أخبار محلية

طرابلس
° ° °
الجمعة السبت الأحد

كتاب الدراسات تصحيحية (مراجعات) الحلقة الاولى

كتاب الدراسات تصحيحية
دراسات تصحيحية سؤال التغيير في‮ ‬القناعات الشرعية
 إنَّ‮ ‬الحمد لله‮ ‬, نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا