام .
وبهذا الذي قررناه يظهر الجمع بين ألفاظ أحاديث هذا الباب ويتبين أنَّ كلها حق فإنَّ كلمتي الشهادتين بمجردهما تعصم من أتى بهما ويصير بذلك مسلماً ) ، ثم قال : ( وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم دعا علياً رضي الله عنه يوم خيبر فأعطاه الراية وقال : ( امش ولا تلتفت حتى يفتح الله عليك ، فسار عليٌ شيئاً ثم وقف فصرخ : يا رسول الله على ماذا أقاتل الناس؟ فقال : قاتلهم على أن يشهدوا أن لا إله إلاَّ الله وأنَّ محمداً رسول الله ، فإذا فعلوا ذلك فقد عصموا منك دماءهم وأموالهم إلاَّ بحقها وحسابهم على الله عزَّ وجلَّ ، وجعل مجرد الإجابة إلى الشهادتين عصمة للنفوس والأموال إلاَّ بحقها ) . ويقول الإمام النووي في شرح حديث : ( أمرت أن أقاتل الناس .... الحديث ) ، وفيه أنَّ الإيمان شرطه الإقرار بالشهادتين مع اعتقادهما واعتقاد جميع ما أتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد جمع ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : ( أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلاَّ الله ويؤمنوا بي وبما جئت به ) ، ( وفيه صيانة مال من أتى بكلمة التوحيد ونفسه ولو كان عند السيف ، وفيه أنَّ الأحكام تجرى على الظاهر والله تعالى يتولى السرائر ) . يقول الشيخ ابن باديس رحمه الله : ( الدخول في الإسلام والإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم ويكون بشهادة أن لا إله إلاَّ الله وأنَّ محمداً رسول الله ، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل رضي الله عنه لما بعثه إلى اليمن : ( إنك تأتي قوماً من أهل الكتاب فادعهـم إلى شاهدتي أن لا إله إلاَّ الله وأني رسول الله ، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أنَّ الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة ، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أنَّ الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد إلى فقرائهم ، فإن هم أطاعوا لذلك فإياك وكرائم أموالهم واتق دعوة المظلوم فإنها ليس بينها وبين الله حجاب ) ، ويقول الإمام ابن تيمية : ( وقد عُرف بالاضطرار من دين الرسول صلى الله عليه وسلم واتفقت عليه الأمة ، أنَّ أصل الإسلام هو أول أمر يؤمر به الخلق ، شهادة أن لا إله إلاَّ الله وأنَّ محمداً رسول الله ، فبذلك يصير الكافر مسلماً والعدو ولياً والمباح دمه وماله معصوم الدم والمال ، ثمَّ إن كان ذلك من قلبه فقد دخل في الإيمان وإن قاله بلسانه دون قلبه فهو في ظاهر الإسلام دون باطن الإيمان ) ، ويقول شيخ الإسلام في كتاب الإيمان : ( فلا يكون مسلماً إلاَّ من شهد ألاَّ إله إلاَّ الله وأنَّ محمداً عبده ورسوله ، وهذه الكلمة يدخل بها الإنسان في الإسلام ، فمن قال الإسلام الكلمة وأراد هذا فقد صدق ). فهذه الأدلة والنصوص من الكتاب والسنة تدلُّ دلالةً واضحةً أنَّ الإنسان يصبح مسلماً معصوم الدم والمال بمجرد نطقه بالشهادتين كما بين ذلك الأئمة العلماء .
