أخبار محلية

طرابلس
° ° °
الجمعة السبت الأحد

كتاب الدراسات التصحيحية (مراجعات) الحلقة الثالتة

كتاب الدراسات التصحيحية
النطق بالشهادتين‮ ..‬وعقد الإسلام
 دين الإسلام هو خاتم الرسالات النبوية التي‮ ‬أنزلها الله سبحانه وتعالى لهداية الخلق إلى عبادة الله وحده‮ ‬،‮ ‬والرسول صلى الله عليه وسلم الذي‮ ‬أرسله الله عزَّ‮ ‬وجلَّ‮ ‬إلى الخلق كافة هو خاتـم النبيين‮ ‬]ما كان محمَّد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين‮ ‬[‮ ‬الأحزاب‮ : ‬40‮ ‬ , قرئ بفتح التاء وبكسرها‮ ‬،‮ ‬فبالفتح على اسم الآلة‮ ‬،‮ ‬وبالكسر على اسم الفاعل وكلاهما‮ ‬يرجع إلى معنى أنه آخر الأنبياء‮ .‬
 وعن أبي‮ ‬هريرة رضي‮ ‬الله عنه أنََّ‮ ‬رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‮ : ( ‬فُضلِّت على الأنبياء بست‮ ‬،‮ ‬أُعطيت جوامع الكلم‮ ‬،‮ ‬ونُصرت بالرعب‮ ‬،‮ ‬وأُحلت لي‮ ‬الغنائم‮ ‬،‮ ‬وجُعلت لي‮ ‬الأرض طهوراً‮ ‬ومسجداً‮ ‬, وأُرسلت إلى الخلق كافةً‮ ‬وخُتم بي‮ ‬النبيون‮ ) ‬, ولا‮ ‬يقبل الله تعالى من الناس ـ منذ أن بَعَث نبيه محمداً‮ ‬صلى الله عليه وسلم من أحد ديناً‮ ‬غير الإسلام‮ } ‬ومن‮ ‬يبتغ‮ ‬غير الإسـلام ديناً‮ ‬فلن‮ ‬يقبل منـه وهو في‮ ‬الآخـرة من الخاسرين‮ ‬]‮ ‬آل عمران[‮ : ‬[85 ] , ‮ ‬وعن أبي‮ ‬هريرة رضي‮ ‬الله عنه أنَّ‮ ‬النبي‮ ‬صلى الله عليه وسلم قال

‮ : ‬ ‮ (‬والذي‮ ‬نفسي‮ ‬بيده لا‮ ‬يسمع بي‮ ‬أحد من هذه الأمة‮. ‬يهودي‮ ‬ولا نصراني‮ ‬ثم مات ولم‮ ‬يؤمن بي‮ ‬إلاَّ‮ ‬كان من أهل النار‮)‬,) وفي‮ ‬إرسال النبي‮ ‬صلى الله عليه وسلم رسله وكتبــه إلـــى أنحـــاء الأرض‮ ‬،‮ ‬إلــــى كســرى وقيصـــر والنجاشــي‮ ‬والمقوقــس وسائـر ملــوك الأرض‮ ‬يــأمــرهــم باعتنــاق الإســـلام‮ ‬،‮ ‬والإيمـان به دليل على عموم‮ ‬رسالته صلى الله عليه وسلم‮ ).‬

 المبحث الأول‮ :‬
 ثبوت حكم الإسلام لكل من نطق بالشهادتين أو ما‮ ‬يقوم مقامهما‮ :‬ قال الله تعالى‮ : ‬يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في‮ ‬سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلم لست مؤمناً‮ ‬تبتغون عرض الحياة الدنيا فعند الله مغانم كثيرة كذلك كنتم من قبل فمنَّ‮ ‬الله عليكم فتبينوا إنَّ‮ ‬الله كان بما تعملون خبيراً‮ ‬النساء‮ : ‬94 ‮)‬ يقـول الإمام القرطبي‮ ‬في‮ ‬تفسير هذه الآية‮ ( ‬وهذه الآية نزلت في‮ ‬قوم من المسلمين مروا في‮ ‬سفرهم برجل معه جمل وغُنَيمة‮ ‬يتبعها فسلَّم على القوم وقال‮ : ‬لا إله إلاَّ‮ ‬الله محمَّد رسول الله‮ ‬،‮ ‬فحمل عليه أحدهما فقتله‮ ‬،‮ ‬فلمَّا ذُكر ذلك للنبي‮ ‬صلى الله عليه وسلم شقَّ‮ ‬عليه ونزلت الآية‮ ) . ‬وأخرج البخاري‮ ‬عن عطاء عن ابن عباس رضي‮ ‬الله عنهما قال‮ : ‬كان رجل في‮ ‬غُنَيمة له فلحقه المسلمون فقال السلام عليكم فقتلوه وأخذوا‮ ‬غنيمته‮ ‬،‮ ‬فأنزل الله تعالى ذلك‮ ... ‬الثالثة‮ ‬،‮ ‬قوله تعالى‮ : ‬ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلم لست مؤمناً‮ ‬،‮ ‬السلَم والسِّلْم والسلام واحد‮ ‬،‮ ‬قاله البخاري‮ ‬وقرئ بها كلها‮ ‬،‮ ‬فالسلم الاستسلام والانقياد أي‮ ‬لا تقولوا لمن ألقى بيده واستسلم لكم وأظهر دعوتكم لست مؤمناً‮ . ‬وقيل السلام قوله‮ : ‬السلام عليكم وهو راجع إلى الأول لأنَّ‮ ‬سلامه بتحية الإسلام مؤذن بطاعته وانقياده‮ ... ‬الخامسة‮ : ‬والمسلم إذا لقي‮ ‬الكافر ولا عهد له جاز له قتله‮ ‬،‮ ‬فإن قال لا إله إلاَّ‮ ‬الله لم‮ ‬يجز قتله لأنه قد اعتصم بعصام الإسلام المانع من دمه وماله وأهله‮ ‬،‮ ‬فإن قتله بعد ذلك قُتل به وإنما سقط القتل عن هؤلاء لأجل أنهم كانوا في‮ ‬صدر الإسلام وتأولوا لأنَّه قالها متعوذاً‮ ‬وخوفاً‮ ‬من السلاح وأنَّ‮ ‬العاصم قولها مطمئناً‮ ‬،‮ ‬فأخبر النبي‮ ‬صلى الله عليه وسلم أنه عاصم كيفما قالها ولذلك قال لأسامة‮ : ((‬أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا ؟‮ ) ‬،‮ ‬أخرجه مسلم‮ ‬،‮ ( ‬أي‮ ‬تنظر أصادق هو في‮ ‬قوله أم كاذب ؟‮ ) ‬وذلك لا‮ ‬يمكن‮ ‬،‮ ‬فلم‮ ‬يبق إلاَّ‮ ‬أن‮ ‬يبين عنه بلسانه‮ ‬،‮ ‬وفي‮ ‬هذا من الفقه باب عظيم وهو أنَّ‮ ‬الأحكام تناط بالمظان والظواهر لا على القطع واطلاع السرائر‮ ...) ‬،‮ ‬وذكر الإمام ابن كثير عدة روايات في‮ ‬سبب نزول هذه الآية منها‮ : ‬ ما رواه الإمام الحافظ أبو بكر البزار بسنده عن ابن عباس رضي‮ ‬الله عنهما قال‮ : ‬بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية فيها المقداد بن الاسود فلمَّا أتوا القوم وجدوهم قد تفرقوا وبقي‮ ‬رجل له مال كثير لم‮ ‬يبرح فقال‮ : ‬أشهد أن لا إله إلاَّ‮ ‬الله‮ ‬،‮ ‬وأهوى إليه المقداد فقتله‮ ‬،‮ ‬فقال له رجل من أصحابه‮ : ‬أقتلت رجلاً‮ ‬شهد أن لا إله إلاَّ‮ ‬الله ؟ والله لأذكرنَّ‮ ‬ذلك للنبي‮ ‬صلى الله عليه وسلم فلما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا‮ : ‬يا رسول الله‮ : ‬إنَّ‮ ‬رجلاً‮ ‬شهـد أن لا إله إلاَّ‮ ‬الله فقتله المقداد‮ ‬،‮ ‬فقال‮ : ( ‬ادعوا لي‮ ‬المقداد‮ ‬،‮ ‬يا مقداد أقتلت رجلاً‮ ‬يقـول لا إله إلاَّ‮ ‬الله ؟ فكيف لك بلا إله إلاَّ‮ ‬الله‮ ‬غداً‮ ‬؟‮! ) ‬قال‮ : ‬فأنزل الله‮ } ‬يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في‮ ‬سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلم لست مؤمناً‮ ‬تبتغون عرض الحياة الدنيا فعند الله مغانم كثيرة كذلك كنتم من قبل فمَنَّ‮ ‬الله عليكم فتبينوا إنَّ‮ ‬الله كان بما تعملون خبيراً‮ { ‬النساء‮ : ‬94 ]فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للمقداد‮ : ( ‬كان رجل مؤمن‮ ‬يخفي‮ ‬إيمانه مع قوم كفار فأظهر إيمانه فقتلته كذلك كنت تخفي‮ ‬إيمانك بمكة قبل‮ ) .

