
دراسات تصحيحية سؤال التغيير في القناعات الشرعية
إنَّ الحمد لله , نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا , من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له , وأشهد أن لا إله إلاَّ الله وحده لا شريك له وأشهد أنَّ محمداً عبده ورسوله , } يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتنَّ إلاَّ وأنتم مسلمون ( آل عمران : 102 ) يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساءً واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إنَّ الله كان عليكم رقيباً { [ النساء : 1 ] , } يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً يصلح لكم أعمالكـم ويغفر لكـم ذنوبكـم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيمـاً ) الأحزاب : 70-71
أمَّا بعد : فإنَّ أصدق الحديث كتابُ الله ، وخير الهدي هديُ محمَّد وشر الأمـور محدثاتها ، وكل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة ، وكل ضلالة في النار . فلقد أرسل الله إلى العالمين رسلاً مبشرين ومنذرين ، أناروا لهم الطريق وأوضحوا لهم السبيل , فأخبروهم بغاية خلقهم في هذه الدنيا ، وأنَّ الله عزَّ وجلَّ لم يخلقهم عبثاً ، ولم يتركهم هملاً , فما من نبي إلاَّ وقال لقومه : } يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره { الأعراف : 59 ] فهدى الله بهم أقواماً ، وشقي بتكذيبهم آخرون , وشاء الله أن يختم رسالاته إلى أهل الأرض بالنبي العربي محمَّد بن عبد الله فأرسله في أم القرى بوادٍ غير ذي زرعٍ عند بيته المحرم , استجابةً لدعوة أبويه إبراهيم وإسماعيل عليهما الصلاة والسلام حين قالا : } ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهـم الكتاب والحكمة ويزكيهـم إنَّك أنت العزيز الحكيـم { البقرة : 129 ] فجاءهم برسالة خاتمة للرسالات السـابقة , وبعثه إلى جميع الإنس والجنِّ بعد أن كانت الرسل تُبعث لأقوامها خاصة , قال تعالى : } قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكـم جميعاً { الأعراف : 158 ] وأنزل له شريعة محكمة لتكون هدايةً للبشرية إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها , وامتنّ الله عزَّ وجلَّ على عباده بأن أكمل لهـم هذا الدين الخاتـم , قال تعالى : } اليوم أكملت لكـم دينكـم وأتممت عليكـم نعمتي ورضيت لكـم الإسلام ديناً { المائدة : 3 ] , وأبلغهم بأنَّ كل دين سـواه لن يُقبل عند الله , فقـال عزَّ وجلَّ : } ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه { آل عمران : 85 ] , وأنه هو الدين المرضي والسبيل المنجية , قـال تعالى : } إنَّ الدين عند الله الإسلام { آل عمران : 19 ] , وكان طبيعياً أن يكون هذا الدين الذي أنزله الله رحمةً للعالمين مشتملاً على كل ما يصلح شؤونهم في دنياهم وآخرتهم كي لا تتفرق بهم السبل ، ولا تضيق بهم الحيل , فربطهم بربهم عزَّ وجلَّ في عقيدةٍ ناصعةٍ نقيةٍ عرَّفتهم بصفات ربهـم وأسمائه ، وبحقوقه عليهم وآلائه , وأظهرت لهم ما شاء الله من علوم الغيب , فعرَّفهم على مبدئهم ومنشئهم ، وعلى معادهم ومصيرهم ، وأوضح لهـم الغاية التي خُلقوا من أجلها , ووصف لهم حقيقة الحياة التي يعيشونها ، والكون الذي يقيمون فيه ، وكشف لهم كوامن نفوسهم وأسرارها , واشتمل على ما يحتاجون إليه في كل جوانب حياتهم الدينية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية والأخلاقية والتربوية والسلوكية , قال تعالى : } ونزَّلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء { النحل : 89 ] , فكان ديناً عظيماً ، عرف قدره الأولون فتمسكوا به ، وحرصوا على نشره في البشرية حاملين في قلوبهم الرحمة والشفقة على الناس ، وقد رأوهم تائهين في دياجير الظلام تتلاعب بهم الأهواء , ثم توارثته الأجيال المسلمة مستمسكةً به ، عاضةً عليه بنواجذها ، لم يخالجها شكٌ في صلاحيته لكل زمان ومكان , كيف وهي تؤمن بأنه من عند ربها العليـم الخبيـر } ألا يعلمُ من خلق وهو اللطيـف الخبير { الملك : 14 ] , وارتقت به تلك الأجيال إلى قمم سامقة ، بعد أن كانت أمة العرب نسياً منسياً ، فما كانت إلاَّ قبائل صغيرة في قلب الجزيرة العربية تمزقها الصراعات ، وتنشب بينها الحروب على الناقة , والبئر , والفرس , أو قبائل أخرى أعطت ولاءها لدولة الفرس أو إمبراطورية الروم ، فما لها معها من قرار ولا خيار , فلما حملت أمانة هذا الدين صار أهلها قادة للناس ، وأئمة للعالمين , واستمر الرقي بالمسلمين عصوراً ، فلمَّا غيّروا ما بأنفسهم ، وأهملوا أوامر ربهم ، غيَّر الله عزَّ وجلَّ أمورهم وأحوالهم , سنة الله التي لا تتبدل ، مصداقاً لقوله تعالى : } ذلك بأنَّ الله لم يكُ مغيراً نعمة أنعمها على قوم حتى يُغيّروا ما بأنفسهم وأنَّ الله سميع عليم { الأنفال : 53 ] , ولقد كان من قدر الأمة الإسلامية في قرونها المتأخرة أن تتعرض لمؤامرات عظيمة من طرف أعدائها من اليهود والنصارى ، وغيرهم من الأمم الذين اكتشفوا حقيقةَ قوةِ هذه الأمة وعرفوا طبيعةَ دينها الذي يسري إلى قلوب العالمين سرياناً بديعاً لأنه دين الفطرة , فما كان منهم إلاَّ أن كادوا له المكائد فاحتلّوا أرضه ، وسلبوا خيراته ودنّسوا مقدساته ، كي يبقى أهله تابعين لهم في كل شؤونهم ، فزرعوا بينهم الاختلاف والشقاق ، وحرموهـم من وسائل الرقي والتقدم ، وفرضوا عليهـم القيود والحصار , ولم يكن ذلك كله ليؤثّر في المسلمين لو أنهم كانوا متمسكين بدينهم حق التمسك ، ومتوكلين على ربهـم حق التوكل ، لأنَّ الله عزَّ وجـلَّ قـال : } وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئاً { آل عمران : 120 ]غير أنَّ حصون المسلمين كانت مهددةً من داخلـها بسبب الجهل بدينهـم , وإهمالهم أوامر ربهم ، وبتفرقهم وتشرذمهم ، فلما فعلوا ذلك وكلهم الله لأنفسهم ، فكان طبيعياً أن تكون هذه هي حالهم – إلاَّ من رحم الله .
ولا يختلف أبناء المسلمين اليوم ، في أنَّ نجاتهم وخروجهم من ضعفهم لن يكون إلاَّ بما ارتقى به أسلافهم ، أولئك الأقوام الذين فتحوا قلوب الناس قبل الأقطار , ونشروا المبادئ والقيم النبيلة في الأفاق , فما من مسلم يرى حال الضعف الذي أصاب الأمة والتأخر والتقهقر الذي عانت منه إلاَّ وأورثه ذلك حزناً وأرقاً ، وزرع بداخله الرغبة في النهوض بأمته , لذا حاول كثيرٌ من الغيورين والمتحمسين ، أن يساهموا بشكل أو بآخر في خدمة الدين والنهوض بالأمة , ولمَّا كانت جهودهم بشرية , واجتهاداتهم إنسانية , كان لابدَّ أن يشوبها الخلل ، ويعتريها النقص والزلل ، لأسباب كثيرة منها : غياب العلماء عن ساحة التوجيه , وحداثة التجارب , وقلة الخبرات ، إلى غير ذلك مما ذكرناه في ثنايا هذه الدراسة , هذا مع صدق النوايا ، وصفاء السرائر ، وحسن الرغبات , فكان لزاماً على من يظهر له شيء من ذلك القصور , وتتكشف له تلك الأخطاء من نفسه أو من غيره ، أن يبادر إلى إصلاحها وتقويمها بما يستطيع ، ابتغاءَ مرضاة الله تعالى , وحذراًَ من سؤاله وعقابه , ونصحاً للأمة ، وحرصاً على أبنائها ممن قد لا يدركون ما أدركه , أو لم يسلكوا ما سلكه , أو قصـرت تجاربهم عن تجاربه , فالمسلمون جسد واحد وأمة واحدة .
