أخبار محلية

طرابلس
° ° °
الجمعة السبت الأحد

كتاب الدراسات التصحيحية (مراجعات) الحلقة التانية

كتاب الدراسات تصحيحية
عقـد الإسلام وگيفية ثبـوتـه

 دين الإسلام هو خاتم الرسالات النبوية التي‮ ‬أنزلها الله سبحانه وتعالى لهداية الخلق إلى عبادة الله وحده‮ ‬،‮ ‬والرسول صلى الله عليه وسلم الذي‮ ‬أرسله الله عزَّ‮ ‬وجلَّ‮ ‬إلى الخلق كافة هو خاتـم النبيين‮ } ‬ما كان محمَّد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين‮ { [ ‬الأحزاب‮ : ‬40 ] , قرئ بفتح التاء وبكسرها‮ ‬،‮ ‬فبالفتح على اسم الآلة‮ ‬،‮ ‬وبالكسر على اسم الفاعل وكلاهما‮ ‬يرجع إلى معنى أنه آخر الأنبياء‮ .‬ وعن أبي‮ ‬هريرة رضي‮ ‬الله عنه أنََّ‮ ‬رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‮ : ( ‬فُضلِّت على الأنبياء بست‮ ‬،‮ ‬أُعطيت جوامع الكلم‮ ‬،‮ ‬ونُصرت بالرعب‮ ‬،‮ ‬وأُحلِّت لي‮ ‬الغنائم‮ ‬،‮ ‬وجُعلت لي‮ ‬الأرض طهوراً‮ ‬ومسجداً‮ ‬, وأُرسلت إلى الخلق كافةً‮ ‬وخُتم بي‮ ‬النبيون‮ ) ‬, ولا‮ ‬يقبل الله تعالى من الناس ـ منذ أن بَعَث نبيه محمداً‮ ‬صلى الله عليه وسلم من أحد ديناً‮ ‬غير الإسلام‮ } ‬ومن‮ ‬يبتغ‮ ‬غير الإسـلام ديناً‮ ‬فلن‮ ‬يقبل منـه وهو في‮ ‬الآخـرة من الخاسرين‮ { [ ‬آل عمران‮ : ‬85 ] , ‮ ‬وعن أبي‮ ‬هريرة رضي‮ ‬الله عنه أنَّ‮ ‬النبي‮ ‬صلى الله عليه وسلم قال‮ : ‬ ( والذي‮ ‬نفسي‮ ‬بيده لا‮ ‬يسمع بي‮ ‬أحد من هذه الأمة‮. ‬يهودي‮ ‬ولا نصراني‮ ‬ثم مات ولم‮ ‬يؤمن بي‮ ‬إلاَّ‮ ‬كان من أهل النار‮ ) ‬, ( وفي‮ ‬إرسال النبي‮ ‬صلى الله عليه وسلم رسله وكتبــه إلـــى أنحـــاء الأرض‮ ‬،‮ ‬إلــــى كســرى وقيصـــر والنجاشــي‮ ‬والمقوقــس وسائـر ملــوك الأرض‮ ‬يــأمــرهــم باعتنــاق الإســـلام‮ ‬،‮ ‬والإيمـان به دليل على عموم‮ ‬رسالته صلى الله عليه وسلم‮ ).‬

ولمَّا كانت هذه الرسالة الخاتمة عامة للناس جميعاً‮ ‬منذ أن بُعِثَ‮ ‬نبينا محمَّد صلى الله عليه وسلم إلى قيام الساعـة فقـد تكفَّل الله سبحانه وتعالى بحفـظ كتابه القرآن وقال‮ : } ‬إنَّا نحن نزلنا الذكر وإنَّا له لحافظـون‮ { ‬الحجر‮ : ‬9 ] , ولم‮ ‬يَكِل ذلك إلى أحد من المخلوقين‮ ‬،‮ ‬كما وكل حفظ التوراة إلى الناس فضاعت‮ } ‬إنَّا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور‮ ‬يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء‮ { ‬المائدة‮ : ‬44 ] ? فإذا كان دين الإسلام هو الدين الذي‮ ‬من لم‮ ‬يدخل فيه كان من الخاسرين‮ ‬،‮ ‬وإذا كان هذا الدين قد أُنزل للناس جميعاً‮ ‬إلى قيام الساعة‮ ‬،‮ ‬وإذا كان الله قد كتب الموت على عباده بما فيهم أنبياؤه ورسله‮ ‬, إذا كان الأمر كذلك‮ ‬،‮ ‬فإنَّ‮ ‬هذا‮ ‬يعني‮ ‬أنَّ‮ ‬هذه الأمة قد حُمِّـلت بعد نبيها أمـانة عظيمة‮ ‬،‮ ‬ألا وهي‮ ‬حمل مشاعل هذه الرسـالة‮ ‬_ التي‮ ‬ورَّثهـم إياها نبيهم محمَّدٌ‮ ‬صلى الله عليه وسلم ـ إلى العالمين ولذلك لما نزل قوله تعالى‮ : } ‬يا أيها النبي‮ ‬إنَّا أرسلناك شاهداً‮ ‬ومبشراً‮ ‬ونذيـراً‮ * ‬وداعياً‮ ‬إلى الله بإذنه وسراجـاً‮ ‬منيراً‮ { ‬الأحزاب‮ : ‬46-45 ] , دعا النبي‮ ‬صلى الله عليه وسلم علياً‮ ‬ومعاذاً‮ ‬رضي‮ ‬الله عنهما‮ ‬،‮ ‬وقد كان أمرهما أن‮ ‬يسيرا إلى اليمن فقال‮ : ( ‬انطلقا بشِّرا ولا تنفِّرا ويسِّرا ولا تعسِّرا‮ ‬،‮ ‬إنه قد أُنزل عليَّ‮ } ‬يا أيها النبي‮ ‬إنَّا أرسلناك شاهـداً‮ ‬ومبشـراً‮ ‬ونذيراً‮ .‬

 ولا حاجة بنا في‮ ‬هذا الموضع إلى مزيد استطراد حول حكم الدعوة إلى الله أو فضلها‮ ‬،‮ ‬فقد خصصنا لذلك باباً‮ ‬مستقلاً‮ ‬في‮ ‬هذه الدراسة‮ ‬, وأما هذا الباب فقد قسمناه إلى فصلين‮ :

 ‬ الفصل الأول‮ :
 ‬ أولاً‮ : ‬التعريف بدين الإسلام وفيه مبحثان‮ : ‬ المبحث الأول‮ : ‬في‮ ‬معنى الإسلام لغةً‮ ‬واصطلاحاً‮ .‬ المبحث الثاني‮ : ‬في‮ ‬العلاقة بين الإسلام والإيمان‮ .