‬وقال الإمام الشوكاني‮ ‬في‮ ‬تفسير هذه الآيـة‮ : ( ‬قوله‮ } ‬ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلم‮ { ‬وقرئ‮ } ‬السلام‮ { ‬ومعناهما واحد واختار أبو عبيـد‮ } ‬السلام‮ { ‬وخالفه أهل النظر‮ ‬،‮ ‬فقالوا السلم هنا أشبه لأنه بمعنى الانقياد والتسليم والمراد هنا لا تقولوا لمن ألقى بيده إليكم واستسلم لست مؤمناً‮ ‬،‮ ‬فالسلم والسلام كلاهما بمعنى الاستسلام وقيل هما بمعنى الإسلام أي‮ ‬لا تقولوا لمن ألقى إليكم الإسلام‮ ‬،‮ ‬أي‮ ‬كلمته وهي‮ ‬الشهادة لست مؤمناً‮ ‬،‮ ‬وقيل هما بمعنى التسليم الذي‮ ‬هو تحية أهل الإسلام أي‮ ‬لا تقولوا لمن ألقى إليكم التسليم فقال‮ ( ‬السلام عليكم‮ ) } ‬لست مؤمناً‮ { ‬والمراد نهي‮ ‬المسلمين عن أن‮ ‬يهملوا ما جاء به الكافر مما‮ ‬يستدل به على إسلامـه ويقولوا إنه إنما جاء بذلك تعوذاً‮ ‬وتقية وقرأ أبو جعفر‮ ‬ } لسـت مُؤمَناً‮ { ‬من أمنه‮ : ‬إذا أجرته فهو مؤمن‮ ‬،‮ ‬وقد استدل بهذه الآية على أنَّ‮ ‬من قتل كافراً‮ ‬بعد أن قال لا إله إلاَّ‮ ‬الله قُتل به‮ ‬،‮ ‬لأنه قد عصم بهذه الكلمة دمه وماله وأهله‮ ‬،‮ ‬وإنما سقط القتل عمن وقع منه ذلك في‮ ‬زمن النبي‮ ‬صلى الله عليه وسلم‮ ( ‬لأنهم تأولوا وظنوا من قالها خوفاً‮ ‬من السلاح لا‮ ‬يكون مسلماً‮ ‬ولا‮ ‬يصير بها دمه معصوماً‮ ‬وأنَّه لا بدَّ‮ ‬من أن‮ ‬يقول هذه الكلمة وهو مطمئن‮ ‬غير خائف‮ ) ‬،‮ ‬وفي‮ ‬حكم التكلم بكلمة الإسلام إظهار الانقياد بأن‮ ‬يقول‮ ( ‬أنا مسلم‮ ) ‬أو‮ (‬أنا على دينكم‮ ) ‬،‮ ‬لما عرفت من أنَّ‮ ‬معنى الآية الاستسلام والانقياد وهو‮ ‬يحصل بكل ما‮ ‬يشعـر بالإسلام من قول أو فعل ومن جملة ذلك كلمة الشهادة وكلمة التسليم‮ ) ‬،‮ ‬وقال الحافظ ابن حجر في‮ ‬شرح كتاب التفسير من صحيح البخاري‮ : ( ‬وفي‮ ‬الآية دليل على أنَّ‮ ‬من أظهر شيئاً‮ ‬من علامات الإسلام لم‮ ‬يحلّ‮ ‬دمه حتى‮ ‬يختبر أمره لأنَّ‮ ‬السلام تحية المسلمين‮ ‬،‮ ‬وكانت تحيتهم في‮ ‬الجاهلية بخلاف ذلك فكانت هذه علامة‮ ‬،‮ ‬وأما على قراءة‮ } ‬السلم‮ { ‬على اختلاف ضبطه فالمراد به الانقياد وهو علامة الإسلام لأنَّ‮ ‬معنى الإسلام في‮ ‬اللغة الانقياد ولا‮ ‬يلزم من الذي‮ ‬ذكرته الحكم بإسلام من اقتصر على ذلك وإجراء أحكام المسلمـين عليـه بل لا بدَّ‮ ‬من التلـفظ بالشهادتين على تفاصيل في‮ ‬ذلك بين أهـل الكتاب وغيرهـم والله أعلـم‮ .). ‬ عن عبد الله بن عمر رضي‮ ‬الله عنهما أنَّ‮ ‬رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‮ : ( ‬أُمرت أن أقاتل الناس حتى‮ ‬يشهدوا أن لا إله إلاَّ‮ ‬الله وأنَّ‮ ‬محمداً‮ ‬رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا منى دماءهم وأموالهم إلاَّ‮ ‬بحق الإسلام وحسابهم على الله تعالى‮ ) ‬،‮ ‬قال العلامة ابن رجب‮ : ( ‬هذا الحديث أخرجاه في‮ ‬الصحيحين من رواية واقد بن محمَّد بن زيد بن عبد الله بن عمر عن أبيه عن جده عبد الله بن عمر رضي‮ ‬الله عنهما‮ ‬, وقوله إلاَّ‮ ‬بحق الإسلام‮ ‬،‮ ‬هذه اللفظة تفرد بها البخاري‮ ‬دون مسلم‮ ‬،‮ ‬وقد رُوي‮ ‬معنى هذا الحديث عن النبي‮ ‬صلى الله عليه وسلم من وجوه متعددة‮ ‬،‮ ‬ففي‮ ‬صحيح البخاري‮ ‬عن أنس رضي‮ ‬الله عنه عن النبي‮ ‬صلى الله عليه وسلم قال‮ : ( ‬أُمرت أن أقاتل الناس‮ ‬يعني‮ ‬المشركين حتى‮ ‬يشهدوا أن لا إله إلاَّ‮ ‬الله وأنَّ‮ ‬محمداً‮ ‬عبده ورسوله فإذا شهدوا أن لا إله إلاَّ‮ ‬الله وأنَّ‮ ‬محمداً‮ ‬رسول الله وصلُّوا صلاتنا واستقبلوا قبلتنا وأكلوا ذبيحتنا فقد حرمت علينا دماؤهم وأموالهم إلاَّ‮ ‬بحقها‮ ) ‬،‮ ‬وخرَّج الإمام أحمد من حديث معاذ بن جبل عن النبي‮ ‬صلى الله عليه وسلم قال‮ : ( ‬إنَّما أمرت أن أقاتل الناس حتى‮ ‬يشهدوا أن لا إله إلاَّ‮ ‬الله وحده لا شريك له وأنَّ‮ ‬محمداً‮ ‬رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك فقد اعتصموا أو عصموا دماءهم وأموالهم إلاَّ‮ ‬بحقها وحسابهم على الله عزَّ‮ ‬وجلَّ‮ .