خطأ القول ببطلان إيمان المقلد : سيأتي في باب ’’ الغلو في الدين ‘‘ ذكر أسباب الغلو ومظاهره وأنَّ من مظاهره : الغلو في ذم التقليد في الفروع الفقهية وسنذكر هناك من الأدلة الشرعية وكلام أهل العلم ما يكفي في بطلان إطلاق القول بتحريم التقليد المذكور . ولو كان الأمر مقتصراً على ذم التقليد في الفروع لكان الأمر هيناً ، ولكنه تسلل ليصل إلى مسائل الإيمان والتوحيد ، فظهر القول ببطلان إيمان المقلد بدعوى أنَّه لا إيمان إلاَّ عن دليل ، وهذا نَفَسٌ اِعْتِزَالي ، إذ أنَّ فرقة المعتزلة أول من تقلد هذه المقالة ، وتلقفها عنهم بعض أهل السنة حتى ظنها كثير ممن جاء بعدهم مذهباً لهم ، وقد ترتب على هذا القول لوازم شنيعة ومآلات مستنكَرة , منها تكفير كثير بل أكثر المسلمين وهؤلاء ـ كما يقول الإمام الغزالي ـ جعلوا الجنة مختصة بشرذمة يسيرة من المتكلمين ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يكلف من رام الدخول في الإسلام أكثر من النطق بالشهادتين على وجه الإقرار والانقياد ، أي بقصد الدخول في الإسلام ، وكان يقبل إسلام الكبير والصغير والملك والسوقة والحاضر والبادي وغيرهم من غير أن يكلِّفهم ترتيب الأدلة المنطقية ولا تركيب الأقيسة العقلية ، وبذلك يتضح خطأ قول من يقول اليوم من بعض المتفلسفة : إنَّ إسلام الكثيرين اليوم مدخول أو غير صحيح لأنه مبني على التقليد أو إنَّه ( إسلام بالوراثة ) وسنبين ـ إن شاء الله ـ عند الكلام على ثبوت الإسلام بالتبعية ، أنَّ تبعية الابن لأبويه المسلمين أو أحدهما كافية في الحكم بإسلامه ، وقد ذكر الإمام النووي رحمه الله أنَّ ( مذهب المحققين والجماهير من السلف والخلف أنَّ الإنسان إذا اعتقد دين الإسلام اعتقاداً جازماً لا تردد فيه كفاه ذلك وهو مؤمن من الموحدين ولا يجب عليه تعلم أدلة المتكلمين ومعرفة الله بها ، خلافاً لمن أوجب ذلك وجعله شرطاً في كونه من أهل القبلة وزعم أنه لا يكون له حكـم المسلمين إلاَّ به ، وهذا المذهب هو قول كثير من المعتزلة وبعض أصحابنا المتكلمين وهو خطأ ظاهر فإنَّ المراد : التصديق الجازم وقد حصل ، ولأنَّ النبي صلى الله عليه وسلم اكتفى بالتصديق بما جاء به صلى الله عليه وسلم ولم يشترط المعرفة بالدليل فقد تظاهرت بهذا أحاديث في الصحيحين يحصل بمجموعها التواتر بأصلها والعلم القطعي ) , وقد استعظم الإمام الشوكاني القول بنفي الإيمان عن المقلد : لما يتضمنه من الجناية على هذا الأمة المرحومة وتكليف لهم بما ليس في وسعهم ولا يطيقونه ، وقد كفى الصحابة الذين لم يبلغوا درجة الاجتهاد ولا قاربوها : الإيمان الجملي ولم يكلِّفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بين أظهرهم بمعرفة ذلك ولا أخرجهم عن الإيمان بتقصيرهم عن البلوغ إلى العلم بذلك بأدلته .
لقد أسلم كثير من الصحابة بأن أقروا بالشهادتين رغم عدم علمهم بأمور تتعلق بأركان الإيمان ومع ذلك لم يرد النبي صلى الله عليه وسلم إسلامهم بل ولم يعنفهم ـ بأبي هو وأمي ـ عندما سألوه عنها بعد إسلامهم بزمن ، يقول العلامة ابن عبد البر في كتاب التمهيد مقرراً هذه الحقيقة : ( إنَّ بعض الصحابة سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم مستفهمين عن القدر ولم يكونوا يعلمون ولم يكونوا بسؤالهم عند ذلك كافرين ولو لم يسعهم ذلك لعلمهم صلى الله عليه وسلم مع الشهادتين ولأخذ في تعليمهم حين إسلامهم ) ، هذا ومن اللوازم الشنيعة التي ترتبت على القول ببطلان إيمان المقلِّد أنَّ بعضهم أوجب عليه الشك في عقيدته التي جزم بها ثم أوجب عليه النظر في الأدلة ليعيد بناء معتقده على الدليل وقالوا : الشك قنطرة اليقين !! فانظر كيف يُؤمر العبد الموقن بنقض يقينه بنفسه وتخريب بيت عقيدته بيده ، أتراه يضمن العيش حتى يرجع إليه ذلك اليقين بما زعموه من النظر العقلي و الأقيسة المنطقية ؟ ! إنَّ الأدلة الشرعية ولا سيما من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وسيرة أصحابه لتدل دلالةً واضحةً على عدم صحة هذه المقالة على صحة ما ذهب إليه أئمة الهدى وعلى رأسهم الأئمة الأربعة من أنَّ أول واجب على المكلف هو شهـادة أن لا إله إلاَّ الله وأنَّ محمداً رسـول الله ، يقول شـارح العقيدة الطحاوية : ( الصحيح أنَّ أول واجب على المكلف شهادة أن لا إله إلاَّ الله ، لا النظر ، ولا القصد إلى النظر ولا الشك كما هي أقوال لأرباب الكلام المذموم بل أئمة السلف كلهم متفقون على أنَّ أول ما يُؤمر به العبد الشهادتان ، ومتفقون على أنَّ من فعل ذلك قبل البلوغ لم يؤمر بتجديد ذلك عقيب بلوغه ) ، وذكر أهل العلم أنَّ ( في تكليف العامة الاجتهاد في مسائل الأصول إشكال بأنَّ العامي لا يستقل بإدراك الدليل العقلي ) ، ويقول العلامة محمَّد الأمين الشنقيطي في تفسيره أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن 7 / 201 ) : والآيات القرآنية مصرِّحة بكثرة على عدم الاكتفاء بما نصب من الأدلة وما ركز من الفطرة ، بل إنَّ الله تعالى لا يُعذِّب أحداً حتى يقيم عليه الحجة بإنذار الرسل ، فمن ذلك قوله} وما كنَّا معذبين حتى نبعث رسولاً { ولم يقل حتى نخلق عقولاً وننصب أدلةً ونركز فطرة ) ، ويقول الشيخ الصادق الغرياني : ( غالى متأخرو الأشاعرة في دعوة الناس إلى مذهبهم ، حتى جعلوا من لم ينتسب إلى الأشعري في العقيدة لا إيمان له ، فهـم يقولـون : إنَّه لا يكمل الإيمان إلاَّ بالأخذ بمذهبهم واتباع طريقهم وأنَّه يتعين على العالم والجاهل قراءته وأنَّه لا ينبغي لأحد في ابتداء أمره أن يتعلم شيئاً من الفرائض ولا الصلاة ولا الطهارة قبل معرفة أصول الأشعرية ومن خالف ذلك كفروه ، هذا الكلام ليس فيه شيء من العلـم ولا من الدين ، يقول ابن رشد في الرد عليه : ولا يتأوله على الأشعرية إلاَّ جاهل غبي ، لأنهم إذا لم يصلُّوا ولا صاموا ولا حجوا حتى يعرفوا الله تعالى من تلك الطريقة الغامضة قد لا يصلون إلى معرفته من تلك الطريقة إلاَّ بعد المـدة الطويلة أو تنبو أفهامهـم عنها فيمرقـون من الدين مسائل ابن رشد / 762,857/2 ولأنَّ الله تعالى أكمل الدين بتبليغ النبي صلى الله عليه وسلم ، ولم يترك شيئاً لمن يأتي بعد النبي صلى الله عليه وسلم يتوقف عليه إيمان المؤمنين فلا حاجة لأحد في الإيمان بالله إلى سوى ما أنزله الله تعالى في كتابه وسنه على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم ، بل إنَّ ابن رشد رحمه الله تعالى أفتى بوجوب منع المبتدئين من قراءة مذهب المتكلمين من الأشعريين فقال : من الواجب على من ولاَّه الله أمر المسلمين أن ينهى العامة المبتدئين عن قراءة مذاهب المتكلمين من الأشعريين ويمنعهم من ذلك غاية المنع مخافة أن تنبو أفهامهم عنها فيضلون بقراءتها ويلزمهم أن يقتصروا على الاستدلال الذي نطق به القرآن ونبه الله عليه عباده في محكم التنزيل إذ هو واضح لائح يُدرك ببديهة العقـل بأيسر تأمل في الحين .