‬ الفصل الثاني‮ :
 ‬كيفية ثبوت عقد الإسلام للشخص المعيَّن وفيه مبحثان‮ :‬ المبحث الأول‮ : ‬في‮ ‬أهمية معرفة الخصال التي‮ ‬يثبت بها عقد الإسلام‮ .‬ المبحث الثاني‮ : ‬في‮ ‬الخصال التي‮ ‬يثبت بها عقد الإسلام‮ .‬
 توطئــــــــــــة‮ :
‬ قبل أن نعرِّف الإسلام لغةً‮ ‬وشرعاً‮ ‬،‮ ‬نُذكِّر أنفسنا وسائر المسلمين بنعمة الله الكبرى بأن هدانا للإسلام‮ ‬،‮ ‬وهو الدين الحق الذي‮ ‬قضى الله ببقائه إلى قرب قيام الساعة‮ ‬،‮ ‬وأن نقوم بشكر هذه النعمة بالقلب واللسان والجوارح‮ ‬،‮ ‬علماً‮ ‬وعملاً‮ ‬،‮ ‬ودعوةً‮ ‬وصبراً‮ ‬،‮ ‬ولا‮ ‬يجمُل بنا‮ - ‬نحن المسلمين‮ - ‬أن‮ ‬يكون‮ ‬غيرنا أعلم بديننا منَّا‮ ‬،‮ ‬فعن طارق بن شهاب عن عمر بن الخطاب رضي‮ ‬الله عنه‮ ‬،‮ ‬أنَّ‮ ‬رجلاً‮ ‬من اليهود قال له‮ : ‬يا أمير المؤمنين‮ : ‬آية في‮ ‬كتابكم تقرؤونها لو عليناـ معشر اليهود ـ نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيداً‮ ‬،‮ ‬قال‮ : ‬أي‮ ‬آية ؟ قال‮ : } ‬اليوم أكلمت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي‮ ‬ورضيت لكم الإسلام ديناً‮ { ‬المائدة‮ : ‬3 ] , قال عمر‮ : ‬قد عرفنا ذلك اليوم والمكـان الذي‮ ‬نزلت فيه على النبي‮ ‬صلى الله عليه وسلم وهو قائم بعـرفة‮ ‬يوم جمعة‮ ) ‬, أي‮ : ‬وكلاهما بحمد الله لنا عيـدٌ‮ ‬ـ كما جاء في‮ ‬رواية‮ .‬

وإنَّ‮ ‬من أعظم الشكر لهذه النعمة أن نقوم بحقها ونؤدي‮ ‬الأمانة التي‮ ‬ورثناها ـ نحن المسلمين ـ وذلك بتبليغها للآخَرِ‮ ‬ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حيي‮ ‬عن بينة‮ ‬،‮ ‬وليخرج المسلمون من عهدتها‮ . ‬إنَّ‮ ‬الله سبحانه وتعالى عندما افترض على العباد عبادته وتوحيده والدخول في‮ ‬دين الإسلام لم‮ ‬يفعل ذلك لحاجته إليهم أو إلى عبادتهم ـ تعالى الله عن ذلك علواً‮ ‬كبيراً‮ ‬ـ وإنما هم الفقراء إليه المحتاجون إلى رحمته وهدايته قال تعالى‮ : } ‬وما خلقت الجنَّ‮ ‬والإنس إلاَّ‮ ‬ليعبدون‮ * ‬ما أريد منهم من رزق وما أريد أن‮ ‬يطعمون‮ * ‬إنَّ‮ ‬الله هو الرزاق ذو القوة المتين‮ { ‬الذاريات‮ : ‬56-58 ] , وقال تعالى‮ : } ‬يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى اللهِ‮ ‬واللهُ‮ ‬هو الغني‮ ‬الحميد‮ { ‬فاطر‮ : ‬15 ] , ومن نظر في‮ ‬حال الأمم والشعوب المعرضة عن دين الإسلام نظرةً‮ ‬متأنيةً‮ ‬عميقةً‮ ‬حكيمةً‮ ‬،‮ ‬غير مغترٍّ‮ ‬ببهرج ظاهر أو زخرف باطل‮ ‬،‮ ‬عرف شدة حاجة البشرية اليوم إلى هذا الدين الذي‮ ‬تنكشف ـ‮ ‬يوماً‮ ‬بعد‮ ‬يومٍ‮ ‬ـ للناس آياته في‮ ‬الأنفس والآفاق مصداقاً‮ ‬لقوله تعالى‮ : } ‬سنريهم آياتنا في‮ ‬الآفاق وفي‮ ‬أنفسهم حتى‮ ‬يتبين لهم أنَّه الحق أو لم‮ ‬يكف بربك أنَّه على كل شيء شهيد‮ { ‬فصلت‮ : ‬53 ] يقول الشيخ الصـادق الغرياني‮ : ( ‬لا شك أنَّ‮ ‬الإسلام هو الدين الحق‮ ‬،‮ ‬لأنَّه الدين الذي‮ ‬رضيه الله تعالى لهذه الأمة‮ ‬،‮ ‬ونسخ به جميع الشرائع السماوية قال تعالى‮ : } ‬اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي‮ ‬ورضيت لكم الإسلام ديناً‮ { ‬المائدة‮ : ‬3 ] , وهو الدين الذي‮ ‬يقـوم على عبادة إله الكون الذي‮ ‬لا شريك له‮ ‬،‮ ‬المهيمن على كل شيء‮ ‬،‮ ‬الذي‮ ‬وسع علمه كل شيء وأحاطت قدرته بكل الكائنـات‮ ‬،‮ ‬فكل موجود بأمره‮ ‬،‮ ‬وكل نعمة على الناس هي‮ ‬من عنده‮ ‬،‮ ‬فكان لذلك مستحقاً‮ ‬للعبادة لذاته‮ ‬،‮ ‬وهي‮ ‬حقه على عباده‮ ‬،‮ ‬يعبدونه لا‮ ‬يشركون به شيئاً‮ ‬،‮ ‬ولمَّا كان الدين الإسلامي‮ ‬خاتم الأديان السماوية وآخرها‮ ‬،‮ ‬وكان ديناً‮ ‬للناس كافة على مختلف أجناسهم وألوانهم وعصورهم‮ ‬،‮ ‬أحكم الله تعالى شريعته على لسان نبيه محمَّد صلى الله عليه وسلم وجعلـها صالحة لكل زمان ومكان إلى قيام الساعة‮ ‬،‮ ‬دستورها كلام الله تعالى الذي‮ ‬لا‮ ‬يأتيه الباطل من بين‮ ‬يديه ولا من خلفه‮ ‬،‮ ‬وهدي‮ ‬نبيه محمَّد صلى الله عليه وسلم المؤيد بالوحي‮ ‬, فكان في‮ ‬هذا الدستور شفاء الصدور‮ ‬, فيه العقيدة الصحيحة‮ ‬, والعبادة المثلى‮ ‬،‮ ‬والسلوك القويم‮ .‬ كان شريعةً‮ ‬في‮ ‬جانبها الاعتقادي‮ ‬تقوم على الإيمان بالله الذي‮ ‬يملأ النفس البشرية ثقةً‮ ‬وقوةً‮ ‬واعتزازًا بالله وحده‮ ‬،‮ ‬ويحررها تحريرًا كاملاً‮ ‬من التبعية لغيره‮ ‬،‮ ‬فلا عبودية إلاَّ‮ ‬لله وحده‮ ‬،‮ ‬وبذلك تتوجه التوجيه النافع في‮ ‬الحياة الذي‮ ‬يحملها على التضحية وتحقيق أسمى الأهداف وأنبل الغايات‮ .‬ وفي‮ ‬جانبها التعبدي‮ ‬،‮ ‬تمثل هذه الشرعة منهج الإخلاص التي‮ ‬تنعكس آثاره على الإنسان شعورًا بالمسؤولية واستقامة وصلاح نفس‮ ‬،‮ ‬وفي‮ ‬جانبها السلوكي‮ ‬تعطي‮ ‬المثل الرائع في‮ ‬حسن التعامل والإنصاف والوفاء بالذمم‮ ‬،‮ ‬والعدل بين الناس‮ ‬،‮ ‬وهذه الخصال التي‮ ‬هي‮ ‬جماع الإيمان‮ ‬،‮ ‬ما اجتمعت في‮ ‬أمة إلاَّ‮ ‬جمعت الخير من أطرافه وكان لأهلها شأن عند الله وعند الناس‮ ‬،‮ ‬وكان لهم التمكين والفلاح‮ ‬،‮ ‬قال تعالى‮ : } ‬وَعَد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في‮ ‬الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكِّننَّ‮ ‬لهم دينهم الذي‮ ‬ارتضى لهم وليبدِّلنهم من بعد خوفهم أمناً‮ ‬يعبدونني‮ ‬لا‮ ‬يشركون بي‮ ‬شيئاً‮ { ‬النور‮ : ‬55 ] .

المبحث الأول‮ :
 ‬في‮ ‬معنى الإسلام لغةً‮ ‬واصطلاحاً‮ : ‬ الإسلام في‮ ‬اللغة‮ : ( ‬الاستسلام والانقياد‮ ) ‬،‮ ‬وأسلم الرجـل انقاد‮ ‬،‮ ‬وفي‮ ‬حديث البراء رضي‮ ‬الله عنه‮ : (‬أسلمت نفسي‮ ‬إليك‮ ) ‬, ( أي‮ ‬استسلمت وانقـدت‮ ) ‬, ( وأسلم‮ : ‬دخـل في‮ ‬دين الإسـلام‮ ‬،‮ ‬وأسلم‮ : ‬دخل في‮ ‬السلم‮ ...‬واستسلم انقاد‮ ) .‬ وأمَّا في‮ ‬الاصطلاح الشرعي‮ : ‬فهو الاستسلام لأمر الله تعالى‮ ‬،‮ ‬وهو الانقيـاد لطاعته والقبول لأمره‮ ‬،‮ ‬فيطلق الإسلام في‮ ‬الاصطـلاح ويراد به الدخـول في‮ ‬دين الإسـلام الذي‮ ‬جاء به نبينـا محمَّد صلى الله عليه وسلم‮ ‬،‮ ‬كما‮ ‬يطلـق ويراد به إفـراد الله عزَّ‮ ‬وجلَّ‮ ‬بالعبـادة‮ ‬،‮ ‬وبهذا المعنى الثاني‮ ‬،‮ ‬يكـون الإسـلام دين الأنبياء جميعاً‮ ‬كما قال تعالى عن خليله إبراهيم على نبينا وعليـه السلام‮ : } ‬إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمـين‮ { ‬البقرة‮ : ‬131 ] , وقال سبحانه على لسان إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام‮ : } ‬ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمـة مسلمة لك‮ { ‬ [ البقرة‮ : ‬128 ] , وقال تعالى‮ : } ‬ووصَّى بها إبراهيم بنيه ويعقوبُ‮ ‬يا بني‮ ‬إنَّ‮ ‬الله اصطفى لكم الدين فلا تموتنَّ‮ ‬إلاَّ‮ ‬وأنتم مسلمون‮ { ‬البقرة‮ : ‬132 ] ? وقـال تعالى‮ : } ‬أم كنتم شهداء إذ حضر‮ ‬يعقـوبَ‮ ‬الموتُ‮ ‬إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعـدي‮ ‬قالوا نعبد إلهـك وإله آبائك إبراهيـم وإسمـاعيل وإسحـاق إلهاً‮ ‬واحـداً‮ ‬ونحن له مسلمـون‮ { ‬البقرة‮ : ‬133 ] , قـال ابن كثير رحمـه الله‮ : ( ‬أي‮ ‬مطيعـون خاضعـون كمـا قـال تعالى‮ : } ‬وله أسلـم من في‮ ‬السمـاوات والأرض طوعـاً‮ ‬وكرهـاً‮ ‬وإليه‮ ‬يرجعـون‮ { ‬آل عمران‮ : ‬33 ] , الإسلام هو ملة الأنبياء قاطبة وإن تنوعت شرائعهم واختلفت مناهجهم‮ ‬،‮ ‬كما قال تعالى‮ : } ‬وما أرسلنا من قبلك من رسول إلاَّ‮ ‬نوحي‮ ‬إليه أنه لا إله إلاَّ‮ ‬أنا فاعبدون‮ { ‬الأنبياء‮ : ‬25 ] , والآيات في‮ ‬هذا كثيرة‮ ‬،‮ ‬أما الأحاديث فمنها قوله صلى الله عليه وسلم‮ : " ‬نحن معشر الأنبياء أولاد علاَّت ديننا واحد‮" ) ‬،‮ ‬والحديث المذكور هو في‮ ‬الصحيح عن أبي‮ ‬هريرة‮ .

