
عقـد الإسلام وگيفية ثبـوتـه
دين الإسلام هو خاتم الرسالات النبوية التي أنزلها الله سبحانه وتعالى لهداية الخلق إلى عبادة الله وحده ، والرسول صلى الله عليه وسلم الذي أرسله الله عزَّ وجلَّ إلى الخلق كافة هو خاتـم النبيين } ما كان محمَّد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين { [ الأحزاب : 40 ] , قرئ بفتح التاء وبكسرها ، فبالفتح على اسم الآلة ، وبالكسر على اسم الفاعل وكلاهما يرجع إلى معنى أنه آخر الأنبياء . وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنََّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( فُضلِّت على الأنبياء بست ، أُعطيت جوامع الكلم ، ونُصرت بالرعب ، وأُحلِّت لي الغنائم ، وجُعلت لي الأرض طهوراً ومسجداً , وأُرسلت إلى الخلق كافةً وخُتم بي النبيون ) , ولا يقبل الله تعالى من الناس ـ منذ أن بَعَث نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم من أحد ديناً غير الإسلام } ومن يبتغ غير الإسـلام ديناً فلن يقبل منـه وهو في الآخـرة من الخاسرين { [ آل عمران : 85 ] , وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة. يهودي ولا نصراني ثم مات ولم يؤمن بي إلاَّ كان من أهل النار ) , ( وفي إرسال النبي صلى الله عليه وسلم رسله وكتبــه إلـــى أنحـــاء الأرض ، إلــــى كســرى وقيصـــر والنجاشــي والمقوقــس وسائـر ملــوك الأرض يــأمــرهــم باعتنــاق الإســـلام ، والإيمـان به دليل على عموم رسالته صلى الله عليه وسلم ).
ولمَّا كانت هذه الرسالة الخاتمة عامة للناس جميعاً منذ أن بُعِثَ نبينا محمَّد صلى الله عليه وسلم إلى قيام الساعـة فقـد تكفَّل الله سبحانه وتعالى بحفـظ كتابه القرآن وقال : } إنَّا نحن نزلنا الذكر وإنَّا له لحافظـون { الحجر : 9 ] , ولم يَكِل ذلك إلى أحد من المخلوقين ، كما وكل حفظ التوراة إلى الناس فضاعت } إنَّا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء { المائدة : 44 ] ? فإذا كان دين الإسلام هو الدين الذي من لم يدخل فيه كان من الخاسرين ، وإذا كان هذا الدين قد أُنزل للناس جميعاً إلى قيام الساعة ، وإذا كان الله قد كتب الموت على عباده بما فيهم أنبياؤه ورسله , إذا كان الأمر كذلك ، فإنَّ هذا يعني أنَّ هذه الأمة قد حُمِّـلت بعد نبيها أمـانة عظيمة ، ألا وهي حمل مشاعل هذه الرسـالة _ التي ورَّثهـم إياها نبيهم محمَّدٌ صلى الله عليه وسلم ـ إلى العالمين ولذلك لما نزل قوله تعالى : } يا أيها النبي إنَّا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيـراً * وداعياً إلى الله بإذنه وسراجـاً منيراً { الأحزاب : 46-45 ] , دعا النبي صلى الله عليه وسلم علياً ومعاذاً رضي الله عنهما ، وقد كان أمرهما أن يسيرا إلى اليمن فقال : ( انطلقا بشِّرا ولا تنفِّرا ويسِّرا ولا تعسِّرا ، إنه قد أُنزل عليَّ } يا أيها النبي إنَّا أرسلناك شاهـداً ومبشـراً ونذيراً .
ولا حاجة بنا في هذا الموضع إلى مزيد استطراد حول حكم الدعوة إلى الله أو فضلها ، فقد خصصنا لذلك باباً مستقلاً في هذه الدراسة , وأما هذا الباب فقد قسمناه إلى فصلين :
الفصل الأول :
أولاً : التعريف بدين الإسلام وفيه مبحثان : المبحث الأول : في معنى الإسلام لغةً واصطلاحاً . المبحث الثاني : في العلاقة بين الإسلام والإيمان .
الفصل الثاني :
كيفية ثبوت عقد الإسلام للشخص المعيَّن وفيه مبحثان : المبحث الأول : في أهمية معرفة الخصال التي يثبت بها عقد الإسلام . المبحث الثاني : في الخصال التي يثبت بها عقد الإسلام .