‬وخرَّجه ابن ماجه مختصراً‮ ‬وخرَّج نحوه من حديث أبي‮ ‬هريرة رضي‮ ‬الله عنه‮ ‬،‮ ‬ولكن المشهور من رواية أبي‮ ‬هريرة ليس فيه ذكر إقام الصلاة ولا إيتاء الزكاة‮ ‬،‮ ‬ففي‮ ‬الصحيحين عن أبي‮ ‬هريرة رضي‮ ‬الله عنه أنَّ‮ ‬النبي‮ ‬صلى الله عليه وسلم قال‮ : ( ‬أُمرت أن أقاتل الناس حتى‮ ‬يقولوا لا إله إلاَّ‮ ‬الله فمن قال لا إله إلاَّ‮ ‬الله عصم مني‮ ‬ماله ونفسه إلاَّ‮ ‬بحقها وحسابه على الله عزَّ‮ ‬وجلَّ‮ ‬ـ وفي‮ ‬رواية لمسلم ـ‮ ( ‬حتى‮ ‬يشهدوا أن لا إله إلاَّ‮ ‬الله ويؤمنوا بي‮ ‬وبما جئت به‮ ) ‬،‮ ‬ثم قال ابن رجب بعد ذكر هذه الروايات‮ : ( ‬ومن المعلوم بالضرورة أنَّ‮ ‬النبي‮ ‬صلى الله عليه وسلم كان‮ ‬يقبل من كل من جاءه‮ ‬يريد الدخول في‮ ‬الإسلام الشهادتين فقط ويعصم دمه بذلك ويجعله مسلماً‮ ‬،‮ ‬فقد أنكر على أسامة بن زيد رضي‮ ‬الله عنهما قتله لمن قال لا إله إلاَّ‮ ‬الله لمَّا رفع عليه السيف واشتد نكيره عليه ولم‮ ‬يكن النبي‮ ‬صلى الله عليه وسلم‮ ‬يشترط على من جاءه‮ ‬يريد الإسلام أن‮ ‬يلتزم الصلاة والزكاة بل قد رُوي‮ ‬أنه قبل من قوم الإسلام واشترطوا ألاَّ‮ ‬يزكوا‮ ‬،‮ ‬ففي‮ ‬مسند الإمام أحمد عن جابر رضي‮ ‬الله عنه قال‮ : ( ‬اشترطت ثقيف على رسول الله صلى الله عليه وسلم ألاَّ‮ ‬صدقة عليهم ولا جهاد‮ ‬،‮ ‬وأنَّ‮ ‬رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‮ : ( ‬سيتصدقون ويجاهدون‮ ) ‬،‮ ‬وفيه أيضاً‮ ‬عن نصر بن عاصم الليثي‮ ‬عن رجل منهم‮ ( ‬أنَّه أتى النبي‮ ‬صلى الله عليه وسلم فأسلم على ألاَّ‮ ‬يصلي‮ ‬إلاَّ‮ ‬صلاتين فقبل منه‮ ) ‬،‮ ‬وأخذ الإمام أحمد بهذه الأحاديث وقال‮ : ‬يصح الإسلام على الشرط الفاسد ثم‮ ‬يلزم بشرائع الإسلام كلها واستدل أيضاً‮ ‬أنَّ‮ ‬حكيم بن حزام قال‮ : ( ‬بايعت النبي‮ ‬صلى الله عليه وسلم على ألاَّ‮ ‬أخِرَّ‮ ‬إلاَّ‮ ‬قائماً‮ ) ‬،‮ ‬قال أحمد‮ : ‬معناه أن‮ ‬يسجد من‮ ‬غير ركوع‮ ‬،‮ ‬وخرَّج محمَّد بن نصر المروزي‮ ‬بإسناد ضعيف جداً‮ ‬عن أنس رضي‮ ‬الله عنه قال‮ : ‬لم‮ ‬يكن النبي‮ ‬صلى الله عليه وسلم‮ ‬يقبل من أجابه إلى الإسلام إلاَّ‮ ‬بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وكانت فريضتين على من أقرَّ‮ ‬بمحمد صلى الله عليه وسلم وبالإسلام‮ ‬،‮ ‬وذلك قول الله عزَّ‮ ‬وجلَّ‮ : } ‬فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة‮ { ‬المجادلة‮ : ‬13وهذا لا‮ ‬يثبت وعلى تقدير ثبوته فالمراد منه أنه لم‮ ‬يكن‮ ‬يقرّ‮ ‬أحداً‮ ‬دخل في‮ ‬الإسلام على ترك الصلاة والزكاة‮ ‬،‮ ‬وهذا حق فإنه صلى الله عليه وسلم أمر معاذاً‮ ‬رضي‮ ‬الله عنه لما بعثه إلى اليمن أن‮ ‬يدعوهم أولاً‮ ‬إلى الشهادتين وقال‮ : ( ‬إن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم بالصلاة ثم بالزكاة‮ ) ‬،‮ ‬ومراده أنَّ‮ ‬من صار مسلماً‮ ‬بدخوله للإسلام‮ ‬،‮ ‬أُمر بعد ذلك بإقام الصلاة ثم بإيتاء الزكاة‮ ‬،‮ ‬وكان من سأله عن الإسلام‮ ‬يذكر له مع الشهادتين بقية أركان الإسلام‮ ‬،‮ ‬كما قال جبريل عليه الصلاة السلام لمَّا سأله عن الإسلام‮ ‬،‮ ‬وكما قال للأعرابي‮ ‬الذي‮ ‬جاءه ثائر الرأس‮ ‬يسأله عن الإسلام‮ .

‬ وبهذا الذي‮ ‬قررناه‮ ‬يظهر الجمع بين ألفاظ أحاديث هذا الباب ويتبين أنَّ‮ ‬كلها حق فإنَّ‮ ‬كلمتي‮ ‬الشهادتين بمجردهما تعصم من أتى بهما ويصير بذلك مسلماً‮ ) ‬،‮ ‬ثم قال‮ : ( ‬وفي‮ ‬صحيح مسلم عن أبي‮ ‬هريرة رضي‮ ‬الله عنه أنَّ‮ ‬النبي‮ ‬صلى الله عليه وسلم دعا علياً‮ ‬رضي‮ ‬الله عنه‮ ‬يوم خيبر فأعطاه الراية وقال‮ : ( ‬امش ولا تلتفت حتى‮ ‬يفتح الله عليك‮ ‬،‮ ‬فسار عليٌ‮ ‬شيئاً‮ ‬ثم وقف فصرخ‮ : ‬يا رسول الله على ماذا أقاتل الناس؟ فقال‮ : ‬قاتلهم على أن‮ ‬يشهدوا أن لا إله إلاَّ‮ ‬الله وأنَّ‮ ‬محمداً‮ ‬رسول الله‮ ‬،‮ ‬فإذا فعلوا ذلك فقد عصموا منك دماءهم وأموالهم إلاَّ‮ ‬بحقها وحسابهم على الله عزَّ‮ ‬وجلَّ‮ ‬،‮ ‬وجعل مجرد الإجابة إلى الشهادتين عصمة للنفوس والأموال إلاَّ‮ ‬بحقها‮ ) .‬ ويقول الإمام النووي‮ ‬في‮ ‬شرح حديث‮ : ( ‬أمرت أن أقاتل الناس‮ .... ‬الحديث‮ ) ‬،‮ ‬وفيه أنَّ‮ ‬الإيمان شرطه الإقرار بالشهادتين مع اعتقادهما واعتقاد جميع ما أتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم‮ ‬،‮ ‬وقد جمع ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله‮ : ( ‬أقاتل الناس حتى‮ ‬يقولوا لا إله إلاَّ‮ ‬الله ويؤمنوا بي‮ ‬وبما جئت به‮ ) ‬،‮ ( ‬وفيه صيانة مال من أتى بكلمة التوحيد ونفسه ولو كان عند السيف‮ ‬،‮ ‬وفيه أنَّ‮ ‬الأحكام تجرى على الظاهر والله تعالى‮ ‬يتولى السرائر‮ ) .‬ يقول الشيخ ابن باديس رحمه الله‮ : ( ‬الدخول في‮ ‬الإسلام والإيمان بالنبي‮ ‬صلى الله عليه وسلم ويكون بشهادة أن لا إله إلاَّ‮ ‬الله وأنَّ‮ ‬محمداً‮ ‬رسول الله‮ ‬،‮ ‬لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل رضي‮ ‬الله عنه لما بعثه‮ ‬ إلى اليمن‮ : ( ‬إنك تأتي‮ ‬قوماً‮ ‬من أهل الكتاب فادعهـم إلى شاهدتي‮ ‬أن لا إله إلاَّ‮ ‬الله وأني‮ ‬رسول الله‮ ‬،‮ ‬فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أنَّ‮ ‬الله افترض عليهم خمس صلوات في‮ ‬كل‮ ‬يوم وليلة‮ ‬،‮ ‬فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أنَّ‮ ‬الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد إلى فقرائهم‮ ‬،‮ ‬فإن هم أطاعوا لذلك فإياك وكرائم أموالهم واتق دعوة المظلوم فإنها ليس بينها وبين الله حجاب‮ ) ‬،‮ ‬ويقول الإمام ابن تيمية‮ : ( ‬وقد عُرف بالاضطرار من دين الرسول صلى الله عليه وسلم واتفقت عليه الأمة‮ ‬،‮ ‬أنَّ‮ ‬أصل الإسلام هو أول أمر‮ ‬يؤمر به الخلق‮ ‬،‮ ‬شهادة أن لا إله إلاَّ‮ ‬الله وأنَّ‮ ‬محمداً‮ ‬رسول الله‮ ‬،‮ ‬فبذلك‮ ‬يصير الكافر مسلماً‮ ‬والعدو ولياً‮ ‬والمباح دمه وماله معصوم الدم والمال‮ ‬،‮ ‬ثمَّ‮ ‬إن كان ذلك من قلبه فقد دخل في‮ ‬الإيمان وإن قاله بلسانه دون قلبه فهو في‮ ‬ظاهر الإسلام دون باطن الإيمان‮ ) ‬،‮ ‬ويقول شيخ الإسلام في‮ ‬كتاب الإيمان‮ : ( ‬فلا‮ ‬يكون مسلماً‮ ‬إلاَّ‮ ‬من شهد ألاَّ‮ ‬إله إلاَّ‮ ‬الله وأنَّ‮ ‬محمداً‮ ‬عبده ورسوله‮ ‬،‮ ‬وهذه الكلمة‮ ‬يدخل بها الإنسان في‮ ‬الإسلام‮ ‬،‮ ‬فمن قال الإسلام الكلمة وأراد هذا فقد صدق‮ ).‬ فهذه الأدلة والنصوص من الكتاب والسنة تدلُّ‮ ‬دلالةً‮ ‬واضحةً‮ ‬أنَّ‮ ‬الإنسان‮ ‬يصبح مسلماً‮ ‬معصوم الدم والمال بمجرد نطقه بالشهادتين كما بين ذلك الأئمة العلماء‮ .‬