ولا يختلف المسلمون في القديم والحديث في أنَّ ثوابت دينهم لا تتغير ولا تتبدل ، ولا يشكون في صلاحيته لكل زمان ومكان ، وكذلك فإنهم لا يختلفون في أنَّ اجتهادات البشر في فهم هذا الدين يعتريها النقص والخطأ والتغيير , كما أنَّ تطبيقات الناس لأحكام الدين يقع فيها الخطأ والزلل والانحراف وغير ذلك ، ثم هم مجمعون على وجوب رجوع المسلم إلى الحق متى ظهر له , وعلى فرضية تصويب أعماله وإجرائها على مقتضى ما يظهر له من الأحكام ، ووجوب نصح المسلمين , وذلك لكي يتأهل هؤلاء المسلمون لقيادة البشرية العطشى للقيم والأخلاق , فلابدَّ للمسلمين كي يُرضوا ربهم فيمنحهم الرفعة والرقي أن تكون أعمالهم الظاهرة والباطنة وأقوالهم موافقةً للسبيل القويم ، والصراط المستقيم . ومن أجل هذا الأمر وإعذاراً إلى الله تعالى , ورغبةً منَّا في نصح الأمـة ، وانطلاقاً من تجربتـنا الخاصة , كانت هذه الدراسات والأبحاث الشرعية , والناصح مؤتمن , وقد خاطبنا بها كل من يمكن أن يستفيد منها ، وإنما كتبناها لكل مسلم غيور ، آلمه حال أمته المكلومة , وقد رأى جرأة الأمم عليها ، وسمع صراخ أبنائها ، وقد استبيحت أرضهم ، وسفكت دماؤهم ، وانتهكت حرماتهم ، في بلاد كثيرة من فلسطين إلى العراق إلى أفغانستان . وكتبناها لكل مسلم يرى الفرق الشاسع بين ما يتلوه في كتاب ربه ، وما يعلمه من سير العظماء من أمته ، وبين ما يشاهده من صورة مزعجة لبعض أبناء المسلمين اليوم . وكتبناها لكل شاب التزم بدينه ، وتمسك به ، وأراد نصرته ، والارتقاء به , ممن قد لا يحالفه السداد في إنزال هذه الرغبة في مكانها الصحيح ، أو في طريقها المثمر الذي يخدم أمته . وكتبناها لكل طالب علم وداعية يحرص على هداية الخلق ، وبيان الحق ، وإرشاد العالمين ، وتعليم الجاهلين . وكتبناها لكل مجاهد يحرص على رقي أمته ، فيقف في وجه المؤامرات الخارجية بقلمه أو لسانه أو ماله أو سلاحه أو دعائه . وكتبناها لكل من ربطتنا به يوماً من الأيام ، علاقةٌ أخويةٌ أو أدبيةٌ أو تنظيميةٌ فأَحَبَّ أن يطَّلع على خلاصة تجربتنا و زبدة قناعاتنا . وكتبناها لكل منصف من الناس ، ممن لا يدينون بديننا ممن يسمعون النعوت المشوَّهة التي تُنعت بها أمتنا أو يوصف بها ديننا . وقد جعلنا هذه الدراسة مبوبةً على تسعةِ أبوابٍ ، يشتمل كل واحد منها على فصول وعناوين فكان أولها باب : عقد الإسلام وكيفية ثبوته : وقد بينَّا فيه الخصال التي إذا أتى بها المرءُ ثبت له عقد الإسلام ، ووجبت له حقوق المسلم ، ونبهنا فيه على شيء من الخلل الواقع في هذا الباب ، وما ترتب عليه من آثار سلبية .