توطئــــــــــــة :
قبل أن نعرِّف الإسلام لغةً وشرعاً ، نُذكِّر أنفسنا وسائر المسلمين بنعمة الله الكبرى بأن هدانا للإسلام ، وهو الدين الحق الذي قضى الله ببقائه إلى قرب قيام الساعة ، وأن نقوم بشكر هذه النعمة بالقلب واللسان والجوارح ، علماً وعملاً ، ودعوةً وصبراً ، ولا يجمُل بنا - نحن المسلمين - أن يكون غيرنا أعلم بديننا منَّا ، فعن طارق بن شهاب عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، أنَّ رجلاً من اليهود قال له : يا أمير المؤمنين : آية في كتابكم تقرؤونها لو عليناـ معشر اليهود ـ نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيداً ، قال : أي آية ؟ قال : } اليوم أكلمت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً { المائدة : 3 ] , قال عمر : قد عرفنا ذلك اليوم والمكـان الذي نزلت فيه على النبي صلى الله عليه وسلم وهو قائم بعـرفة يوم جمعة ) , أي : وكلاهما بحمد الله لنا عيـدٌ ـ كما جاء في رواية .
وإنَّ من أعظم الشكر لهذه النعمة أن نقوم بحقها ونؤدي الأمانة التي ورثناها ـ نحن المسلمين ـ وذلك بتبليغها للآخَرِ ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حيي عن بينة ، وليخرج المسلمون من عهدتها . إنَّ الله سبحانه وتعالى عندما افترض على العباد عبادته وتوحيده والدخول في دين الإسلام لم يفعل ذلك لحاجته إليهم أو إلى عبادتهم ـ تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً ـ وإنما هم الفقراء إليه المحتاجون إلى رحمته وهدايته قال تعالى : } وما خلقت الجنَّ والإنس إلاَّ ليعبدون * ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون * إنَّ الله هو الرزاق ذو القوة المتين { الذاريات : 56-58 ] , وقال تعالى : } يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى اللهِ واللهُ هو الغني الحميد { فاطر : 15 ] , ومن نظر في حال الأمم والشعوب المعرضة عن دين الإسلام نظرةً متأنيةً عميقةً حكيمةً ، غير مغترٍّ ببهرج ظاهر أو زخرف باطل ، عرف شدة حاجة البشرية اليوم إلى هذا الدين الذي تنكشف ـ يوماً بعد يومٍ ـ للناس آياته في الأنفس والآفاق مصداقاً لقوله تعالى : } سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنَّه الحق أو لم يكف بربك أنَّه على كل شيء شهيد { فصلت : 53 ] يقول الشيخ الصـادق الغرياني : ( لا شك أنَّ الإسلام هو الدين الحق ، لأنَّه الدين الذي رضيه الله تعالى لهذه الأمة ، ونسخ به جميع الشرائع السماوية قال تعالى : } اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً { المائدة : 3 ] , وهو الدين الذي يقـوم على عبادة إله الكون الذي لا شريك له ، المهيمن على كل شيء ، الذي وسع علمه كل شيء وأحاطت قدرته بكل الكائنـات ، فكل موجود بأمره ، وكل نعمة على الناس هي من عنده ، فكان لذلك مستحقاً للعبادة لذاته ، وهي حقه على عباده ، يعبدونه لا يشركون به شيئاً ، ولمَّا كان الدين الإسلامي خاتم الأديان السماوية وآخرها ، وكان ديناً للناس كافة على مختلف أجناسهم وألوانهم وعصورهم ، أحكم الله تعالى شريعته على لسان نبيه محمَّد صلى الله عليه وسلم وجعلـها صالحة لكل زمان ومكان إلى قيام الساعة ، دستورها كلام الله تعالى الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، وهدي نبيه محمَّد صلى الله عليه وسلم المؤيد بالوحي , فكان في هذا الدستور شفاء الصدور , فيه العقيدة الصحيحة , والعبادة المثلى ، والسلوك القويم . كان شريعةً في جانبها الاعتقادي تقوم على الإيمان بالله الذي يملأ النفس البشرية ثقةً وقوةً واعتزازًا بالله وحده ، ويحررها تحريرًا كاملاً من التبعية لغيره ، فلا عبودية إلاَّ لله وحده ، وبذلك تتوجه التوجيه النافع في الحياة الذي يحملها على التضحية وتحقيق أسمى الأهداف وأنبل الغايات . وفي جانبها التعبدي ، تمثل هذه الشرعة منهج الإخلاص التي تنعكس آثاره على الإنسان شعورًا بالمسؤولية واستقامة وصلاح نفس ، وفي جانبها السلوكي تعطي المثل الرائع في حسن التعامل والإنصاف والوفاء بالذمم ، والعدل بين الناس ، وهذه الخصال التي هي جماع الإيمان ، ما اجتمعت في أمة إلاَّ جمعت الخير من أطرافه وكان لأهلها شأن عند الله وعند الناس ، وكان لهم التمكين والفلاح ، قال تعالى : } وَعَد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكِّننَّ لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدِّلنهم من بعد خوفهم أمناً يعبدونني لا يشركون بي شيئاً { النور : 55 ] .