خطأ القول ببطلان إيمان المقلد‮ : ‬ سيأتي‮ ‬في‮ ‬باب‮ ‬’’ الغلو في‮ ‬الدين‮ ‬‘‘ ذكر أسباب الغلو ومظاهره وأنَّ‮ ‬من مظاهره‮ : ‬الغلو في‮ ‬ذم التقليد في‮ ‬الفروع الفقهية وسنذكر هناك من الأدلة الشرعية وكلام أهل العلم ما‮ ‬يكفي‮ ‬في‮ ‬بطلان إطلاق القول بتحريم التقليد المذكور‮ .‬ ولو كان الأمر مقتصراً‮ ‬على ذم التقليد في‮ ‬الفروع لكان الأمر هيناً‮ ‬،‮ ‬ولكنه تسلل ليصل إلى مسائل الإيمان والتوحيد‮ ‬،‮ ‬فظهر القول ببطلان إيمان المقلد بدعوى أنَّه لا إيمان إلاَّ‮ ‬عن دليل‮ ‬،‮ ‬وهذا نَفَسٌ‮ ‬اِعْتِزَالي‮ ‬،‮ ‬إذ أنَّ‮ ‬فرقة المعتزلة أول من تقلد هذه المقالة‮ ‬،‮ ‬وتلقفها عنهم بعض أهل السنة حتى ظنها كثير ممن جاء بعدهم مذهباً‮ ‬لهم‮ ‬،‮ ‬وقد ترتب على هذا القول لوازم شنيعة ومآلات مستنكَرة‮ ‬, منها تكفير كثير بل أكثر المسلمين وهؤلاء ـ كما‮ ‬يقول الإمام الغزالي‮ ‬ـ جعلوا الجنة مختصة بشرذمة‮ ‬يسيرة من المتكلمين ولم‮ ‬يكن النبي‮ ‬صلى الله عليه وسلم‮ ‬يكلف من رام الدخول في‮ ‬الإسلام أكثر من النطق بالشهادتين على وجه الإقرار والانقياد‮ ‬،‮ ‬أي‮ ‬بقصد الدخول في‮ ‬الإسلام‮ ‬،‮ ‬وكان‮ ‬يقبل إسلام الكبير والصغير والملك والسوقة والحاضر والبادي‮ ‬وغيرهم من‮ ‬غير أن‮ ‬يكلِّفهم ترتيب الأدلة المنطقية ولا تركيب الأقيسة العقلية‮ ‬،‮ ‬وبذلك‮ ‬يتضح خطأ قول من‮ ‬يقول اليوم من بعض المتفلسفة‮ : ‬إنَّ‮ ‬إسلام الكثيرين اليوم مدخول أو‮ ‬غير صحيح لأنه مبني‮ ‬على التقليد أو إنَّه‮ ( ‬إسلام بالوراثة‮ ) ‬وسنبين ـ إن شاء الله ـ عند الكلام على ثبوت الإسلام بالتبعية‮ ‬،‮ ‬أنَّ‮ ‬تبعية الابن لأبويه المسلمين أو أحدهما كافية في‮ ‬الحكم بإسلامه‮ ‬،‮ ‬وقد ذكر الإمام النووي‮ ‬رحمه الله أنَّ‮ ( ‬مذهب المحققين والجماهير من السلف والخلف أنَّ‮ ‬الإنسان إذا اعتقد دين الإسلام اعتقاداً‮ ‬جازماً‮ ‬لا تردد فيه كفاه ذلك وهو مؤمن من الموحدين ولا‮ ‬يجب عليه تعلم أدلة المتكلمين ومعرفة الله بها‮ ‬،‮ ‬خلافاً‮ ‬لمن أوجب ذلك وجعله شرطاً‮ ‬في‮ ‬كونه من أهل القبلة وزعم أنه لا‮ ‬يكون له حكـم المسلمين إلاَّ‮ ‬به‮ ‬،‮ ‬وهذا المذهب هو قول كثير من المعتزلة وبعض أصحابنا المتكلمين وهو خطأ ظاهر فإنَّ‮ ‬المراد‮ : ‬التصديق الجازم وقد حصل‮ ‬،‮ ‬ولأنَّ‮ ‬النبي‮ ‬صلى الله عليه وسلم اكتفى بالتصديق بما جاء به صلى الله عليه وسلم ولم‮ ‬يشترط المعرفة بالدليل فقد تظاهرت بهذا أحاديث في‮ ‬الصحيحين‮ ‬يحصل بمجموعها التواتر بأصلها والعلم القطعي‮ ) ‬, وقد استعظم الإمام الشوكاني‮ ‬القول بنفي‮ ‬الإيمان عن المقلد‮ : ‬لما‮ ‬يتضمنه من الجناية على هذا الأمة المرحومة وتكليف لهم بما ليس في‮ ‬وسعهم ولا‮ ‬يطيقونه‮ ‬،‮ ‬وقد كفى الصحابة الذين لم‮ ‬يبلغوا درجة الاجتهاد ولا قاربوها‮ : ‬الإيمان الجملي‮ ‬ولم‮ ‬يكلِّفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بين أظهرهم بمعرفة ذلك ولا أخرجهم عن الإيمان بتقصيرهم عن البلوغ‮ ‬إلى العلم بذلك بأدلته‮ .