مسائل ابن رشد {860 /2 ويقول الشيخ الصادق الغرياني : ( أول ما يجب على المكلف هو التوحيد نطقاً واعتقاداً وعملاً وليس النظر ولا التفكر ولا التأمل ، ولا القصد إلى النظر إلى نصب البراهين وإقامة الأدلة ، كما هو مذكور في كثير من كتب علم الكلام ، وهي مسألة ذكر أبو الوليد الباجي عن بعض شيوخه أنها من مسائل المعتزلة التي بقيت في كتب الأشاعرة وكذلك قال أبو جعفر السمـناني وهو من رؤوس الأشاعرة : انظر التمهيـد / 152/ 7وفتح الباري [116 / 17/77/ 1] وقال القرطبي في المفهم : ( الذي عليه أئمة الفتوى وبهم يقتدى كمالك والشافعي وأبي حنيفة وأحمد وغيرهم من أئمة السلف ، أنَّ أول الواجبات على المكلف الإيمان التصديقي الجزمي الذي لا ريب معه في الله تعالى ورسله وكتبه وما جاءت به الرسل كيف ما حصل ذلك الإيمان وبأي طريق إليه توصـل ) المفهم 1 / 182 , وهو الذي دلَّ عليه حديث جبريل في تعريف الإيمان : أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره مسلم : حديث رقم 8 ويدل لذلك أيضاً أحاديث إسلام أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كحديث إسلام الأعرابي وإسلام أبي ذر وخالد بن الوليد وحديث بهز بن حكيم وغيرهم من الصحابة رضي الله عنهم ، فقد روى بهز بن حكيم عن أبيه عن جده أنه قال : قلت يا نبي الله ما أتيتك حتى حلفت أكثر من عددهن ـ لأصابع يديه ـ ألاَّ آتيك ولا آتي دينك وإني كنت امرأ لا أعقل شيئاً إلاَّ ما علمني الله ورسوله وإني أسألك بوحي الله بما بعثـك ربك إلينا ؟ قال : بالإسلام ، قلت وما آيات الإسلام ؟ قال : أن تقول أسلمت وجهي إلى الله وتخليت وتؤتي الزكاة سنن النسائي حديث 2436فلم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يطلب ممن يأتيه راغباً في الإسلام إقامة البراهين والأدلة العقلية على إثبات ما يجب لله تعالى وما يستحيل بل يكتفي منه بالتصديق والتسليم بما يجب الإيمان به والنطق بالشهادتين وتعليمه أركان الإسلام ليعمل بها وفي ما كتبه النبي صلى الله عليه وسلم إلى هرقل وكسرى وغيرهما من الملوك ، ما يدلُّ على أنَّه صلى الله عليه وسلم لم يزد في دعاء المشركين إلى الإسلام على دعوتهم أن يؤمنوا بالله وحده ويصدقوه فيما جاء به فمن فعل ذلك قبل منه ولم يطلب منـه دليلاً ولا نظراً في الأدلـة انظر فتح الباري 7 121) قال ابن عبد البر : ( إنَّه من نظر إلى إسلام أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة وسعد وعبد الرحمن وسائر المهاجرين والأنصار رضي الله عنهم ، وجميع الوفود الذين دخلوا في دين الله أفواجاً علم أنَّ الله عزَّ وجلَّ لم يعرفه واحدٌ منهم إلاَّ بتصديق النبيين بأعلام النبوة ودلائل الرسالة ، لا من قبل حركة ، ولا من باب الكل والبعض ، ولا من باب كان ويكون ولو كان النظر في الحركة والسكون عليهم واجباً وفي الجسم وفي نفيه والتشبيه ونفيه لازماً ما أضاعوه ، ولو أضاعوا الواجب ما نطق القرآن بتزكيتهم وتقديمهم ، ولا أطنب في مدحهم وتعظيمهم ولو كان ذلك من عملهم مشهوراً ولو من أخلاقهم معروفاً لاستفاض عنهم ولشـهروا كما شـهروا بالقرآن و الروايات التمهيد (7 /152 ) .