المبحث الأول :
في معنى الإسلام لغةً واصطلاحاً : الإسلام في اللغة : ( الاستسلام والانقياد ) ، وأسلم الرجـل انقاد ، وفي حديث البراء رضي الله عنه : (أسلمت نفسي إليك ) , ( أي استسلمت وانقـدت ) , ( وأسلم : دخـل في دين الإسـلام ، وأسلم : دخل في السلم ...واستسلم انقاد ) . وأمَّا في الاصطلاح الشرعي : فهو الاستسلام لأمر الله تعالى ، وهو الانقيـاد لطاعته والقبول لأمره ، فيطلق الإسلام في الاصطـلاح ويراد به الدخـول في دين الإسـلام الذي جاء به نبينـا محمَّد صلى الله عليه وسلم ، كما يطلـق ويراد به إفـراد الله عزَّ وجلَّ بالعبـادة ، وبهذا المعنى الثاني ، يكـون الإسـلام دين الأنبياء جميعاً كما قال تعالى عن خليله إبراهيم على نبينا وعليـه السلام : } إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمـين { البقرة : 131 ] , وقال سبحانه على لسان إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام : } ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمـة مسلمة لك { [ البقرة : 128 ] , وقال تعالى : } ووصَّى بها إبراهيم بنيه ويعقوبُ يا بني إنَّ الله اصطفى لكم الدين فلا تموتنَّ إلاَّ وأنتم مسلمون { البقرة : 132 ] ? وقـال تعالى : } أم كنتم شهداء إذ حضر يعقـوبَ الموتُ إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعـدي قالوا نعبد إلهـك وإله آبائك إبراهيـم وإسمـاعيل وإسحـاق إلهاً واحـداً ونحن له مسلمـون { البقرة : 133 ] , قـال ابن كثير رحمـه الله : ( أي مطيعـون خاضعـون كمـا قـال تعالى : } وله أسلـم من في السمـاوات والأرض طوعـاً وكرهـاً وإليه يرجعـون { آل عمران : 33 ] , الإسلام هو ملة الأنبياء قاطبة وإن تنوعت شرائعهم واختلفت مناهجهم ، كما قال تعالى : } وما أرسلنا من قبلك من رسول إلاَّ نوحي إليه أنه لا إله إلاَّ أنا فاعبدون { الأنبياء : 25 ] , والآيات في هذا كثيرة ، أما الأحاديث فمنها قوله صلى الله عليه وسلم : " نحن معشر الأنبياء أولاد علاَّت ديننا واحد" ) ، والحديث المذكور هو في الصحيح عن أبي هريرة .