‬ لقد أسلم كثير من الصحابة بأن أقروا بالشهادتين رغم عدم علمهم بأمور تتعلق بأركان الإيمان ومع ذلك لم‮ ‬يرد النبي‮ ‬صلى الله عليه وسلم إسلامهم بل ولم‮ ‬يعنفهم ـ بأبي‮ ‬هو وأمي‮ ‬ـ عندما سألوه عنها بعد إسلامهم بزمن‮ ‬،‮ ‬يقول العلامة ابن عبد البر في‮ ‬كتاب التمهيد مقرراً‮ ‬هذه الحقيقة‮ : ( ‬إنَّ‮ ‬بعض الصحابة سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم مستفهمين عن القدر ولم‮ ‬يكونوا‮ ‬يعلمون ولم‮ ‬يكونوا بسؤالهم عند ذلك كافرين ولو لم‮ ‬يسعهم ذلك لعلمهم صلى الله عليه وسلم مع الشهادتين ولأخذ في‮ ‬تعليمهم حين إسلامهم‮ ) ‬،‮ ‬هذا ومن اللوازم الشنيعة التي‮ ‬ترتبت على القول ببطلان إيمان المقلِّد أنَّ‮ ‬بعضهم أوجب عليه الشك في‮ ‬عقيدته التي‮ ‬جزم بها ثم أوجب عليه النظر في‮ ‬الأدلة ليعيد بناء معتقده على الدليل وقالوا‮ : ‬الشك قنطرة اليقين‮ !! ‬فانظر كيف‮ ‬يُؤمر العبد الموقن بنقض‮ ‬يقينه بنفسه وتخريب بيت عقيدته بيده‮ ‬،‮ ‬أتراه‮ ‬يضمن العيش حتى‮ ‬يرجع إليه ذلك اليقين بما زعموه من النظر العقلي‮ ‬و الأقيسة المنطقية ؟‮ ! ‬ إنَّ‮ ‬الأدلة الشرعية ولا سيما من سيرة النبي‮ ‬صلى الله عليه وسلم وسيرة أصحابه لتدل دلالةً‮ ‬واضحةً‮ ‬على عدم صحة هذه المقالة على صحة ما ذهب إليه أئمة الهدى وعلى رأسهم الأئمة الأربعة من أنَّ‮ ‬أول واجب على المكلف هو شهـادة أن لا إله إلاَّ‮ ‬الله وأنَّ‮ ‬محمداً‮ ‬رسـول الله‮ ‬،‮ ‬يقول شـارح العقيدة الطحاوية‮ : ( ‬الصحيح أنَّ‮ ‬أول واجب على المكلف شهادة أن لا إله إلاَّ‮ ‬الله‮ ‬،‮ ‬لا النظر‮ ‬،‮ ‬ولا القصد إلى النظر ولا الشك كما هي‮ ‬أقوال لأرباب الكلام المذموم بل أئمة السلف كلهم متفقون على أنَّ‮ ‬أول ما‮ ‬يُؤمر به العبد الشهادتان‮ ‬،‮ ‬ومتفقون على أنَّ‮ ‬من فعل ذلك قبل البلوغ‮ ‬لم‮ ‬يؤمر بتجديد ذلك عقيب بلوغه‮ ) ‬،‮ ‬وذكر أهل العلم أنَّ‮ ( ‬في‮ ‬تكليف العامة الاجتهاد في‮ ‬مسائل الأصول إشكال بأنَّ‮ ‬العامي‮ ‬لا‮ ‬يستقل بإدراك الدليل العقلي‮ ) ‬،‮ ‬ويقول العلامة محمَّد الأمين الشنقيطي‮ ‬في‮ ‬تفسيره أضواء البيان في‮ ‬إيضاح القرآن بالقرآن‮ ‬7 ‮/‬ 201 ‮)‬ : والآيات القرآنية مصرِّحة بكثرة على عدم الاكتفاء بما نصب من الأدلة وما ركز من الفطرة‮ ‬،‮ ‬بل إنَّ‮ ‬الله تعالى لا‮ ‬يُعذِّب أحداً‮ ‬حتى‮ ‬يقيم عليه الحجة بإنذار الرسل‮ ‬،‮ ‬فمن ذلك قوله}‮ ‬وما كنَّا معذبين حتى نبعث رسولاً‮ ‬{‮ ‬ولم‮ ‬يقل حتى نخلق عقولاً‮ ‬وننصب أدلةً‮ ‬ونركز فطرة‮ ) ‬،‮ ‬ويقول الشيخ الصادق الغرياني‮ : ( ‬غالى متأخرو الأشاعرة في‮ ‬دعوة الناس إلى مذهبهم‮ ‬،‮ ‬حتى جعلوا من لم‮ ‬ينتسب إلى الأشعري‮ ‬في‮ ‬العقيدة لا إيمان له‮ ‬،‮ ‬فهـم‮ ‬يقولـون‮ : ‬إنَّه لا‮ ‬يكمل الإيمان إلاَّ‮ ‬بالأخذ بمذهبهم واتباع طريقهم وأنَّه‮ ‬يتعين على العالم والجاهل قراءته وأنَّه لا‮ ‬ينبغي‮ ‬لأحد في‮ ‬ابتداء أمره أن‮ ‬يتعلم شيئاً‮ ‬من الفرائض ولا‮ ‬الصلاة ولا الطهارة قبل معرفة أصول الأشعرية ومن خالف ذلك كفروه‮ ‬،‮ ‬هذا الكلام ليس فيه شيء من العلـم ولا من الدين‮ ‬،‮ ‬يقول ابن رشد في‮ ‬الرد عليه‮ : ‬ولا‮ ‬يتأوله على الأشعرية إلاَّ‮ ‬جاهل‮ ‬غبي‮ ‬،‮ ‬لأنهم إذا لم‮ ‬يصلُّوا ولا صاموا ولا حجوا حتى‮ ‬يعرفوا الله تعالى من تلك الطريقة الغامضة قد لا‮ ‬يصلون إلى معرفته من تلك الطريقة إلاَّ‮ ‬بعد المـدة الطويلة أو تنبو أفهامهـم عنها فيمرقـون من الدين مسائل ابن رشد‮ ‬/ 762,857/2 ولأنَّ‮ ‬الله تعالى أكمل الدين بتبليغ‮ ‬النبي‮ ‬صلى الله عليه وسلم‮ ‬،‮ ‬ولم‮ ‬يترك شيئاً‮ ‬لمن‮ ‬يأتي‮ ‬بعد النبي‮ ‬صلى الله عليه وسلم‮ ‬يتوقف عليه إيمان المؤمنين فلا حاجة لأحد في‮ ‬الإيمان بالله إلى سوى ما أنزله الله تعالى في‮ ‬كتابه وسنه على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم‮ ‬،‮ ‬بل إنَّ‮ ‬ابن رشد رحمه الله تعالى أفتى بوجوب منع المبتدئين من قراءة مذهب المتكلمين‮ ‬من الأشعريين فقال‮ : ‬من الواجب على من ولاَّه الله أمر المسلمين أن‮ ‬ينهى العامة المبتدئين عن قراءة مذاهب المتكلمين من الأشعريين ويمنعهم من ذلك‮ ‬غاية المنع مخافة أن تنبو أفهامهم عنها فيضلون بقراءتها ويلزمهم أن‮ ‬يقتصروا على الاستدلال الذي‮ ‬نطق به القرآن ونبه الله عليه عباده في‮ ‬محكم التنزيل إذ هو واضح لائح‮ ‬يُدرك ببديهة العقـل بأيسر تأمل في‮ ‬الحين‮ ‬.