ومن الاشتراطات الباطلة التي أحدثها البعض لقبول شهادة أن لا إله إلاَّ الله وأنَّ محمداً رسول الله اشتراط المعرفة بمقتضياتها وتفاصيلها ، ويقولون إنَّ العلماء اشترطوا العلم بمعنى لا إله إلاَّ الله ثمَّ يفسرون العلم تفسيراً واسعاً يخالف الشريعة السمحة وتفسير النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام رضي الله عنهم إذ ليس معنى العلم بلا إله إلاَّ الله إلاَّ أن يعرف معنى لفظها ، وليس معنى شرط العلم أنَّه لا بدَّ أن يدخل قسم العقيدة في جامعة إسلامية ، ولا أن ينخرط في دورة شرعية لدراسة التوحيد ولا أن يقرأ كتباً معينةً في التوحيد ، وليس من شرط صحة إسلامه أن يعرف مقتضيات لا إله إلاَّ الله ، ومن الغريب أنك ترى اليوم وتسمع من يقول إنه لا يصلي خلف هذا الإمام أو ذاك لأنه لا يعرف معنى لا إله إلاَّ الله ! ، لا يقال إنَّ النبي صلى الله عليه وسلم لم يطالب من يسلم في عصره بتعلم مقتضيات لا إله إلاَّ الله حين إسلامه لأنهم كانوا عرباً يعرفون تلك المقتضيات من نفس مدلول الألفاظ لأنا نقول إنَّ عدي بن حاتم عربي قح من قبيلة طيء ، التي تُعتبر من القبائل التي يُستدل بلهجتها على قواعد اللغة فما تكلمت به طيء خرج عن الشذوذ ، ومع كونه طائياً إلاَّ أنَّه لم يعرف أنَّ طاعة الأحبار والرهبان ( وهم علماء أهل الكتاب ) في معصية الله تعتبر من العبادة لغير الله ، فقد ثبت أنه دخل على النبي صلى الله عليه وسلم وهو ـ أي النبي صلى الله عليه وسلم ـ يتلوا قوله تعالى في حق أهل الكتاب (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله ) التوبة : 31 ] وكان عدي نصرانياً ، فقال يا رسول الله : لسنا نعبدهم ، قال : أليس يحلون لكم ما حرَّم الله فتحلونه ويحرمون ما أحل الله فتحرمونه ؟ قال بلى قال النبي صلى الله عليه وسلم فتلك عبادتهم ) ، وبهذا الحديث تعلم خطأ المقالة المذكورة وقد ذكرنا قول شارح الطحاوية ( دلَّ الكتاب والسنة على ظهور دين الإسلام ـ أي وضوحه ـ وسهولة تعلمه وأنه يتعلمه الوافد ثم يولى في وقته ) .
إنَّ هذا الخلل ناتج في نظرنا عن ثلاثة أسباب : أسباب الخلل السبب الأول : أخذ الأحكام الفقهية من الخطب الوعظية والمقالات الدعوية : درج الخطباء والوعاظ قديماً وحديثاً ، على توظيف القيّم الجمالية التي زخرفت بها اللغة العربية التي اختارها الله أن تكون لغة كتابه الكريم ( القرآن ) وعادة ما يتفنن الخطباء والوعاظ في إثارة عواطف المتلقين لتوجيههم نحو الفضائل وإيحاش فطرهم من الرذائل ، وقريب من ذلك ما يسطره الدعاة والمفكرون لدعوة الناس إلى فكرة يرون صوابها أو دعوة يعتقدون صحتها مغترفين من معين البلاغة العربية مرتشفين من رحيقها ، وقد يقول قائل أو يسأل سائل وهل في ذلك الصنيع من خلـل ؟ ، والحق أنه لا عيب في ذلك من حيث المبدأ ولكن الخلل يتسرب أحياناً عندما يشتط قلم الكاتب أو يبالغ لسان الواعظ في فورة عاطفة أو ثورة حماس وتنسل الكلمات من ربقة الضوابط الشرعية وتقفز المقالات عن حواجز المنقول والمعقول ويستحكم الخلل إذا صادف ذلك قلباً خالياً من العلم وعقلاً فارغاً من الفهم وتترجم المواعظ إلى أحكام والمقالات إلى مواد ونصوص يصنف على ضوئها الناس ، فالواعظ إذا قال منفِّراً عن فعل مذموم ومحذِّراً من خصلة قبيحة ( لا يفعل هذا مسلم ) فلا يعني أنَّ فاعل ذلك الفعل خارج عن دائرة الإسلام ، ويقول بعض الخطباء والأدباء إنَّ كثيراً من المسلمين مسلمون بالوراثة ، وقصدهم الحث على الازدياد من العلم والعمل ، واحتساب الأعمال الصالحة لإخراجها من دائرة العادات والأعراف التي يقلد فيها الأبناء آباءهم ، لكنها تترجم أحياناً عند البعض إلى القول