إيضاح حول :
الحقيقة الشرعية وعلاقتها بالحقيقة اللغوية : وقبل أن نغادر هذا المبحث نود أن نبين معنى الحقيقة الشرعية وعلاقتها بالحقيقة اللغوية لأننا نحتاج هذا البيان أيضاً فيما يأتي ، فنقول : تقرر في علم الأصول أنَّ الحقيقة الشرعية هي : ما نقله الشارع عما وضع له في اللغة إلى معنى آخر , فالصلاة ـ على سبيل المثال ـ في اللغة هي الدعاء , قال الأعشى :
تقولُ بنتي وقـدْ قرَّبْتُ مرتحــلاً يا ربُّ جَنِّبْ أبي الأوْصَابَ والوَجَعَا عليْكِ مثل الذي صليْتِ فاغتمضي نوماً فإنَّ لجنْبِ المـرْءِ مضْطجَـعَا والصوم في اللغة هو الإمساك , قال النابغة : خيلٌ صِيـامٌ وخيـلٌ غيرُ صائمـةٍ تحْتَ العَجاجِ وأخرى تعلُكُ اللُّجُمَا
أي خيلٌ ممسكة عن الصهيل وأخرى تصهل ، ثم إنَّ الشارع نقل لفظ الصـلاة من معناه اللغـوي ( الدعاء ) إلى معنى شرعي هو ( أفعال مخصوصة ذات شروط وأركان ) , وكذلك نقل لفظ الصيام من معناه اللغوي ( الإمساك ) إلى معنى شرعي وهو ( الإمساك عن المفطرات من طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس بِنِيّة ) ، وقيل : لم ينقل معانيها اللغوية ، وإنما أبقاها وزاد فيها شروطاً ، وعلى كلا القولين , إن صدرت الألفاظ عن الشارع فإنها تحمل على حقيقتها الشرعية إلاَّ أن يعلم بنص أو قرينة أنَّ المراد بها الموضوع اللغوي . قال في مراقي السعود :
واللفظُ محمولٌ على الشرعيِّ
فاللغَوِي على الجَلِي ......
إن لم يكن فمطلقُ العُـرْفيِّ
........................ إلخ
المبحث الثاني : العلاقة بين الإسلام والإيمان :
اختلف الأئمة رحمهم الله في العلاقة بين الإسلام والإيمان : هل هما شيء واحد أم هما متغايران ؟ فحكى المزني عن الشافعي أنهما شيء واحد ، وبه قال المزني والبخاري , فقد بوَّب في كتاب الإيمان من صحيحه باب إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة وكان على الاستسلام أو الخوف من القتل لقوله تعالى : } قالت الأعراب آمنَّا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا { الحجرات : 14 ] , فإذا كان على الحقيقة فهو على قولـه جلَّ ذكره : } إنَّ الدين عند الله الإسلام { [ آل عمران : 19 ] , ثم روى بإسناده عن سعد رضي الله عنه ، أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطى رهطاً وسعـد جالس فترك رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً هو أعجبهم إليَّ فقلت : يا رسول الله مالك عن فـلان فوالله إني لأراه مؤمناً فقال : أو مسلماً , فسكتُّ قليلاً ثم غلبني ما أعلم منه فعدت لمقالتي فقلت : مالك عن فلان فوالله إني لأراه مؤمناً فقال : أو مسلماً , فسكتُّ قليلاً ثم غلبني ما أعلم منه فعدت لمقالتي وعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم , ثم قال يا سعد إني لأعطي الرجل وغيره أحب إليَّ منه خشية أن يَكُـبَّه الله في النار . قال الحافظ بن حجر رحمه الله تعالى تعليقاً على تبويب ( إذا لم يكن الإسلام ...) ومحصَّل ما ذكره واستدل به ، أنَّ الإسلام يطلق ويراد به الحقيقة الشرعية وهو الذي يرادف الإيمان وينفع عند الله وعليه قوله تعالى : } إنَّ الدين عند الله الإسلام { آل عمران : 19 ] ? وقوله تعالى : } فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين { الذاريات : 36 ] , ويطلق ويراد به الحقيقة اللغوية وهو مجرد الانقياد والاستسلام , فالحقيقة في كلام المصنف هنا هي الشرعية ، ومناسبة الحديث للترجمة ظاهرة من حيث أنَّ المسلم يطلق على من أظهر الإسلام وإن لم يعلم باطنه فلا يكون مؤمناً ، لأنَّه ممن تصدق عليه الحقيقة الشرعية وأمَّا اللغوية فحاصلة , وعن حديث سعد ابن أبي وقاص رضي الله عنه , قال الحافظ : ( وفي رواية عبد الرزاق عن معمر من الزيادة : قال الزهري : فنرى أنَّ الإسلام الكلمة والإيمان العمل ، وقد استشكل هذا بالنظر إلى حديث سؤال جبريل , فإنَّ ظاهره يخالفه ويمكن أن يكون مراد الزهري أنَّ المرء يحكم بإسلامه ويسمى مسلماً إذا تلفظ بالكلمة أي كلمة الشهادة وأنه لا يسمى مؤمناً إلاَّ بالعمل والعمل يشمل عمل القلب والجوارح وعمل الجوارح يدل على صدقه ، وأما الإسلام المذكور في حديث جبريل فهو الشرعي الكامل المراد بقوله تعالى : } ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه { آل عمران : 85 ].
والمقصود أنَّ البخاري ومن يوافقه يجعلون الإسلام المذكور في قوله تعالى : } قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا { الحجرات : 14 ] هو الإسلام بالمعنى اللغوي لا الشرعي بخلاف قوله تعالى : } إنَّ الدين عند الله الإسلام { آل عمران : 19 ] فإنه على المعنى الشرعي كما يستدلون بقوله تعالى : } فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين * فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين { الذاريات : 35 ـ 36 ] قال ابن عبد البر : ( أكثر أصحاب مالك على أنَّ الإسلام والإيمان شيء واحد ، وهو قول جمهور أصحابنا وغيرهم من المالكيين والشافعيين ، وهو قول داود وأصحابه وأكثر أهل السنة والنظر ، المتبعين للسلف والأثر ، قال الله تعالى : } فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين { ، أي غير بيت مسلم من المؤمنين فسوّى بين الإيمان والإسلام ، وقال تعالى : } إنَّ الدين عند الله الإسلام { [ آل عمران : 19 ] , وذهب الإمام أحمد والخطابي وابن تيمية وابن رجب وغيرهم إلى أنَّ بينهما عموماً وخصوصاً ، فكل مؤمن مسلم وليس كل مسلم مؤمناً ، وجعلوا الإسلام في آية الأعراب السابقة هو الإسلام الشرعي لا اللغوي ، وهو أقل رتبة من منزلة الإيمان ، ولم يرتضوا الاستدلال بقولـه تعالى : } فأخرجنا من كان فيهـا من المؤمنين فما وجدنا فيهـا غير بيت من المسلمين { [ الذاريات : 35- 36 ] قالـوا : ( لأنَّ البيت المُخرَج كانوا متصفين بالإسلام والإيمان , ولا يلزم من الاتصاف بهما ترادفهما ) , قال الحافظ ابن حجر شارحـاً تبويب البخاري بـاب : سؤال جبريل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإيمان والإسلام والإحسان وعلـم الساعة وبيـان النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم قال : جـاء جبريل يعلمكم دينكـم ، وما بيّن النبي صلى الله عليه وسلم لوفد عبد القيس من الإيمان فجعل ذلك كله ديناً ، وقوله تعالى : } ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه { ، تقدم أنَّ المصنف "البخاري" يرى أنَّ الإيمان والإسلام عبارة عن معنى واحد , فلمَّا كان ظاهر سؤال جبريل عن الإيمان والإسلام وجوابه يقتضي تغايرهما ، وأنَّ الإيمان تصديق بأمور مخصوصة والإسلام إظهار أعمال مخصوصة , أراد أن يرد ذلك بالتأويل إلى طريقته ، قولـه ( وبيان ) أي بيان أنَّ الاعتقاد والعمل دين , وقوله ( وما بَيَّن ) أي مع ما بَيَّن للوفد أنَّ الإيمان هو الإسلام ، حيث فسره في قصتهم بما فسر به الإسلام هنا , وقوله ( وقول الله ) مع ما دلت عليه الآية أنَّ الإسلام هو الدين , ودلَّ عليه خبر أبي سفيان أنَّ الإيمان هو الدين , فاقتضى ذلك أنَّ الإسلام والإيمان أمر واحد ، هذا محصل كلامه .