مسائل ابن رشد‮ ‬{860 /2 ويقول الشيخ الصادق الغرياني‮ : ( ‬أول ما‮ ‬يجب على المكلف هو التوحيد نطقاً‮ ‬واعتقاداً‮ ‬وعملاً‮ ‬وليس النظر ولا التفكر ولا التأمل‮ ‬،‮ ‬ولا القصد إلى النظر إلى نصب البراهين وإقامة الأدلة‮ ‬،‮ ‬كما هو مذكور في‮ ‬كثير من كتب علم الكلام‮ ‬،‮ ‬وهي‮ ‬مسألة ذكر أبو الوليد الباجي‮ ‬عن بعض شيوخه أنها من مسائل المعتزلة التي‮ ‬بقيت في‮ ‬كتب الأشاعرة وكذلك قال أبو جعفر السمـناني‮ ‬وهو من رؤوس الأشاعرة‮ : ‬ انظر التمهيـد‮ ‬ / 152/ 7وفتح الباري‮ ‬ [116 / 17/77/ 1] وقال القرطبي‮ ‬في‮ ‬المفهم‮ : ( ‬الذي‮ ‬عليه أئمة الفتوى وبهم‮ ‬يقتدى كمالك والشافعي‮ ‬وأبي‮ ‬حنيفة وأحمد وغيرهم من أئمة السلف‮ ‬،‮ ‬أنَّ‮ ‬أول الواجبات على المكلف الإيمان التصديقي‮ ‬الجزمي‮ ‬الذي‮ ‬لا ريب معه في‮ ‬الله تعالى ورسله وكتبه وما جاءت به الرسل كيف ما حصل ذلك الإيمان وبأي‮ ‬طريق إليه توصـل‮ ) ‬ المفهم‮ ‬1 / 182 , وهو الذي‮ ‬دلَّ‮ ‬عليه حديث جبريل في‮ ‬تعريف الإيمان‮ : ‬أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره‮ ‬مسلم‮ : ‬حديث رقم‮ ‬8 ويدل لذلك أيضاً‮ ‬أحاديث إسلام أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كحديث إسلام الأعرابي‮ ‬وإسلام أبي‮ ‬ذر وخالد بن الوليد وحديث بهز بن حكيم وغيرهم من الصحابة رضي‮ ‬الله عنهم‮ ‬،‮ ‬فقد روى بهز بن حكيم عن أبيه عن جده أنه قال‮ : ‬قلت‮ ‬يا نبي‮ ‬الله ما أتيتك حتى حلفت أكثر من عددهن ـ لأصابع‮ ‬يديه ـ ألاَّ‮ ‬آتيك ولا آتي‮ ‬دينك وإني‮ ‬كنت امرأ لا أعقل شيئاً‮ ‬إلاَّ‮ ‬ما علمني‮ ‬الله ورسوله وإني‮ ‬أسألك بوحي‮ ‬الله بما بعثـك ربك إلينا ؟ قال‮ : ‬بالإسلام‮ ‬،‮ ‬قلت وما آيات الإسلام ؟ قال‮ : ‬أن تقول أسلمت وجهي‮ ‬إلى الله وتخليت وتؤتي‮ ‬الزكاة‮ ‬سنن النسائي‮ ‬حديث‮ ‬ 2436فلم‮ ‬يكن النبي‮ ‬صلى الله عليه وسلم‮ ‬يطلب ممن‮ ‬يأتيه راغباً‮ ‬في‮ ‬الإسلام إقامة البراهين والأدلة العقلية على إثبات ما‮ ‬يجب لله تعالى وما‮ ‬يستحيل بل‮ ‬يكتفي‮ ‬منه بالتصديق والتسليم بما‮ ‬يجب الإيمان به والنطق بالشهادتين وتعليمه أركان الإسلام ليعمل بها وفي‮ ‬ما كتبه النبي‮ ‬صلى الله عليه وسلم إلى هرقل وكسرى وغيرهما من الملوك‮ ‬،‮ ‬ما‮ ‬يدلُّ‮ ‬على أنَّه صلى الله عليه وسلم لم‮ ‬يزد في‮ ‬دعاء المشركين إلى الإسلام على دعوتهم أن‮ ‬يؤمنوا بالله وحده ويصدقوه فيما جاء به فمن فعل ذلك قبل منه ولم‮ ‬يطلب منـه دليلاً‮ ‬ولا نظراً‮ ‬في‮ ‬الأدلـة‮ ‬انظر فتح الباري‮ ‬7 121‮)‬ قال ابن عبد البر‮ : ( ‬إنَّه من نظر إلى إسلام أبي‮ ‬بكر وعمر وعثمان وعلي‮ ‬وطلحة وسعد وعبد الرحمن وسائر المهاجرين والأنصار رضي‮ ‬الله عنهم‮ ‬،‮ ‬وجميع الوفود الذين دخلوا في‮ ‬دين الله أفواجاً‮ ‬علم أنَّ‮ ‬الله عزَّ‮ ‬وجلَّ‮ ‬لم‮ ‬يعرفه واحدٌ‮ ‬منهم إلاَّ‮ ‬بتصديق النبيين بأعلام النبوة ودلائل الرسالة‮ ‬،‮ ‬لا من قبل حركة‮ ‬،‮ ‬ولا من باب الكل والبعض‮ ‬،‮ ‬ولا من باب كان ويكون ولو كان النظر في‮ ‬الحركة والسكون عليهم واجباً‮ ‬وفي‮ ‬الجسم وفي‮ ‬نفيه والتشبيه ونفيه لازماً‮ ‬ما أضاعوه‮ ‬،‮ ‬ولو أضاعوا الواجب ما نطق القرآن بتزكيتهم وتقديمهم‮ ‬،‮ ‬ولا أطنب في‮ ‬مدحهم وتعظيمهم ولو كان ذلك من عملهم مشهوراً‮ ‬ولو من أخلاقهم معروفاً‮ ‬لاستفاض عنهم ولشـهروا كما شـهروا بالقرآن و الروايات‮ ‬التمهيد‮ (‬7 ‮/‬152 ‮)‬ ‮.‬

 ومن الاشتراطات الباطلة التي‮ ‬أحدثها البعض لقبول شهادة أن لا إله إلاَّ‮ ‬الله وأنَّ‮ ‬محمداً‮ ‬رسول الله اشتراط المعرفة بمقتضياتها وتفاصيلها‮ ‬،‮ ‬ويقولون إنَّ‮ ‬العلماء اشترطوا العلم بمعنى لا إله إلاَّ‮ ‬الله ثمَّ‮ ‬يفسرون العلم تفسيراً‮ ‬واسعاً‮ ‬يخالف الشريعة السمحة وتفسير النبي‮ ‬صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام رضي‮ ‬الله عنهم إذ ليس معنى العلم بلا إله إلاَّ‮ ‬الله إلاَّ‮ ‬أن‮ ‬يعرف معنى لفظها‮ ‬،‮ ‬وليس معنى شرط العلم أنَّه لا بدَّ‮ ‬أن‮ ‬يدخل قسم العقيدة في‮ ‬جامعة إسلامية‮ ‬،‮ ‬ولا أن‮ ‬ينخرط في‮ ‬دورة شرعية لدراسة التوحيد ولا أن‮ ‬يقرأ كتباً‮ ‬معينةً‮ ‬في‮ ‬التوحيد‮ ‬،‮ ‬وليس من شرط صحة إسلامه أن‮ ‬يعرف مقتضيات لا إله إلاَّ‮ ‬الله‮ ‬،‮ ‬ومن الغريب أنك ترى اليوم وتسمع من‮ ‬يقول إنه لا‮ ‬يصلي‮ ‬خلف هذا الإمام أو ذاك لأنه لا‮ ‬يعرف معنى لا إله إلاَّ‮ ‬الله‮ ! ‬،‮ ‬لا‮ ‬يقال إنَّ‮ ‬النبي‮ ‬صلى الله عليه وسلم لم‮ ‬يطالب من‮ ‬يسلم في‮ ‬عصره بتعلم مقتضيات لا إله إلاَّ‮ ‬الله حين إسلامه لأنهم كانوا عرباً‮ ‬يعرفون تلك المقتضيات من نفس مدلول الألفاظ لأنا نقول إنَّ‮ ‬عدي‮ ‬بن حاتم عربي‮ ‬قح من قبيلة طيء‮ ‬،‮ ‬التي‮ ‬تُعتبر من القبائل التي‮ ‬يُستدل بلهجتها على قواعد اللغة فما تكلمت به طيء خرج عن الشذوذ‮ ‬،‮ ‬ومع كونه طائياً‮ ‬إلاَّ‮ ‬أنَّه لم‮ ‬يعرف أنَّ‮ ‬طاعة الأحبار والرهبان‮ ( ‬وهم علماء أهل الكتاب‮ ) ‬في‮ ‬معصية الله تعتبر من العبادة لغير الله‮ ‬،‮ ‬فقد ثبت أنه دخل على النبي‮ ‬صلى الله عليه وسلم وهو ـ أي‮ ‬النبي‮ ‬صلى الله عليه وسلم ـ‮ ‬يتلوا قوله تعالى في‮ ‬حق أهل الكتاب‮ (‬اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً‮ ‬من دون الله‮ ) ‬التوبة‮ : ‬31 ] وكان عدي‮ ‬نصرانياً‮ ‬،‮ ‬فقال‮ ‬يا رسول الله‮ : ‬لسنا نعبدهم‮ ‬،‮ ‬قال‮ : ‬أليس‮ ‬يحلون لكم ما حرَّم الله فتحلونه ويحرمون ما أحل الله فتحرمونه ؟ قال بلى قال النبي‮ ‬صلى الله عليه وسلم فتلك عبادتهم‮ ) ‬،‮ ‬وبهذا الحديث تعلم خطأ المقالة المذكورة وقد ذكرنا قول شارح الطحاوية‮ ( ‬دلَّ‮ ‬الكتاب والسنة على ظهور دين الإسلام ـ أي‮ ‬وضوحه ـ وسهولة تعلمه وأنه‮ ‬يتعلمه الوافد ثم‮ ‬يولى في‮ ‬وقته‮ ) .