‬ إيضاح حول‮ :
 ‬الحقيقة الشرعية وعلاقتها بالحقيقة اللغوية‮ :‬ وقبل أن نغادر هذا المبحث نود أن نبين معنى الحقيقة الشرعية وعلاقتها بالحقيقة اللغوية لأننا نحتاج هذا البيان أيضاً‮ ‬فيما‮ ‬يأتي‮ ‬،‮ ‬فنقول‮ : ‬تقرر في‮ ‬علم الأصول أنَّ‮ ‬الحقيقة الشرعية هي‮ : ‬ما نقله الشارع عما وضع له في‮ ‬اللغة إلى معنى آخر‮ ‬, فالصلاة ـ على سبيل المثال ـ في‮ ‬اللغة هي‮ ‬الدعاء‮ ‬, قال الأعشى‮ :
 ‬ تقولُ‮ ‬بنتي‮ ‬وقـدْ‮ ‬قرَّبْتُ‮ ‬مرتحــلاً يا ربُّ‮ ‬جَنِّبْ‮ ‬أبي‮ ‬الأوْصَابَ‮ ‬والوَجَعَا عليْكِ‮ ‬مثل الذي‮ ‬صليْتِ‮ ‬فاغتمضي نوماً‮ ‬فإنَّ‮ ‬لجنْبِ‮ ‬المـرْءِ‮ ‬مضْطجَـعَا والصوم في‮ ‬اللغة هو الإمساك‮ ‬, قال النابغة‮ : ‬ خيلٌ‮ ‬صِيـامٌ‮ ‬وخيـلٌ‮ ‬غيرُ‮ ‬صائمـةٍ‮ ‬ تحْتَ‮ ‬العَجاجِ‮ ‬وأخرى تعلُكُ‮ ‬اللُّجُمَا

أي‮ ‬خيلٌ‮ ‬ممسكة عن الصهيل وأخرى تصهل‮ ‬،‮ ‬ثم إنَّ‮ ‬الشارع نقل لفظ الصـلاة من معناه اللغـوي‮ ( ‬الدعاء‮ ) ‬إلى معنى شرعي‮ ‬هو‮ ( ‬أفعال مخصوصة ذات شروط وأركان‮ ) ‬, وكذلك نقل لفظ الصيام من معناه اللغوي‮ ( ‬الإمساك‮ ) ‬إلى معنى شرعي‮ ‬وهو‮ ( ‬الإمساك عن المفطرات من طلوع الفجر الصادق إلى‮ ‬غروب الشمس بِنِيّة‮ ) ‬،‮ ‬وقيل‮ : ‬لم‮ ‬ينقل معانيها اللغوية‮ ‬،‮ ‬وإنما أبقاها وزاد فيها شروطاً‮ ‬،‮ ‬وعلى كلا القولين‮ ‬, إن صدرت الألفاظ عن الشارع فإنها تحمل على حقيقتها الشرعية إلاَّ‮ ‬أن‮ ‬يعلم بنص أو قرينة أنَّ‮ ‬المراد بها الموضوع اللغوي‮ . ‬قال في‮ ‬مراقي‮ ‬السعود‮ :‬

 واللفظُ‮ ‬محمولٌ‮ ‬على الشرعيِّ
فاللغَوِي‮ ‬على الجَلِي‮ ......‬
إن لم‮ ‬يكن فمطلقُ‮ ‬العُـرْفيِّ
 ........................ إلخ
 
المبحث الثاني‮ : ‬العلاقة بين الإسلام والإيمان‮ :‬
 اختلف الأئمة رحمهم الله في‮ ‬العلاقة بين الإسلام والإيمان‮ : ‬هل هما شيء واحد أم هما متغايران ؟ فحكى المزني‮ ‬عن الشافعي‮ ‬أنهما شيء واحد‮ ‬،‮ ‬وبه قال المزني‮ ‬والبخاري‮ ‬, فقد بوَّب في‮ ‬كتاب الإيمان من صحيحه باب إذا لم‮ ‬يكن الإسلام على الحقيقة وكان على الاستسلام أو الخوف من القتل لقوله تعالى‮ : } ‬قالت الأعراب آمنَّا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا‮ { ‬الحجرات‮ : ‬14 ] , فإذا كان على الحقيقة فهو على قولـه جلَّ‮ ‬ذكره‮ : } ‬إنَّ‮ ‬الدين عند الله الإسلام‮ { ‬ [ آل عمران‮ : ‬19 ] , ثم روى بإسناده عن سعد رضي‮ ‬الله عنه‮ ‬،‮ ‬أنَّ‮ ‬رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطى رهطاً‮ ‬وسعـد جالس فترك رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً‮ ‬هو أعجبهم إليَّ‮ ‬فقلت‮ : ‬يا رسول الله مالك عن فـلان فوالله إني‮ ‬لأراه مؤمناً‮ ‬فقال‮ : ‬أو مسلماً‮ ‬, فسكتُّ‮ ‬قليلاً‮ ‬ثم‮ ‬غلبني‮ ‬ما أعلم منه فعدت لمقالتي‮ ‬فقلت‮ : ‬مالك عن فلان فوالله إني‮ ‬لأراه مؤمناً‮ ‬فقال‮ : ‬أو مسلماً‮ ‬, فسكتُّ‮ ‬قليلاً‮ ‬ثم‮ ‬غلبني‮ ‬ما أعلم منه فعدت لمقالتي‮ ‬وعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم‮ ‬, ثم قال‮ ‬يا سعد إني‮ ‬لأعطي‮ ‬الرجل وغيره أحب إليَّ‮ ‬منه خشية أن‮ ‬يَكُـبَّه الله في‮ ‬النار‮ .‬ قال الحافظ بن حجر رحمه الله تعالى تعليقاً‮ ‬على تبويب‮ ( ‬إذا لم‮ ‬يكن الإسلام‮ ...) ‬ومحصَّل ما ذكره واستدل به‮ ‬،‮ ‬أنَّ‮ ‬الإسلام‮ ‬يطلق ويراد به الحقيقة الشرعية وهو الذي‮ ‬يرادف الإيمان وينفع عند الله وعليه قوله تعالى‮ : } ‬إنَّ‮ ‬الدين عند الله الإسلام‮ { ‬آل عمران‮ : ‬19 ] ? وقوله تعالى‮ : } ‬فما وجدنا فيها‮ ‬غير بيت من المسلمين‮ { ‬الذاريات‮ : ‬36 ] , ويطلق ويراد به الحقيقة اللغوية وهو مجرد الانقياد والاستسلام‮ ‬, فالحقيقة في‮ ‬كلام المصنف هنا هي‮ ‬الشرعية‮ ‬،‮ ‬ومناسبة الحديث للترجمة ظاهرة من حيث أنَّ‮ ‬المسلم‮ ‬يطلق على من أظهر الإسلام وإن لم‮ ‬يعلم باطنه فلا‮ ‬يكون مؤمناً‮ ‬،‮ ‬لأنَّه ممن تصدق عليه الحقيقة الشرعية وأمَّا اللغوية فحاصلة‮ ‬, وعن حديث سعد ابن أبي‮ ‬وقاص رضي‮ ‬الله عنه‮ ‬, قال الحافظ‮ : ( ‬وفي‮ ‬رواية عبد الرزاق عن معمر من الزيادة‮ : ‬قال الزهري‮ : ‬فنرى أنَّ‮ ‬الإسلام الكلمة والإيمان العمل‮ ‬،‮ ‬وقد استشكل هذا بالنظر إلى حديث سؤال جبريل‮ ‬, فإنَّ‮ ‬ظاهره‮ ‬يخالفه ويمكن أن‮ ‬يكون مراد الزهري‮ ‬أنَّ‮ ‬المرء‮ ‬يحكم بإسلامه ويسمى مسلماً‮ ‬إذا تلفظ بالكلمة أي‮ ‬كلمة الشهادة وأنه لا‮ ‬يسمى مؤمناً‮ ‬إلاَّ‮ ‬بالعمل والعمل‮ ‬يشمل عمل القلب والجوارح وعمل الجوارح‮ ‬يدل على صدقه‮ ‬،‮ ‬وأما الإسلام المذكور في‮ ‬حديث جبريل فهو الشرعي‮ ‬الكامل المراد بقوله تعالى‮ : ‬ } ومن‮ ‬يبتغ‮ ‬غير الإسلام ديناً‮ ‬فلن‮ ‬يقبل منه‮ { ‬آل عمران‮ : ‬85 ].