ثم باب في العلم والعلماء :
وشرحنا فيه فضل العلم الشرعي ، وصفات أهله ، وأهميته ، وخطورة تصدُّر غير المؤهلين للفتوى , وذكرنا أنَّ الكثير من المصائب الواقعة على المسلمين اليوم مردها لنقص العلم ، وتصدُّر من ليس أهلاً للفتوى والبتّ في المسائل الكبيرة لا سيما في أمور الدماء والأموال . ثم ثلَّثنا بباب الدعوة إلى الله : والتي جعلها الله صفة لهذه الأمة , وذكرنا أهدافها ، وميادينها وأنواعها ، والحاجـة إليها ، وشروطَ الدعاة وصفاتِهم , ثم باب الجهاد : فذكرنا فيه فضله ، ومكانته , وأوضحنا أخلاقياته ، وضوابطه ، وآدابه ، وذكرنا ما يترتب على التفلّت من تلك الضوابط من كوارث ، وذكرنا نبذة تاريخية عن استعمال السلاح لتغيير الأوضاع السياسية ، وموقف العلماء منها ، ثم ربطنا ذلك بموقفنا من العمل المسلح بناءً على تجربتنا الخاصة , ثمَّ باب فقه الخلاف : وأوضحنا فيه أنواعه وما يسوغ منه وما لا يسوغ , وذكرنا أثر الجهل بأدب الخلاف في وحدة المسلمين ، ممَّا يفكك الصفوف ، ويُضعف وحدة الأمة ، وأفردنا باباً للغلـو في الدين : وذكرنا مظاهره ، وأسبابه ، وآثاره السلبية على الفرد والأمة , ثم باباً للمصالح والمفاسد : وبينَّا أهمية مراعاة مآلات الأفعال ، والموازنة بين المصالح والمفاسد في ضوء مقاصد الشريعة ، وقرَّرنا أنَّ غياب هذه المعاني ينتج كمّاً هائلاً من الأخطاء في واقع الأمة الإسلامية , ثمَّ باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر : والذي هو سبب خيرية الأمة , وذكرنا بعض الأخطاء التي تقع فيه ، والتي قد تؤدي إلى نتائج سيئة رغم صفاء القصد ، ثم ختمنا بباب في إنزال الأحكام على الناس ، بيّنا فيه خطورة إنزال الأحكام على الناس لاسيما تكفير المسلم وذكرنا ضوابط إنزال الأحكام ، ومن هم المؤهلون لإنزالها ، ومتى ينزلونها ، وقرَّرنا بأننا دعاة لا قضاة ، ولسنا مكلفين بأن نفتش عن قلوب الناس ، ولا أن نشق عن صدورهم ، وإنما مهمتنا هي دعوة الناس إلى الخير. ونحن إذ كتبنا هذا فإنما كتبناه احتساباً لله سبحانه ، ورجاءً لثوابه ، وإبراءً لذمتنا أمام الله تعالى ، ورغبة في أن يكون فيه نفع لأجيال المسلمين ، وفي أمانينا أن نرى أمتنا أمةً متماسكةً في داخلها بين جميع أبنائها , ساعيةً نحو مجدها ، متناسيةً خلافاتها ، مستشعرةً الظرْف والواقع المرير الذي تمر به , منطلقةً للتصدُّر من جديد , فإنَّ في دينها زاداً يُبلِّغها مراداتها ، وفي أبنائها طاقاتٍ وعقولاً كفيلة بالنهوض بها ، وفي تاريخها رصيداً عظيماً يزرع الأمل في أجيالها. ولقد حاولنا تبسيط العبارة بقدر ما استطعنا رغبةً في أن يستفيد مما كتبناه أكبر قدر من القراء على اختلاف المستوى والحال . ونسأل اللهَ عزَّ وجلَّ أن يتقبل منَّا عملنا ، ويجعله خالصاً صواباً ، وأن ينفع به ، إنَّه ولي ذلك والقادر عليه . وصلى الله على نبينا محمَّد وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً .
مدخــــــــل :
مسافة طويلة بين حمل السلاح لتغيير الأوضاع السياسية ، تنظيراً وتحريضاً وتطبيقاً وممارسةً ، وبين الاستعداد للمساهمة في البناء والتنمية ، رغبةً وطموحاً ونُصحاً ، مسافة تحمل بين طياتها الكثير من الأسئلة التي تزداد عدداً ونوعاً ، كلما ازداد غياب العلم بمنطلقات ودوافع من حمل السلاح سابقاً ومن رغب في البناء مستقبلاً . ليس سراً أن نقول ، إنَّ من كتب هذه الأبحاث التي تناولتها هذه ’’الدراسات ‘‘ هم من كتبوا قبلها أبحاثاً ومواضيع تحمل عكس مضامين ما تحمله دراسات اليوم ، ولن يكون مستوراً أن يُعلَم أنَّ من حرَّض بالأمس على حمل السلاح لتغيير الأوضاع السياسية ، هم من يذكر اليوم عدم جواز ذلك وهم من ينصح كل من يصله نصحهم بتجنبه. لكن كيف يكون هذا ؟ سؤال هو أول ما سيطرحه من يقرأ الأبواب القادمة ، أو تصله أخبارها , فكان لزاماً أن يُجاب عليه كي تُفهم تلك الدراسات في إطارها ، وكي تؤدي الهدف الذي سُطِّرت من أجله. التغيير سمة من سمات البشر ، هذا أمر لا يختلف الناس فيه ، وقد يكون علامةَ قوةٍ كما قد يكون علامة ضعف ، وكل ذلك خاضعٌ لطبيعة ذلك التغيير وموضعه ودوافعه وأسبابه. فهل التغيير في القناعات الشرعية كذلك ؟ أهمية هذا السؤال تكمن في أنَّ من يكتب هذه الدراسات وهم ( أعضاء الجماعة الإسلامية المقاتلة , في السجن ) . لم ينطلقوا منذ بدايتهم لتحقيق أهدافهم - أيّاً كانت – لدوافع دنيوية أو أهداف أرضية أو رغبات شخصية , لم يكونوا يوماً من الأيام قُطَّاعاً للطرق حملوا السلاح لكسب مال أو متاع ، ولم يقوموا بما قاموا به سعياً لطموحات ذاتية اعتاد البشر التنازع عليها , بل كانت منطلقاتهم من دوافع وقناعات شرعية - أوصلتهم إليها اجتهاداتهم - فرأوا أنَّ دينهم قد أوجبها عليهم , وأنَّ ربهم قد أمرهم بها , وأنَّ رسولهم قد ارتضاها لهم - وبغض النظر عن صوابها من عدمه - فإنها قد ترسَّخت في نفوسهم وأيقنوا بوجوب العمل بها وسعوا لإنزالها على أرض الواقع واضعين أمام أعينهم أنهم سيسألون عنها أمام ربهم , فبذلوا في ذلك زهرات شبابهم ونخبة أوقاتهم وأعمارهم . لقد رأوا أنَّ هناك بوناً شاسعاً بين حال المسلمين اليوم شعوباً وحكومات ، وبين الصورة المثالية التي كان عليها المسلمون - شعوباً وحكومات - في عصور الازدهار وعلو المسلمين ، زمن النبي والخلفاء الراشدين ، ورأوا تداعي الأمم من الشرق والغرب على بلاد المسلمين ، وضعف حال الأمة وتفرق كلمتها وتشتت أبنائها , وعلموا أنَّ هذا الحال هو نتاج الابتعاد عن التمسك بدين الله عزَّ وجلَّ ، الذي كان سبباً في رُقي الأمة الإسلامية وتصدرها وقيادتها للأمم ، ورأوا أنَّ هناك واجبات شرعية ملقاة على عواتقهم ، وأهمها هي السعي للنهوض بهذه الأمة وإخراجها من ظلمات الجهل وسواد المعاصي وقتامة الانحراف ، إلى نور العلم بالدين ونصاعة الطاعة وبياض الاستقامة .