وقد نقل أبو عوانة الاسفراييني في صحيحه عن المزني صاحب الشافعي الجزم بأنهما عبارة عن معنى واحد , وأنه سمع ذلك منه , وعن الإمام أحمد الجزم بتغايرهما , ولكل من القولين أدلة متعارضة , وقـال الخطابي : ( صنَّف في المسألة إمامان كبيران , وأكثرا من الأدلة للقولين وتباينا في ذلك , والحق أنَّ بينهما عموماً وخصوصاً فكل مؤمن مسلم , وليس كل مسلم مؤمناً ) , ثم جمع الحافظ بين القولين بنوع من الجمع فقال : ( والذي يظهر من مجموع الأدلة أنَّ لكل منهما حقيقة شرعية كما أنَّ لكل منهما حقيقة لغوية لكن كل منهما مستلزم للآخر بمعنى التكميل له فكما أنَّ العامل لا يكون مسلماً كاملاً إلاَّ إذا اعتقد ، فكذلك المعتقد لا يكون مؤمناً كاملاً إلاَّ إذا عمل ، وحيث يطلق الإيمان في موضع الإسلام أو العكس أو يطلق أحدهما على إرادتهما معاً فهو على سبيل المجاز ويتبين المراد بالسياق فإن وردا معاً في مقام السؤال حمُلا على الحقيقة وإن لم يردا معاً ، أو لم يكن في السؤال أمكن الحمل على الحقيقة أو المجاز بحسب ما يظهر من قرائن وقد حكى ذلك الإسماعيلي عن أهل السنة والجماعة قالوا : إنهما تختلف دلالتهما بالاقتران فإن أُفرد أحدهما دخل الآخر فيه وعلى ذلك يحمل ما حكاه محمَّد بن نصر وتبعه ابن عبد البر عن الأكثر أنهم سووا بينهما على ما في حديث عبد القيس وما حكاه اللالكائي وابن السمعاني عن أهل السنة أنهم فرقوا بينهما على ما في حديث جبريل ) ، وعلى أية حال فهذا الخلاف بين أهل السنة لا يترتب عليه كبير أمر ، ولذلك لم يجعله أهل العلم من الثوابت التي لا يجوز فيها الاختلاف ، والذي يهم المسلم الذي يريد النجاة يوم القيامة هو أن يعلم أنه مطالب بمرتبتي الإسلام والإيمان ( لاسيما أركانه وواجباته ) ، قال الشيخ الصادق الغرياني : ( الإيمان والإسلام المنجيان عند الله تعالى يوم القيامة يردان في الشرع على شيء واحد ، وهو الاستسلام لله تعالى ، والخضوع له ، والطاعة لأمره ، وإن كان أحدهما ، وهو الإيمان أدخل في عمل القلب ، والآخر ، وهو الإسلام أدخل في النطق والعمل بالجوارح ، فليس هناك إيمان منجٍ لصاحبه في الآخرة من غير إسلام ، ولا إسلام منجٍ من غير الإيمان ، فهمـا متلازمان ، هما كشجرة ، الإيمان في القلب جذورها ، والإسلام في الخارج فروعها ، فالجذور والفروع كلاهما جزءان لشيء واحد ، لا يغني واحدٌ منهما عن غيره ) .
وقال الشيخ محمَّد خليل هراس : ( الإيمان والإسلام الشرعيان متلازمان في الوجود ، فلا يوجد أحدهما بدون الآخر ، بل كلما وجد إيمان صحيح معتد به ، وجد معه إسلام ، وكذلك العكس ، ولهذا قد يستغنى بذكر أحدهما عن الآخر ، لأنَّ أحدهما إذا أفرد بالذكر ، دخل فيه الآخر ، وأما إذا ذكرا معاً مقترنين ، أريد بالإيمان التصديق والاعتقاد ، وأريد بالإسلام الانقياد الظاهري من الإقرار باللسان وعمل الجوارح ، ولكن هذا بالنسبة إلى مطلق الإيمان ، أمَّا الإيمان المطلق فهو أخص مطلقاً من الإسلام وقد يوجد الإسلام بدونه ، كما في قوله تعالى : } قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا { الحجرات : 14 ] فأخبر بإسلامهم مع نفي الإيمان عنهـم ( أي : الإيمان المطلق ) ، وفي حديث جبريل ذكر المراتب الثلاث : الإسلام ، الإيمان ، الإحسان ، فدلَّ على أنَّ كلاً منها أخص مما قبله ) . ولابدَّ من التنبيه هنا على أنَّ القائلين بأنَّ الإسلام والإيمان مختلفان في المعنى وأنه ليس كل مسلم مؤمناً ، لا يعنون إخراج بعض المسلمين من دائرة الإسلام إلى الكفر ، وإنما يعنون أنَّ الدين على ثلاث مراتب أدناها الإسلام ثمَّ الإيمان ثمَّ الإحسان ، ويقولون إنَّ هذا مطابق للتقسيم القرآني لطبقات المسلمين وهو الظالم لنفسه ثم المقتصد ثم السابق بالخيرات ، ويقولون إنَّ قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن) ، إنه خرج من دائرة الإيمان وبقي في دائرة الإسلام و يزيدونها إيضاحاً برسمهم ثلاث دوائر متداخلة ، وكل هذا حرص منهم ـ رحمهم الله ـ على تنقية العقيدة من شوائب البدع المخالفة ، كالخوارج والمعتزلة ، الذين يقولون بأنَّ أصحاب الذنوب الكبائر خالدون في النار وأنهم كفار كما تقوله الخوارج أو في منزلة بين الإسلام والكفر كما تقوله المعتزلة .