 والمقصود أنَّ‮ ‬البخاري‮ ‬ومن‮ ‬يوافقه‮ ‬يجعلون الإسلام المذكور في‮ ‬قوله تعالى‮ : } ‬قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا‮ ‬ أسلمنا‮ { ‬الحجرات‮ : ‬14 ] هو الإسلام بالمعنى اللغوي‮ ‬لا الشرعي‮ ‬بخلاف قوله تعالى‮ : } ‬إنَّ‮ ‬الدين عند الله الإسلام‮ { ‬آل عمران‮ : ‬19 ] فإنه على المعنى الشرعي‮ ‬كما‮ ‬يستدلون‮ ‬ بقوله تعالى‮ : } ‬فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين‮ * ‬فما وجدنا فيها‮ ‬غير بيت‮ ‬ من المسلمين‮ { ‬الذاريات‮ : ‬35 ـ‮ ‬36 ] قال ابن عبد البر‮ : ( ‬أكثر أصحاب مالك على أنَّ‮ ‬الإسلام والإيمان شيء واحد‮ ‬،‮ ‬وهو قول جمهور أصحابنا وغيرهم من المالكيين والشافعيين‮ ‬،‮ ‬وهو قول داود وأصحابه وأكثر أهل السنة والنظر‮ ‬،‮ ‬المتبعين للسلف والأثر‮ ‬،‮ ‬قال الله تعالى‮ : } ‬فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين فما وجدنا فيها‮ ‬غير بيت من المسلمين‮ { ‬،‮ ‬أي‮ ‬غير بيت مسلم من المؤمنين فسوّى بين الإيمان والإسلام‮ ‬،‮ ‬وقال تعالى‮ : } ‬إنَّ‮ ‬الدين عند الله الإسلام‮ { ‬ [ آل عمران‮ : ‬19 ] , وذهب الإمام أحمد والخطابي‮ ‬وابن تيمية وابن رجب وغيرهم إلى أنَّ‮ ‬بينهما عموماً‮ ‬وخصوصاً‮ ‬،‮ ‬فكل مؤمن مسلم وليس كل مسلم مؤمناً‮ ‬،‮ ‬وجعلوا الإسلام في‮ ‬آية الأعراب السابقة هو الإسلام الشرعي‮ ‬لا اللغوي‮ ‬،‮ ‬وهو أقل رتبة من منزلة الإيمان‮ ‬،‮ ‬ولم‮ ‬يرتضوا الاستدلال بقولـه تعالى‮ : } ‬فأخرجنا من كان فيهـا من المؤمنين فما وجدنا فيهـا‮ ‬غير بيت من المسلمين‮ {‬ [ الذاريات‮ : ‬35- 36 ] قالـوا‮ : ( ‬لأنَّ‮ ‬البيت المُخرَج كانوا متصفين بالإسلام والإيمان‮ ‬, ولا‮ ‬يلزم من الاتصاف بهما ترادفهما‮ ) ‬, قال الحافظ ابن حجر شارحـاً‮ ‬تبويب البخاري‮ ‬بـاب‮ : ‬سؤال جبريل النبي‮ ‬صلى الله عليه وسلم عن الإيمان والإسلام والإحسان وعلـم الساعة وبيـان النبي‮ ‬صلى الله عليه وسلم‮ ‬،‮ ‬ثم قال‮ : ‬جـاء جبريل‮ ‬يعلمكم دينكـم‮ ‬،‮ ‬وما بيّن النبي‮ ‬صلى الله عليه وسلم لوفد عبد القيس من الإيمان فجعل ذلك كله ديناً‮ ‬،‮ ‬وقوله تعالى‮ : } ‬ومن‮ ‬يبتغ‮ ‬غير الإسلام ديناً‮ ‬فلن‮ ‬يقبل منه‮ { ‬،‮ ‬تقدم أنَّ‮ ‬المصنف‮ "‬البخاري‮" ‬يرى أنَّ‮ ‬الإيمان والإسلام عبارة عن معنى واحد‮ ‬, فلمَّا كان ظاهر سؤال جبريل عن الإيمان والإسلام وجوابه‮ ‬يقتضي‮ ‬تغايرهما‮ ‬،‮ ‬وأنَّ‮ ‬الإيمان تصديق بأمور مخصوصة والإسلام إظهار أعمال مخصوصة‮ ‬, أراد أن‮ ‬يرد ذلك بالتأويل إلى طريقته‮ ‬،‮ ‬قولـه‮ ( ‬وبيان‮ ) ‬أي‮ ‬بيان أنَّ‮ ‬الاعتقاد والعمل دين‮ ‬, وقوله‮ ( ‬وما بَيَّن‮ ) ‬أي‮ ‬مع ما بَيَّن للوفد أنَّ‮ ‬الإيمان هو الإسلام‮ ‬،‮ ‬حيث فسره في‮ ‬قصتهم بما فسر به الإسلام هنا‮ ‬, وقوله‮ ( ‬وقول الله‮ ) ‬مع ما دلت عليه الآية أنَّ‮ ‬الإسلام هو الدين‮ ‬, ودلَّ‮ ‬عليه خبر أبي‮ ‬سفيان أنَّ‮ ‬الإيمان هو الدين‮ ‬, فاقتضى ذلك أنَّ‮ ‬الإسلام والإيمان أمر واحد‮ ‬،‮ ‬هذا محصل كلامه‮ .

 ‬وقد نقل أبو عوانة الاسفراييني‮ ‬في‮ ‬صحيحه عن المزني‮ ‬صاحب الشافعي‮ ‬الجزم بأنهما عبارة عن معنى واحد‮ ‬, وأنه سمع ذلك منه‮ ‬, وعن الإمام أحمد الجزم بتغايرهما‮ ‬, ولكل من القولين أدلة متعارضة‮ ‬, وقـال الخطابي‮ : ( ‬صنَّف في‮ ‬المسألة إمامان كبيران‮ ‬, وأكثرا من الأدلة للقولين وتباينا في‮ ‬ذلك‮ ‬, والحق أنَّ‮ ‬بينهما عموماً‮ ‬وخصوصاً‮ ‬فكل مؤمن مسلم‮ ‬, وليس كل مسلم مؤمناً‮ ) ‬, ثم جمع الحافظ بين القولين بنوع من الجمع فقال‮ : ( ‬والذي‮ ‬يظهر من مجموع الأدلة أنَّ‮ ‬لكل منهما حقيقة شرعية كما أنَّ‮ ‬لكل منهما حقيقة لغوية لكن كل منهما مستلزم للآخر بمعنى التكميل له فكما أنَّ‮ ‬العامل لا‮ ‬يكون مسلماً‮ ‬كاملاً‮ ‬إلاَّ‮ ‬إذا اعتقد‮ ‬،‮ ‬فكذلك المعتقد لا‮ ‬يكون مؤمناً‮ ‬كاملاً‮ ‬إلاَّ‮ ‬إذا عمل‮ ‬،‮ ‬وحيث‮ ‬يطلق الإيمان في‮ ‬موضع الإسلام أو العكس أو‮ ‬يطلق أحدهما على إرادتهما معاً‮ ‬فهو على سبيل المجاز ويتبين المراد بالسياق فإن وردا معاً‮ ‬في‮ ‬مقام السؤال حمُلا على الحقيقة وإن لم‮ ‬يردا معاً‮ ‬،‮ ‬أو لم‮ ‬يكن في‮ ‬السؤال أمكن الحمل على الحقيقة أو المجاز بحسب ما‮ ‬يظهر من قرائن وقد حكى ذلك الإسماعيلي‮ ‬عن أهل السنة والجماعة قالوا‮ : ‬إنهما تختلف دلالتهما بالاقتران فإن أُفرد أحدهما دخل الآخر فيه وعلى ذلك‮ ‬يحمل ما حكاه محمَّد بن نصر وتبعه ابن عبد البر عن الأكثر أنهم سووا بينهما على ما في‮ ‬حديث عبد القيس وما حكاه اللالكائي‮ ‬وابن السمعاني‮ ‬عن أهل السنة أنهم فرقوا بينهما على ما في‮ ‬حديث جبريل‮ ) ‬،‮ ‬وعلى أية حال فهذا الخلاف بين أهل السنة لا‮ ‬يترتب عليه كبير أمر‮ ‬،‮ ‬ولذلك لم‮ ‬يجعله أهل العلم من الثوابت التي‮ ‬لا‮ ‬يجوز فيها الاختلاف‮ ‬،‮ ‬والذي‮ ‬يهم المسلم الذي‮ ‬يريد النجاة‮ ‬يوم القيامة هو أن‮ ‬يعلم أنه مطالب بمرتبتي‮ ‬الإسلام والإيمان‮ ( ‬لاسيما أركانه وواجباته‮ ) ‬،‮ ‬قال الشيخ الصادق الغرياني‮ : ( ‬الإيمان والإسلام المنجيان عند الله تعالى‮ ‬يوم القيامة‮ ‬يردان في‮ ‬الشرع على شيء واحد‮ ‬،‮ ‬وهو الاستسلام لله تعالى‮ ‬،‮ ‬والخضوع له‮ ‬،‮ ‬والطاعة لأمره‮ ‬،‮ ‬وإن كان أحدهما‮ ‬،‮ ‬وهو الإيمان أدخل في‮ ‬عمل القلب‮ ‬،‮ ‬والآخر‮ ‬،‮ ‬وهو الإسلام أدخل في‮ ‬النطق والعمل بالجوارح‮ ‬،‮ ‬فليس هناك إيمان منجٍ‮ ‬لصاحبه في‮ ‬الآخرة من‮ ‬غير إسلام‮ ‬،‮ ‬ولا إسلام منجٍ‮ ‬من‮ ‬غير الإيمان‮ ‬،‮ ‬فهمـا متلازمان‮ ‬،‮ ‬هما كشجرة‮ ‬،‮ ‬الإيمان في‮ ‬القلب جذورها‮ ‬،‮ ‬والإسلام في‮ ‬الخارج فروعها‮ ‬،‮ ‬فالجذور والفروع كلاهما جزءان لشيء واحد‮ ‬،‮ ‬لا‮ ‬يغني‮ ‬واحدٌ‮ ‬منهما عن‮ ‬غيره‮ ) .‬

 وقال الشيخ محمَّد خليل هراس‮ : ( ‬الإيمان والإسلام الشرعيان متلازمان في‮ ‬الوجود‮ ‬،‮ ‬فلا‮ ‬يوجد أحدهما بدون الآخر‮ ‬،‮ ‬بل كلما وجد إيمان صحيح معتد به‮ ‬،‮ ‬وجد معه إسلام‮ ‬،‮ ‬وكذلك العكس‮ ‬،‮ ‬ولهذا قد‮ ‬يستغنى بذكر أحدهما عن الآخر‮ ‬،‮ ‬لأنَّ‮ ‬أحدهما إذا أفرد بالذكر‮ ‬،‮ ‬دخل فيه الآخر‮ ‬،‮ ‬وأما إذا ذكرا معاً‮ ‬مقترنين‮ ‬،‮ ‬أريد بالإيمان التصديق والاعتقاد‮ ‬،‮ ‬وأريد بالإسلام الانقياد الظاهري‮ ‬من الإقرار باللسان وعمل الجوارح‮ ‬،‮ ‬ولكن هذا بالنسبة إلى مطلق الإيمان‮ ‬،‮ ‬أمَّا الإيمان المطلق فهو أخص مطلقاً‮ ‬من الإسلام وقد‮ ‬يوجد الإسلام بدونه‮ ‬،‮ ‬كما في‮ ‬قوله تعالى‮ : } ‬قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا‮ { ‬الحجرات‮ : ‬14 ] فأخبر بإسلامهم مع نفي‮ ‬الإيمان عنهـم‮ ( ‬أي‮ : ‬الإيمان المطلق‮ ) ‬،‮ ‬وفي‮ ‬حديث جبريل ذكر المراتب الثلاث‮ : ‬الإسلام‮ ‬،‮ ‬الإيمان‮ ‬،‮ ‬الإحسان‮ ‬،‮ ‬فدلَّ‮ ‬على أنَّ‮ ‬كلاً‮ ‬منها أخص مما قبله‮ ) .‬ ولابدَّ‮ ‬من التنبيه هنا على أنَّ‮ ‬القائلين بأنَّ‮ ‬الإسلام والإيمان مختلفان في‮ ‬المعنى وأنه ليس كل مسلم مؤمناً‮ ‬،‮ ‬لا‮ ‬يعنون إخراج بعض المسلمين من دائرة الإسلام إلى الكفر‮ ‬،‮ ‬وإنما‮ ‬يعنون أنَّ‮ ‬الدين على ثلاث مراتب أدناها الإسلام ثمَّ‮ ‬الإيمان ثمَّ‮ ‬الإحسان‮ ‬،‮ ‬ويقولون إنَّ‮ ‬هذا مطابق للتقسيم القرآني‮ ‬لطبقات المسلمين وهو الظالم لنفسه ثم المقتصد ثم السابق بالخيرات‮ ‬،‮ ‬ويقولون إنَّ‮ ‬قول النبي‮ ‬صلى الله عليه وسلم‮ : ( ‬لا‮ ‬يزني‮ ‬الزاني‮ ‬حين‮ ‬يزني‮ ‬وهو مؤمن‮) ‬،‮ ‬إنه خرج من دائرة الإيمان وبقي‮ ‬في‮ ‬دائرة الإسلام و‮ ‬يزيدونها إيضاحاً‮ ‬برسمهم ثلاث دوائر متداخلة‮ ‬،‮ ‬وكل هذا حرص منهم ـ رحمهم الله ـ على تنقية العقيدة من شوائب البدع المخالفة‮ ‬،‮ ‬كالخوارج والمعتزلة‮ ‬،‮ ‬الذين‮ ‬يقولون بأنَّ‮ ‬أصحاب الذنوب الكبائر خالدون في‮ ‬النار وأنهم كفار كما تقوله الخوارج أو في‮ ‬منزلة بين الإسلام والكفر كما تقوله المعتزلة‮ .‬