‬ إنَّ‮ ‬هذا الخلل ناتج في‮ ‬نظرنا عن ثلاثة أسباب‮ :‬ أسباب الخلل السبب الأول‮ : ‬أخذ الأحكام الفقهية من الخطب الوعظية والمقالات الدعوية‮ :‬ درج الخطباء والوعاظ قديماً‮ ‬وحديثاً‮ ‬،‮ ‬على توظيف القيّم الجمالية التي‮ ‬زخرفت بها اللغة العربية التي‮ ‬اختارها الله أن تكون لغة كتابه الكريم‮ ( ‬القرآن‮ ) ‬وعادة ما‮ ‬يتفنن الخطباء والوعاظ في‮ ‬إثارة عواطف المتلقين لتوجيههم نحو الفضائل وإيحاش فطرهم من الرذائل‮ ‬،‮ ‬وقريب من ذلك ما‮ ‬يسطره الدعاة والمفكرون لدعوة الناس‮ ‬إلى فكرة‮ ‬يرون صوابها أو دعوة‮ ‬يعتقدون صحتها مغترفين من معين البلاغة العربية مرتشفين من رحيقها‮ ‬،‮ ‬وقد‮ ‬يقول قائل أو‮ ‬يسأل سائل وهل في‮ ‬ذلك الصنيع من خلـل ؟‮ ‬،‮ ‬والحق أنه لا عيب في‮ ‬ذلك من حيث المبدأ ولكن الخلل‮ ‬يتسرب أحياناً‮ ‬عندما‮ ‬يشتط قلم الكاتب أو‮ ‬يبالغ‮ ‬لسان الواعظ في‮ ‬فورة عاطفة أو ثورة حماس وتنسل الكلمات من ربقة الضوابط الشرعية وتقفز المقالات عن حواجز المنقول والمعقول ويستحكم الخلل إذا صادف ذلك قلباً‮ ‬خالياً‮ ‬من العلم وعقلاً‮ ‬فارغاً‮ ‬من الفهم وتترجم المواعظ إلى أحكام والمقالات إلى مواد ونصوص‮ ‬يصنف على ضوئها الناس‮ ‬،‮ ‬فالواعظ إذا قال منفِّراً‮ ‬عن فعل مذموم ومحذِّراً‮ ‬من خصلة قبيحة‮ ( ‬لا‮ ‬يفعل هذا مسلم‮ ) ‬فلا‮ ‬يعني‮ ‬أنَّ‮ ‬فاعل ذلك الفعل خارج عن دائرة الإسلام‮ ‬،‮ ‬ويقول بعض الخطباء والأدباء إنَّ‮ ‬كثيراً‮ ‬من المسلمين مسلمون بالوراثة‮ ‬،‮ ‬وقصدهم الحث على الازدياد من العلم والعمل‮ ‬،‮ ‬واحتساب الأعمال الصالحة لإخراجها من دائرة العادات والأعراف التي‮ ‬يقلد فيها الأبناء آباءهم‮ ‬،‮ ‬لكنها تترجم أحياناً‮ ‬عند البعض إلى القول بإبطال إسلام الناس بدعوى أنَّ‮ ‬إسلامهم لم‮ ‬يكن عن قناعة‮ .‬ السبب الثاني‮ : ‬الخلط بين وظيفة الداعية من جهة ووظيفة المفتي‮ ‬أو القاضي‮ ‬من جهة أخرى‮ : ‬ وهذا له نوعُ‮ ‬تعلقٍ‮ ‬بالسبب الأول‮ ‬،‮ ‬حيث‮ ‬يعطي‮ ‬الداعية لنفسه حق إنزال الأحكام على المعينين أو‮ ‬يمنحه هذا الحق بعض من لا علم له من المتلقين فيحجِّر الواسع من رحمة الله عزَّ‮ ‬وجلَّ‮ ‬ويضرب صفحاً‮ ‬عن كثير من الأدلة الشرعية التي‮ ‬حاولنا في‮ ‬دراستنا هذه تجليتها وإزالة ركام الشبهات عنها ورفعنا شعار‮ (( ‬دعاة لا قضاة‮ )) ‬ودعونا الشباب والدعاة إليه في‮ ‬محاولة منَّا للإسهام في‮ ‬إصلاح الخلل وتصحيح الخطأ‮.‬ السبب الثالث‮ : ‬إغفال التنبيه على الفوارق الجوهرية بين الدليل والواقع‮ : ‬ يذكر بعض الدعاة اليوم ـ أو كثيٌر منهم ـ وهم في‮ ‬معرض الحديث عن الدعوة إلى الله والصبر على ما‮ ‬يلقاه الداعية إلى الله تعالى من الأذى‮ ‬،‮ ‬يذكرون صبر النبي‮ ‬صلى الله عليه وسلم على دعوة قومه في‮ ‬مكة وعلى ما‮ ‬يناله من أذى في‮ ‬سبيل ذلك‮ ‬،‮ ‬وهذا الاستشهاد لا‮ ‬يمكن الاعتراض عليه من حيث الجملة ولكن لأنَّ‮ ‬بعض البسطاء قد‮ ‬يستقر في‮ ‬ذهنه أو‮ ‬ينطبع في‮ ‬شعوره أنَّ‮ ‬مجتمعاتنا اليوم هي‮ ‬كمجتمع مكة الجاهلي‮ ‬أو الكافر‮ ‬،‮ ‬فإنه من الضروري‮ ‬الالتفات إلى هذا الخلل الواقع أو المتوقع والتنبيه إلى الفرق بين المجتمع المكي‮ ‬المشرك والمجتمعات المسلمة اليوم‮ .