الفصل الثاني : كيف يثبت عقد الإسلام للشخص المعين ؟
المبحث الأول : في أهمية معرفة كيف يثبت عقد الإسلام للمعين .
أولاً : ذكرنا في الفصل الأول من هذا الباب أنَّ أمة الإسلام قد حُمّلت بعد نبيها أمانة عظيمة وهي حمل هذه الرسالة إلى الناس كافة , لأنها أمة أُخرجت للناس لهدايتهم إلى الله تعالى ودعوتهم إلى الدخول في هذا الدين , قال تعالى : } كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله { آل عمران : 110 ] , وهذا وإن كان في الأصل واجباً كفائياً على المسلمين إلاَّ أنَّه واجب على كل فرد من الأمة بحسبه , ويعلم من هذا ضرورةً معرفة الخصال التي بها يصير المرء مسلماً والتي إذا وجدناها في الشخص المعين عاملناه معاملة المسلمين , وذلك حتى ينزل المسلم الدعوة منزلها فلا يدعو عصاة المسلمين أو جهلتهم بما يدعى به غير المسلم , ولا يدعوه بما به يدعى أولئك إذ أنَّ لكل مقام مقالاً ) .
ثانياً : أنَّ هذا الدين الشامل لكل ما به صلاح المسلم في دنياه وأخراه ، قد نظَّم للمسلمين شؤون حياتهم فشرع لهم عبادات يعاملون بها ربهم وفاطرهم سبحانه وتعالى , كما شرع لهم ما ينظم أحكام المعاملات فيما بينهم من جهة ، وأحكام المعاملات فيما بينهم وبين غيرهـم من جهة أخرى ، فللأطعمة والأنكحة والمواريث والآنية والجنائز والأعياد وغيرها أحكام تخص المسلمين وأخرى تخص غيرهم ، وتظهر أهمية معرفة ما يعتبر المرء به مسلماً , بصورة أوضح في بلاد الغرب إذا قُدَّر للمسلم أن يقيم فيها , وكذلك في البلاد التي يعيش فيها المسلمون جنباً إلى جنب مع غيرهم من أتباع الديانات المختلفة .
ثالثاً : إذا جهل المسلم مفاتيح الدخول في الإسلام أو الخصال التي يعتبر من أتى بها مسلماً لاسيما في البلدان المشار إليها آنفاً , فإنَّه مُعرَّضٌ للوقوع في إضاعة حقوق الأخوة الإسلامية التي شرعها الله لكل من أنتسب لهذا الدين , كتحريم دمائهم وأعراضهم وأموالهم ، وجاء التحذير من إضاعتها في القرآن الكريم كقوله تعالى : } ولا تقتلوا أنفسكم { النساء : 29 ] ? أي : لا يقتل أحدكم نفسه ولا يقتل أخاه المسلم . وقوله عزَّ وجلَّ : } يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قومٌ من قوم عسى أن يكونوا خيراً منهم ولا نساءٌ من نساء عسى أن يكنّ خيراً منهنّ ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون * يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظنّ إنَّ بعض الظنّ إثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضاً أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً فكرهتموه واتقوا الله إنَّ الله توابٌ رحيمٌ { الحجرات : 11 – 12 ] ? والآيات والأحاديث في ذلك كثيرة مشهورة نكتفي بما ذكرنا منها , ومن الحقوق المهمة أيضاً والتي قد يغفل عنها مع أهميتها : حقوق المهتدين الجدد إلى هذا الدين من حيث تعلمهم أحكام الإسلام بالتدريج المناسب لظروفهم ونفسياتهم ، فقد كان هدى النبي صلى الله عليه وسلم إذا أسلم رجل أو وفد ، أمر بعض أصحابه أن يعلموه شرائع الإسلام ، كما فعل مع وفد الحارث بن كعب حين قدموا عليه مسلمين , ( بعث إليهم بعد أن ولىََّ وفدهم عمرو بن حزم ليفقههم في الدين ويعلمهم السنة ومعالم الإسلام ويأخذ منهم صدقاتهم وكتب له كتاباً عهد إليه فيه عهده , وأمره