 الفصل الثاني‮ : ‬كيف‮ ‬يثبت عقد الإسلام للشخص المعين ؟
المبحث الأول‮ : ‬في‮ ‬أهمية معرفة كيف‮ ‬يثبت عقد الإسلام للمعين‮ .‬

أولاً‮ : ‬ذكرنا في‮ ‬الفصل الأول من هذا الباب أنَّ‮ ‬أمة الإسلام قد حُمّلت بعد نبيها أمانة عظيمة وهي‮ ‬حمل هذه الرسالة إلى الناس كافة‮ ‬, لأنها أمة أُخرجت للناس لهدايتهم إلى الله تعالى ودعوتهم إلى الدخول في‮ ‬هذا الدين‮ ‬, قال تعالى‮ : } ‬كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله‮ { ‬آل عمران‮ : ‬110 ] , وهذا وإن كان في‮ ‬الأصل واجباً‮ ‬كفائياً‮ ‬على المسلمين إلاَّ‮ ‬أنَّه واجب على كل فرد من الأمة بحسبه‮ ‬, ويعلم من هذا ضرورةً‮ ‬معرفة الخصال التي‮ ‬بها‮ ‬يصير المرء مسلماً‮ ‬والتي‮ ‬إذا وجدناها في‮ ‬الشخص المعين عاملناه معاملة المسلمين‮ ‬, وذلك حتى‮ ‬ينزل المسلم الدعوة منزلها فلا‮ ‬يدعو عصاة المسلمين أو جهلتهم بما‮ ‬يدعى به‮ ‬غير المسلم‮ ‬, ولا‮ ‬يدعوه بما به‮ ‬يدعى أولئك إذ أنَّ‮ ‬لكل مقام مقالاً‮ ) .

‬ ثانياً‮ : ‬أنَّ‮ ‬هذا الدين الشامل لكل ما به صلاح المسلم في‮ ‬دنياه وأخراه‮ ‬،‮ ‬قد نظَّم للمسلمين شؤون حياتهم فشرع لهم عبادات‮ ‬يعاملون بها ربهم وفاطرهم سبحانه وتعالى‮ ‬, كما شرع لهم ما‮ ‬ينظم أحكام المعاملات فيما بينهم من جهة‮ ‬،‮ ‬وأحكام المعاملات فيما بينهم وبين‮ ‬غيرهـم من جهة أخرى‮ ‬،‮ ‬فللأطعمة والأنكحة والمواريث والآنية والجنائز والأعياد وغيرها أحكام تخص المسلمين وأخرى تخص‮ ‬غيرهم‮ ‬،‮ ‬وتظهر أهمية معرفة ما‮ ‬يعتبر المرء به مسلماً‮ ‬, بصورة أوضح في‮ ‬بلاد الغرب إذا قُدَّر للمسلم أن‮ ‬يقيم فيها‮ ‬, وكذلك في‮ ‬البلاد التي‮ ‬يعيش فيها المسلمون جنباً‮ ‬إلى جنب مع‮ ‬غيرهم من أتباع الديانات المختلفة‮ .