ولأنَّ الواقع يختلف عن المثال ، والعمل يختلف عن التنظير , فإنَّ طريقهم قد أخذ منحىً آخر ... كان يمكن أن تبذل جهودهم في الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى بالكلمة الطيبة والحكمة والموعظة الحسنة ، فيخرج بسببهم الكثير من الناس من ظلمات المعاصي ، إلى نور الطاعة ..... لقد كان يمكن أن يتحقق ذلك , لو كانت الظروف غير ما كانت عليه الظروف ، إلاَّ أنَّ ذلك لم يكن ... ولقد كان للواقع دَوْرُهُ .... وكان لغياب العلماء ووسائل نشر العلم وقلة الموجهين دورٌ كبيرٌ في عدم صواب الاختيار , كما كان لقلّة مجالات الدعوة بل وانعدامها في بعض الأحيان بحيث لا يجد الإنسانُ سبيلاً متاحاً للعمل من خلاله لدين الله ، كان لذلك كله دور كبير في تضييق دائرة الاختيار للعمل للدين . والناظر في تلك الظروف وما أحاط بها من ملابسات ، لا يستغرب أن يكون ما يتولد عنها هو ما حدث في الواقع , أمَّا ماذا كان ينبغي أن يكون ، فهذا ما كُتبت أبواب هذه الدراسات الشرعية من أجله. ونعود للسؤال : وهو هل التغيير في القناعات الشرعية هو من ضمن التغيير الطبيعي والمحمود ؟ فنقول : لقد أجمع علماء الإسلام في القديم والحديث على وجوب رجوع الإنسان للحق متى ظهر له ، وأجمعوا على أنَّ الرجوع إلى الحق أولى من التمادي في الخطأ . والحقيقة أنَّ هذا من كمال الخضوع والعبودية لله تعالى ، فإنَّ الإنسان إذا كان يسعى لمرضاة الله عزَّ وجلَّ في أمره كله ، فلا بدَّ أن يكون ظاهره وباطنه منقاداً لدينه ولأوامره ، فمتى ظهر له حكم الله في شيء سارع إليه ، لا يمنعه من ذلك هوىً في نفسه ، ولا خوف من انتقاد غيره ، ولا رغبة في متاع زائل ، ولذلك جاء في الحديث ( لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به ) . إنَّ المقصد من وضع الشريعة كما يقول الإمام الشاطبي رحمه الله هو ( إخراج المكلف من داعية هواه حتى يكون عبداً لله اختياراً كما هو عبدٌ له اضطراراً ) . وإذا ذكرنا أنَّ دوافعنا السابقة هي الرغبة في مرضاة الله تعالى - وإن جانَبَنَا الصواب - فهل يمكن أن نتردد في التمسك بالصواب الذي ظهر لنا؟ لا نريد هنا أن نذكر الأدلة الشرعية على جواز تغيير اجتهادات الإنسان ، ولا أفعال وأقوال أئمة الإسلام ، ولا نحو ذلك , إذ هو أشهر من أن يذكر في هذا الموطن . لقد سلكنا طريقاً قي سابق عمرنا ونحن نعلم مشقته وغرابته على الناس ، ولم نلتفت إلى أقوال المنتقدين واعتراضاتهم حينها ، فإذا علمنا الصواب في غير ذلك الطريق الآن , فهو أولى بالإتباع ، هذا من جهة التغيير في الرأي .
أمَّا كيف يمكن ذلك ؟ فإنَّ الإنسان يزداد علماً يوماً بعد يوم , سواءً من العلوم الشرعية أو من تجارب الحياة ، كما أنَّ واقع البشر يتغير تغيراً جذرياً يوماً بعد يوم , ومن غير المختلف فيه بين العلماء ، أنَّ الاجتهادات الشرعية تُبنى على أمرين , العلم بالشرع والعلم بالواقع ، ونحن من خلال دراستنا الشرعية واطّلاعنا على المسائل وتدقيقنا فيها ، وكذلك دراستنا المتعمقة والدقيقة في تجربتنا التي استمرت سنوات طويلة ، ونظرتنا للواقع المحيط وظروفه المتغيرة , توصلنا إلى القناعات التي أودعناها في هذه الدراسات والأبواب والتي أردنا بكتابتها أن نضع معالم واضحة لكل من يريد السير في طريقٍ يخدم به دينه وأمته , مستشعرين الأمانة العظيمة التي كُلِّف بها كل مسلم وهي النصح للمسلمين ولدينهم والكثير مما سنذكره في هذه الأبواب هو من المسائل العادية التي تطرح في الكتب الشرعية القديمة والحديثة , فهي مسائل مبثوثة في كتب الفقه وغيرها لكننا تعمدنا الحديث عنها باستفاضة لأننا - من دون الكثيرين غيرنا - لمسنا أهميتها وتأثيرها في قناعات كل إنسان يسعى لإقامة دينه ، ورأينا أنَّ أي قصور فيها أو نقص في تصورها ، أو انحراف في تطبيقها سوف يسوق في النهاية إلى نتائج تختلف تماماً عن غرض صاحبها مهما كانت نياته حسنة ومقاصده مشروعة . كان يمكن أن نكتفي بملخصات في تلك الأبواب ونحيل القارئ إلى مراجع العلماء الأولين والآخرين وسيجد فيها ما ذكرناه وزيادة , لكن ذلك لن يؤدي - في نظرنا - الغرض الذي أردناه لذلك حرصنا أن يكون التأصيل الشرعي هو الركيزة في هذه الدراسات . وكان يمكن أن نجعل الأبحاث نصائح وإرشادات واستنباط للعبر من التجارب والممارسات دون التطرق إلى التأصيل الشرعي والتدليل , لكن ذلك لن يؤدي الغرض الذي أردناه لأننا ما أردنا أن يتلقف أحدٌ ممن يقرأ كتاباتنا نصائح مجردة أو آراء خاصة , بل أحببنا أن تنشأ عند الإنسان ملكة في تقدير الأمور ومن ثمَّ الاستقلال في الاختيار . إننا كتبنا هذه الدراسات ونحن نعلم أنَّ الدوافع الأولى والمنطلقات التي انطلقنا منها كامنة في عقول وقلوب الكثير من أبناء الصحوة الإسلامية اليوم ، وقد تتوفر الكثير من الظروف التي قد تؤدي إلى سلوك نفس السبيل الذي سلكناه مما قد ذكرناه سابقاً ، ولذلك أحببنا - ناصحين - أن نوصل هذه القناعات لهؤلاء الإخوة الذين لا نشك في انقيادهم لما يرضي الله ، وتمسكهم بما فيه نجاتهم في الدنيا والآخرة وحرصهم على رفعة دينهم وارتقاء أمتهم .
هي تجـربة خلاصتــها :
أنَّ أبناء الصحوة سيكونون بخير وسداد إذا ما رجعوا إلى العلماء الثقات في أمورهم وأعمالهم لاسيما فيما يترتب عليه نتائج عظيمة تتعلق بالمصالح العامة لبلدهم وأمتهم ، وبقدر تزودهم بالعلم الشرعي وتبصرهم بالواقع فإنَّ اختياراتهم ستكون مسددةً وموفقةً .وأنَّ طريق الارتقاء بالأمة طويل يحتاج إلى صبر ومصابرة ، وجهد ووقت ، لأنَّ الأمة الإسلامية لم تصل إلى ما وصلت إليه من تخلف وتأخر بين عشية وضحاها ، بل كان ذلك نتيجة لتراكم عوامل كثيرة ، استمر الانحدار فيها لقرون طويلة ، فمثل هذا الخلل لا يمكن معالجته بحلول مستعجلة ولا أعمال حماسية ، ولا تصرفات عاطفية . وأنَّ للأمة مصالح كبرى لابدَّ من معرفتها واستحضـارها والحرص عليها وعدم التفريط فيها , وذلك كوحدة المسلمين وهيبتهم واستقرارهم وأمنهم وسمعة الإسلام وأهله ونحو ذلك , فإن تعارض حفظها مع أيٍّ من المصالح الأصغر منها , فلا خلاف في ترك تلك المصالح الصغيرة , ولذا فإنَّ اعتبار مآلات الأمور معتبر شرعاً , والنظر في نتائج التصرفات مأمور به , ولن يكون ذلك إلاَّ بالتثبت الدقيق قبل الإقدام على أي أمر من الأمور. وأنَّ من المطلوبات الشرعية , ما هو في منـزلة المقاصد التي جعلت مرادات للشارع ، كهداية الناس وانتشار الإسلام وعلو أهله وصلاحهم وتكثير الخير , ومنها ما هو في منـزلة الوسائل المؤدية إلى تلك المقاصد , وذلك كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله ونحوه , فلا ينبغي جعل الوسائل غايات مقصودة لذاتها أو تقديمها على مقاصدها حال التعارض , وإلاَّ نتج من ذلك انعكاس في الأمور .. وغير ذلك من المسائل التي احتوتها هذه الدراسات ، إذ أنَّ كل كلمة فيها وإن كانت مجردة فهي تذكير أو نصيحة أو إشارة أو فتح لأبواب الاهتمام والتثبت ، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يسددنا في ذلك . يتبــــــــــــــــــــــــــــــــع