‬ يحكم بالإسلام لمن لم‮ ‬يحسن النطق بالشهادتين وأتى بما‮ ‬يدل عليهما‮ : ‬ إذا أراد شخصٌ‮ ‬أن‮ ‬يدخل في‮ ‬دين الإسلام ولكنه لم‮ ‬يحسن أن‮ ‬يقول لا إله إلاَّ‮ ‬الله لجهله أو عجزه أو عدم معرفته بالعربية‮ ‬،‮ ‬وأتى بكلمة أو إشارة تدل على إرادته الدخول في‮ ‬الإسلام‮ ‬،‮ ‬فإنه‮ ‬يحكم له بالإسلام ويعصم دمه وماله‮ ‬،‮ ‬والدليل على ذلك ما رواه البخاري‮ ‬ومسلم من حديث عبد الله بن عمر رضي‮ ‬الله عنهما‮ ‬،‮ ‬قال‮ : ( ‬بعث النبي‮ ‬صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد إلى بني‮ ‬جذيمة فدعاهم إلى الإسلام فلم‮ ‬يحسنوا أن‮ ‬يقولوا أسلمنا فجعلوا‮ ‬يقولون‮ : ‬صبأنا صبأنا فجعل خالد‮ ‬يقتل فيهم ويأسر‮ ‬،‮ ‬ودفع إلى كل رجل منَّا أسيره‮ ‬،‮ ‬حتى إذا كان‮ ‬يوم أمر خالد أن‮ ‬يقتل كل رجل منَّا أسيره‮ ‬،‮ ‬فقلت والله لا أقتل أسيري‮ ‬ولا‮ ‬يقتل رجل من أصحابي‮ ‬أسيره‮ ‬،‮ ‬حتى قدمنا على النبي‮ ‬صلى الله عليه وسلم فذكرناه له‮ ‬،‮ ‬فرفع النبي‮ ‬صلى الله عليه وسلم‮ ‬يديه وقال‮ : ‬اللهمَّ‮ ‬إني‮ ‬أبرأ إليك مما صنـع خالد‮) ‬،‮ ‬يقول الحافـظ ابن حجر في‮ ‬شرحه لهذا الحديث‮ : ‬قوله‮ " ‬فلم‮ ‬يحسنوا أن‮ ‬يقولوا أسلمنا فجعلوا‮ ‬يقولون صبأنا صبأنا‮ " ‬،‮ ‬هذا ابن عمر رضي‮ ‬الله عنه راوي‮ ‬الحديث‮ ‬يدلُّ‮ ‬على أنَّه فهم أنهم أرادوا الإسلام حقيقة‮ ‬،‮ ‬ويؤيده فهمه أنَّ‮ ‬قريشاً‮ ‬كانوا‮ ‬يقولون لكل من أسلم صبأ حتى اشتهرت هذه اللفظة وصاروا‮ ‬يطلقونها في‮ ‬مقام الذم‮ ‬،‮ ‬ومن ذلك أنَّه لمَّا أسلم ثمامة بن أثال وقدم مكة معتمراً‮ ‬قالوا‮ : ( ‬صبأت ؟ قال‮ : ‬لا بل أسلمت‮ ) ‬،‮ ‬فلما اشتهرت هذه اللفظة بينهم في‮ ‬موضع أسلمت استعملها هؤلاء‮ ‬،‮ ‬وأما خالد فحمل هذه اللفظ على ظاهرها لأنَّ‮ ‬قوله‮ ( ‬صبأنا‮ ) ‬أي‮ ‬خرجنا من دين إلى دين‮ ‬،‮ ‬ولم‮ ‬يكتف خالد بذلك حتى‮ ‬يصرحوا بالإسلام‮ . ‬وقال الخطابي‮ : ‬يحتمل أن‮ ‬يكون خالد نقم عليهم العدول عن لفظ الإسلام لأنه فهم عنهم أنَّ‮ ‬ذلك وقع منهم على سبيل الأنفة ولم‮ ‬ينقادوا إلى الدين فقتلهم متأولاً‮ ‬قولهم‮ ‬،‮ ‬وترك التثبت في‮ ‬أمرهم قبل أن‮ ‬يعلم المراد من قولهم صبأنا‮ ‬،‮ ‬وقال في‮ ‬موضع آخر‮ : ( ‬قوله صلى الله عليه وسلم اللهم إني‮ ‬أبرأ إليك مما صنـع خالد‮ ‬،‮ ‬يعني‮ ‬من قتله الذين قالوا صبأنا قبل أن‮ ‬يستفسرهم عن مرادهـم بذلك القول‮ ‬،‮ ‬فإنَّ‮ ‬فيه إشارة إلى تصويب فعل ابن عمر رضي‮ ‬الله عنهما ومن تبعه في‮ ‬تركهم متابعة خالد رضي‮ ‬الله عنه على قتل من أمرهم بقتلهم من المذكورين به‮ .

 ‬وقال الخطابي‮ : ‬الحكمة في‮ ‬تبرئه صلى الله عليه وسلم من فعل خالد ـ مع كونه لم‮ ‬يعاقبه على ذلك لكونه مجتهداً‮ ‬ـ أن‮ ‬يعرف أنه لم‮ ‬يأذن له بذلك خشية أن‮ ‬يعتقد أحد أنَّه كان بإذنه ولينـزجر‮ ‬غير خالد بعد ذلك عن مثل فعله‮ ) ‬أهـ ملخصاً‮ ‬،‮ ‬وقال ابن بطال‮ : ‬الإثم وإن كان ساقطاً‮ ‬عن المجتهد في‮ ‬الحكم إذا تبين أنَّه بخلاف جماعة أهل العلم لكن الضمان لازم للمخطئ عند الأكثر مع اختلاف هل‮ ‬يلزم ذلك عاقلة الحاكم أو بيت المال ؟ وقد تقدمت الإشارة إلى شيء من ذلك في‮ ‬كتاب الديات‮ ‬،‮ ‬الذي‮ ‬يظهر أنَّ‮ ‬التبرؤ من الفعل لا‮ ‬يستلزم إثمَّ‮ ‬فاعله‮ ‬،‮ ‬ولا إلزامه الغرامة فإنَّ‮ ‬إثم المخطئ مرفوع وإن كان فعله ليس بمحمود‮ ) ‬،‮ ‬وقال الإمام النووي‮ : ( ‬واتفق أهل السنة من المحدثين والفقهاء والمتكلمين على أنَّ‮ ‬المؤمن الذي‮ ‬يحكم أنه من أهل القبلة ولا‮ ‬يخلد في‮ ‬النار لا‮ ‬يكون إلاَّ‮ ‬من اعتقد بقلبه دين الإسلام اعتقاداً‮ ‬جازماً‮ ‬خالياً‮ ‬من الشكوك ونطق بالشهادتين‮ ‬،‮ ‬فإن اقتصر على إحداهما لم‮ ‬يكن من أهل القبلة أصلاً‮ ‬إلاَّ‮ ‬إذا عجز عن النطق لخلل في‮ ‬لسانه أو لعدم التمكن منه لمعالجة المنية أو لغير لذلك فإنه‮ ‬يكون مؤمناً‮ ...) ‬ثم قال بعدها‮ : ( ‬أما إذا أقرَّ‮ ‬بالشهادتين بالعجمية وهو‮ ‬يحسن العربية فهل‮ ‬يجعل بذلك مسلماً‮ ‬؟ فيه وجهان لأصحابنا الصحيح منهما أن‮ ‬يصير مسلماً‮ ‬لوجود الإقرار وهذا الوجـه هو الحق ولا‮ ‬يظهر للآخر وجه‮ ) ‬،‮ ‬وقال الشوكـاني‮ : ( ‬وفي‮ ‬حكم التكلِّم بكلمة الإسلام إظهار الانقياد بأن‮ ‬يقول‮ : ‬أنا مسلم أو أنا على دينكم‮ ‬،‮ ‬لما عرفت أنَّ‮ ‬معنى الآية الاستسلام والانقياد وهو‮ ‬يحصل بكل ما‮ ‬يشعر بالإسلام من قول أو فعل ومن جملة ذلك كلمة الشهادة وكلمة التسليم‮ ) ‬،‮ ‬وقال ابن باديس‮ : ‬ ( ويكفي‮ ‬في‮ ‬الدخول للإسلام ما دلَّ‮ ‬على معناها لحديث بني‮ ‬حذيفة‮ ‬،‮ ‬قال عبد الله بن عمر رضي‮ ‬الله عنهما خالد بن الوليد إلى بني‮ ‬جَذيمة‮ ... ‬وذكر الحديث‮ ) .‬ هل النطق بالشهادتين‮ ‬يستوجب دخول الجنة ؟‮ ‬ تقرر مما سبق بما لا‮ ‬يدع مجالاً‮ ‬للشك أنَّ‮ ‬من نطق بالشهادتين على وجه الإقرار فقد ثبت له عقد الإسلام وكان له ما للمسلمين من حقوق وعليه ما عليهم‮ ‬،‮ ‬فدمه ومالـه وعرضـه‮ ‬،‮ ‬كل ذلك حرام‮ ‬،‮ ‬وذكرنا من النصوص الشرعية الكثير مما‮ ‬يوضح ذلك‮ ‬،‮ ‬وهذا فيما‮ ‬يتعلق بنظرة الإنسان إلى‮ ‬غيره‮ ‬،‮ ‬أما في‮ ‬نظره لنفسه فإنَّ‮ ‬على الإنسان أن‮ ‬يحاسب نفسه أشد المحاسبة ويتهمها بالتقصير والتفريط ولا‮ ‬يغتر بأعماله ولو كثرت‮ ‬.
 يتبــــــــــــــــــــــــــــــــع

التعليقات (0)

أضف تعليق

هذا الموضوع تم اغلاقه. لايمكنك ان ترسل اي تعليقات..

busy
حاليا يتواجد 429 متصفح لموقع صحيفة أويا

تسجيل الدخول