‬ ثالثاً‮ : ‬إذا جهل المسلم مفاتيح الدخول في‮ ‬الإسلام أو الخصال التي‮ ‬يعتبر من أتى بها مسلماً‮ ‬لاسيما في‮ ‬البلدان المشار إليها آنفاً‮ ‬, فإنَّه مُعرَّضٌ‮ ‬للوقوع في‮ ‬إضاعة حقوق الأخوة الإسلامية التي‮ ‬شرعها الله لكل من أنتسب لهذا الدين‮ ‬, كتحريم دمائهم وأعراضهم وأموالهم‮ ‬،‮ ‬وجاء التحذير من إضاعتها في‮ ‬القرآن الكريم كقوله تعالى‮ : } ‬ولا تقتلوا أنفسكم‮ { ‬النساء‮ : ‬29 ] ? أي‮ : ‬لا‮ ‬يقتل أحدكم نفسه ولا‮ ‬يقتل أخاه المسلم‮ .‬ وقوله عزَّ‮ ‬وجلَّ‮ : } ‬يا أيها الذين آمنوا لا‮ ‬يسخر قومٌ‮ ‬من قوم عسى أن‮ ‬يكونوا خيراً‮ ‬منهم ولا نساءٌ‮ ‬من نساء عسى أن‮ ‬يكنّ‮ ‬خيراً‮ ‬منهنّ‮ ‬ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ومن لم‮ ‬يتب فأولئك هم الظالمون‮ * ‬يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً‮ ‬من الظنّ‮ ‬إنَّ‮ ‬بعض الظنّ‮ ‬إثم ولا تجسسوا ولا‮ ‬يغتب بعضكم بعضاً‮ ‬أيحب أحدكم أن‮ ‬يأكل لحم أخيه ميتاً‮ ‬فكرهتموه واتقوا الله إنَّ‮ ‬الله توابٌ‮ ‬رحيمٌ‮ { ‬الحجرات‮ : ‬11 – 12 ] ? والآيات والأحاديث في‮ ‬ذلك كثيرة مشهورة نكتفي‮ ‬بما ذكرنا منها‮ ‬, ومن الحقوق المهمة أيضاً‮ ‬والتي‮ ‬قد‮ ‬يغفل عنها مع أهميتها‮ : ‬حقوق المهتدين الجدد إلى هذا الدين من حيث تعلمهم أحكام الإسلام بالتدريج المناسب لظروفهم ونفسياتهم‮ ‬،‮ ‬فقد كان هدى النبي‮ ‬صلى الله عليه وسلم إذا أسلم رجل أو وفد‮ ‬،‮ ‬أمر بعض أصحابه أن‮ ‬يعلموه شرائع الإسلام‮ ‬،‮ ‬كما فعل مع وفد الحارث بن كعب حين قدموا عليه مسلمين‮ ‬, ( بعث إليهم بعد أن ولىََّ‮ ‬وفدهم عمرو بن حزم ليفقههم في‮ ‬الدين ويعلمهم السنة ومعالم الإسلام ويأخذ منهم صدقاتهم وكتب له كتاباً‮ ‬عهد إليه فيه عهده‮ ‬, وأمره فيه بأمره‮ : ( ‬بسم الله الرحمن الرحيم‮ ‬, هذا بيان من الله ورسوله صلى الله عليه وسلم‮ } ‬يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود‮ { ‬المائدة‮ : ‬1 ] ? عهدٌ‮ ‬من محمَّد رسول الله صلى الله عليه وسلم مع الذين اتقوا والذين هم محسنون‮ ‬, وأمره أن‮ ‬يأخذ بالحق كما أمره الله‮ ‬, وأن‮ ‬يبشر الناس بالخير‮ ‬, ويأمرهم به فيعلم الناس القرآن ويفقههم فيه وينهى الناس فلا‮ ‬يمس القرآن إنسان إلاَّ‮ ‬وهو طاهر ويخبر الناس بالذي‮ ‬لهم‮ ‬،‮ ‬والذي‮ ‬عليهم‮ ‬،‮ ‬ويلين للناس في‮ ‬الحق‮ ‬،‮ ‬ويشتد عليهم في‮ ‬الظلم فإنَّ‮ ‬الله كره الظلم ونهى عنه فقال‮ : } ‬ألا لعنة الله على الظالمين‮ { ‬هود‮ : ‬18 ] ? ويبشر الناس بالجنة وبعملها وينذر الناس النار وعملها‮ ‬،‮ ‬ويستألف الناس حتى‮ ‬يفقهوا في‮ ‬الدين‮ ... ‬إلى آخر الكتاب الذي‮ ‬ضَمَّنَه النبي‮ ‬صلى الله عليه وسلم أحكاماً‮ ‬كثيرة في‮ ‬الحج والعمرة والطهارة والصلاة والزكاة‮ ‬،‮ ‬أنواعها ومقاديرها‮ ‬،‮ ‬وحقوق الداخلين في‮ ‬الإسلام وغيرها‮ ) ‬،‮ ‬وقال ابن أبي‮ ‬العزّ‮ ‬الحنفي‮ : ( ‬دلَّ‮ ‬الكتاب والسنة على ظهور دين الإسلام أي‮ ‬وضوحه وسهولة تعلمه وأنه‮ ‬يتعلمه الوافد ثم‮ ‬يولى في‮ ‬وقته‮ ‬،‮ ‬واختلاف تعليم النبي‮ ‬صلى الله عليه وسلم بحسب من‮ ‬يتعلم‮ ‬،‮ ‬فإن كان بعيد الوطن كضمام بن ثعلبة النجدي‮ ‬رضي‮ ‬الله عنه ووفد عبد القيس علمه ما لم‮ ‬يسعهم جهله مع علمه أنَّ‮ ‬دينه سينشر في‮ ‬الآفاق ويرسل إليهم من‮ ‬يفقههم في‮ ‬سائر ما‮ ‬يحتاجون إليه‮ ‬،‮ ‬ومن كان قريب الوطن‮ ‬يمكنه الإتيان كل وقت بحيث‮ ‬يتعلم على التدريج أو كان قد علم فيه أنه قد عرف ما لا بد منه أجابه بحسب حاله وحاجته على ما تدل قرينة حال السائل كقوله‮ ( ‬قل آمنت بالله ثم استقم‮ ).

‬ الفصل الثاني‮ : ‬كيفية ثبوت عقد الإسلام للشخص المعين‮ :
‬ ذكر أهل العلم قديماً‮ ‬وحديثاً‮ ‬مستندين إلى الأدلة الشرعية‮ ‬،‮ ‬أنَّ‮ ‬هناك ثلاث خصال إذا تحقق شيء منها في‮ ‬المرء فإنه‮ ‬يثبت له عقد الإسلام ويعامل معاملة المسلمين‮ ‬،‮ ‬له ما لهم من الحقوق وعليه ما عليهم من الواجبات‮ ‬،‮ ‬وهي‮ ‬أمور ظاهرة‮ ‬يسهل معرفتها وتوافق سماحة الإسلام وتيسيره فلا‮ ‬يحتاج معها إلى امتحان الناس في‮ ‬عقائدهم‮ ‬،‮ ‬ولا‮ ‬يصح مع وجودها وثبوتها التوقف في‮ ‬إثبات الإسلام لمن أتى بشيء منها‮ ‬،‮ ‬ولا‮ ‬يجوز وضع شروط إضافية لم‮ ‬ينزل الله بها من سلطان‮ ‬،‮ ‬وقد روى الأئمة الستة من حديث عائشة رضي‮ ‬الله عنها أن النبي‮ ‬صلى الله عليه وسلم قال‮ : ( ‬ما بال أقوام‮ ‬يشترطون شروطاً‮ ‬ليست في‮ ‬كتاب الله ؟‮! ‬كل شرط ليس في‮ ‬كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط‮ ‬،‮ ‬قضاء الله أحق وشرط الله أوثق‮ ) ‬،‮ ‬وقد ذكر العلماء أنَّ‮ ‬التوقف المذكور أو امتحان ما بطن من عقائد الناس دون الاكتفاء بما ظهر منهم من البدع المخالفة لما كان عليه النبي‮ ‬صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام الذين عنهم‮ ‬يؤخذ الدين لا سيما في‮ ‬هذا الأمر الكبير‮ ‬،‮ ‬وثبوت عقد الإسلام بهذه الخصال قاعدة عامة‮ ‬،‮ ‬تصدق على الجميع حاكماً‮ ‬كان أو محكوماً‮ ‬صغيراً‮ ‬أو كبيراً‮ ‬عالماً‮ ‬أو جاهلاً‮ ‬شريفاً‮ ‬أو وضيعاً‮ ‬لا فرق في‮ ‬ذلك بين أحد منهم‮ .‬ وهذا الخصال الثلاث هي‮ :
 ‬ 1 ـ الكلمة ـ أي‮ ‬شهادة أن لا إله إلاَّ‮ ‬الله وأنَّ‮ ‬محمداً‮ ‬رسول الله أو ما‮ ‬يقوم مقامها‮.
 ‬ 2 ـ الدلالة‮ .‬
  3 ـ التبعية ـ للأبوين أو للدار‮. ‬ وسنبين ما‮ ‬يتعلق بكل منها من خلال المباحث الثلاثة‮ ‬القادمة‮ .

‬ يتبــــــــــــــــــــــــــــــــع

التعليقات (0)

أضف تعليق

هذا الموضوع تم اغلاقه. لايمكنك ان ترسل اي تعليقات..

busy
حاليا يتواجد 432 متصفح لموقع صحيفة أويا

تسجيل الدخول