فيه بأمره : ( بسم الله الرحمن الرحيم , هذا بيان من الله ورسوله صلى الله عليه وسلم } يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود { المائدة : 1 ] ? عهدٌ من محمَّد رسول الله صلى الله عليه وسلم مع الذين اتقوا والذين هم محسنون , وأمره أن يأخذ بالحق كما أمره الله , وأن يبشر الناس بالخير , ويأمرهم به فيعلم الناس القرآن ويفقههم فيه وينهى الناس فلا يمس القرآن إنسان إلاَّ وهو طاهر ويخبر الناس بالذي لهم ، والذي عليهم ، ويلين للناس في الحق ، ويشتد عليهم في الظلم فإنَّ الله كره الظلم ونهى عنه فقال : } ألا لعنة الله على الظالمين { هود : 18 ] ? ويبشر الناس بالجنة وبعملها وينذر الناس النار وعملها ، ويستألف الناس حتى يفقهوا في الدين ... إلى آخر الكتاب الذي ضَمَّنَه النبي صلى الله عليه وسلم أحكاماً كثيرة في الحج والعمرة والطهارة والصلاة والزكاة ، أنواعها ومقاديرها ، وحقوق الداخلين في الإسلام وغيرها ) ، وقال ابن أبي العزّ الحنفي : ( دلَّ الكتاب والسنة على ظهور دين الإسلام أي وضوحه وسهولة تعلمه وأنه يتعلمه الوافد ثم يولى في وقته ، واختلاف تعليم النبي صلى الله عليه وسلم بحسب من يتعلم ، فإن كان بعيد الوطن كضمام بن ثعلبة النجدي رضي الله عنه ووفد عبد القيس علمه ما لم يسعهم جهله مع علمه أنَّ دينه سينشر في الآفاق ويرسل إليهم من يفقههم في سائر ما يحتاجون إليه ، ومن كان قريب الوطن يمكنه الإتيان كل وقت بحيث يتعلم على التدريج أو كان قد علم فيه أنه قد عرف ما لا بد منه أجابه بحسب حاله وحاجته على ما تدل قرينة حال السائل كقوله ( قل آمنت بالله ثم استقم ).
الفصل الثاني : كيفية ثبوت عقد الإسلام للشخص المعين :
ذكر أهل العلم قديماً وحديثاً مستندين إلى الأدلة الشرعية ، أنَّ هناك ثلاث خصال إذا تحقق شيء منها في المرء فإنه يثبت له عقد الإسلام ويعامل معاملة المسلمين ، له ما لهم من الحقوق وعليه ما عليهم من الواجبات ، وهي أمور ظاهرة يسهل معرفتها وتوافق سماحة الإسلام وتيسيره فلا يحتاج معها إلى امتحان الناس في عقائدهم ، ولا يصح مع وجودها وثبوتها التوقف في إثبات الإسلام لمن أتى بشيء منها ، ولا يجوز وضع شروط إضافية لم ينزل الله بها من سلطان ، وقد روى الأئمة الستة من حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ما بال أقوام يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله ؟! كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط ، قضاء الله أحق وشرط الله أوثق ) ، وقد ذكر العلماء أنَّ التوقف المذكور أو امتحان ما بطن من عقائد الناس دون الاكتفاء بما ظهر منهم من البدع المخالفة لما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام الذين عنهم يؤخذ الدين لا سيما في هذا الأمر الكبير ، وثبوت عقد الإسلام بهذه الخصال قاعدة عامة ، تصدق على الجميع حاكماً كان أو محكوماً صغيراً أو كبيراً عالماً أو جاهلاً شريفاً أو وضيعاً لا فرق في ذلك بين أحد منهم . وهذا الخصال الثلاث هي :
1 ـ الكلمة ـ أي شهادة أن لا إله إلاَّ الله وأنَّ محمداً رسول الله أو ما يقوم مقامها.
2 ـ الدلالة .
3 ـ التبعية ـ للأبوين أو للدار. وسنبين ما يتعلق بكل منها من خلال المباحث الثلاثة القادمة .
يتبــــــــــــــــــــــــــــــــع