بإبطال إسلام الناس بدعوى أنَّ إسلامهم لم يكن عن قناعة . السبب الثاني : الخلط بين وظيفة الداعية من جهة ووظيفة المفتي أو القاضي من جهة أخرى : وهذا له نوعُ تعلقٍ بالسبب الأول ، حيث يعطي الداعية لنفسه حق إنزال الأحكام على المعينين أو يمنحه هذا الحق بعض من لا علم له من المتلقين فيحجِّر الواسع من رحمة الله عزَّ وجلَّ ويضرب صفحاً عن كثير من الأدلة الشرعية التي حاولنا في دراستنا هذه تجليتها وإزالة ركام الشبهات عنها ورفعنا شعار (( دعاة لا قضاة )) ودعونا الشباب والدعاة إليه في محاولة منَّا للإسهام في إصلاح الخلل وتصحيح الخطأ. السبب الثالث : إغفال التنبيه على الفوارق الجوهرية بين الدليل والواقع : يذكر بعض الدعاة اليوم ـ أو كثيٌر منهم ـ وهم في معرض الحديث عن الدعوة إلى الله والصبر على ما يلقاه الداعية إلى الله تعالى من الأذى ، يذكرون صبر النبي صلى الله عليه وسلم على دعوة قومه في مكة وعلى ما يناله من أذى في سبيل ذلك ، وهذا الاستشهاد لا يمكن الاعتراض عليه من حيث الجملة ولكن لأنَّ بعض البسطاء قد يستقر في ذهنه أو ينطبع في شعوره أنَّ مجتمعاتنا اليوم هي كمجتمع مكة الجاهلي أو الكافر ، فإنه من الضروري الالتفات إلى هذا الخلل الواقع أو المتوقع والتنبيه إلى الفرق بين المجتمع المكي المشرك والمجتمعات المسلمة اليوم .
يحكم بالإسلام لمن لم يحسن النطق بالشهادتين وأتى بما يدل عليهما : إذا أراد شخصٌ أن يدخل في دين الإسلام ولكنه لم يحسن أن يقول لا إله إلاَّ الله لجهله أو عجزه أو عدم معرفته بالعربية ، وأتى بكلمة أو إشارة تدل على إرادته الدخول في الإسلام ، فإنه يحكم له بالإسلام ويعصم دمه وماله ، والدليل على ذلك ما رواه البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما ، قال : ( بعث النبي صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد إلى بني جذيمة فدعاهم إلى الإسلام فلم يحسنوا أن يقولوا أسلمنا فجعلوا يقولون : صبأنا صبأنا فجعل خالد يقتل فيهم ويأسر ، ودفع إلى كل رجل منَّا أسيره ، حتى إذا كان يوم أمر خالد أن يقتل كل رجل منَّا أسيره ، فقلت والله لا أقتل أسيري ولا يقتل رجل من أصحابي أسيره ، حتى قدمنا على النبي صلى الله عليه وسلم فذكرناه له ، فرفع النبي صلى الله عليه وسلم يديه وقال : اللهمَّ إني أبرأ إليك مما صنـع خالد) ، يقول الحافـظ ابن حجر في شرحه لهذا الحديث : قوله " فلم يحسنوا أن يقولوا أسلمنا فجعلوا يقولون صبأنا صبأنا " ، هذا ابن عمر رضي الله عنه راوي الحديث يدلُّ على أنَّه فهم أنهم أرادوا الإسلام حقيقة ، ويؤيده فهمه أنَّ قريشاً كانوا يقولون لكل من أسلم صبأ حتى اشتهرت هذه اللفظة وصاروا يطلقونها في مقام الذم ، ومن ذلك أنَّه لمَّا أسلم ثمامة بن أثال وقدم مكة معتمراً قالوا : ( صبأت ؟ قال : لا بل أسلمت ) ، فلما اشتهرت هذه اللفظة بينهم في موضع أسلمت استعملها هؤلاء ، وأما خالد فحمل هذه اللفظ على ظاهرها لأنَّ قوله ( صبأنا ) أي خرجنا من دين إلى دين ، ولم يكتف خالد بذلك حتى يصرحوا بالإسلام . وقال الخطابي : يحتمل أن يكون خالد نقم عليهم العدول عن لفظ الإسلام لأنه فهم عنهم أنَّ ذلك وقع منهم على سبيل الأنفة ولم ينقادوا إلى الدين فقتلهم متأولاً قولهم ، وترك التثبت في أمرهم قبل أن يعلم المراد من قولهم صبأنا ، وقال في موضع آخر : ( قوله صلى الله عليه وسلم اللهم إني أبرأ إليك مما صنـع خالد ، يعني من قتله الذين قالوا صبأنا قبل أن يستفسرهم عن مرادهـم بذلك القول ، فإنَّ فيه إشارة إلى تصويب فعل ابن عمر رضي الله عنهما ومن تبعه في تركهم متابعة خالد رضي الله عنه على قتل من أمرهم بقتلهم من المذكورين به .
وقال الخطابي : الحكمة في تبرئه صلى الله عليه وسلم من فعل خالد ـ مع كونه لم يعاقبه على ذلك لكونه مجتهداً ـ أن يعرف أنه لم يأذن له بذلك خشية أن يعتقد أحد أنَّه كان بإذنه ولينـزجر غير خالد بعد ذلك عن مثل فعله ) أهـ ملخصاً ، وقال ابن بطال : الإثم وإن كان ساقطاً عن المجتهد في الحكم إذا تبين أنَّه بخلاف جماعة أهل العلم لكن الضمان لازم للمخطئ عند الأكثر مع اختلاف هل يلزم ذلك عاقلة الحاكم أو بيت المال ؟ وقد تقدمت الإشارة إلى شيء من ذلك في كتاب الديات ، الذي يظهر أنَّ التبرؤ من الفعل لا يستلزم إثمَّ فاعله ، ولا إلزامه الغرامة فإنَّ إثم المخطئ مرفوع وإن كان فعله ليس بمحمود ) ، وقال الإمام النووي : ( واتفق أهل السنة من المحدثين والفقهاء والمتكلمين على أنَّ المؤمن الذي يحكم أنه من أهل القبلة ولا يخلد في النار لا يكون إلاَّ من اعتقد بقلبه دين الإسلام اعتقاداً جازماً خالياً من الشكوك ونطق بالشهادتين ، فإن اقتصر على إحداهما لم يكن من أهل القبلة أصلاً إلاَّ إذا عجز عن النطق لخلل في لسانه أو لعدم التمكن منه لمعالجة المنية أو لغير لذلك فإنه يكون مؤمناً ...) ثم قال بعدها : ( أما إذا أقرَّ بالشهادتين بالعجمية وهو يحسن العربية فهل يجعل بذلك مسلماً ؟ فيه وجهان لأصحابنا الصحيح منهما أن يصير مسلماً لوجود الإقرار وهذا الوجـه هو الحق ولا يظهر للآخر وجه ) ، وقال الشوكـاني : ( وفي حكم التكلِّم بكلمة الإسلام إظهار الانقياد بأن يقول : أنا مسلم أو أنا على دينكم ، لما عرفت أنَّ معنى الآية الاستسلام والانقياد وهو يحصل بكل ما يشعر بالإسلام من قول أو فعل ومن جملة ذلك كلمة الشهادة وكلمة التسليم ) ، وقال ابن باديس : ( ويكفي في الدخول للإسلام ما دلَّ على معناها لحديث بني حذيفة ، قال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما خالد بن الوليد إلى بني جَذيمة ... وذكر الحديث ) . هل النطق بالشهادتين يستوجب دخول الجنة ؟ تقرر مما سبق بما لا يدع مجالاً للشك أنَّ من نطق بالشهادتين على وجه الإقرار فقد ثبت له عقد الإسلام وكان له ما للمسلمين من حقوق وعليه ما عليهم ، فدمه ومالـه وعرضـه ، كل ذلك حرام ، وذكرنا من النصوص الشرعية الكثير مما يوضح ذلك ، وهذا فيما يتعلق بنظرة الإنسان إلى غيره ، أما في نظره لنفسه فإنَّ على الإنسان أن يحاسب نفسه أشد المحاسبة ويتهمها بالتقصير والتفريط ولا يغتر بأعماله ولو كثرت .
يتبــــــــــــــــــــــــــــــــع

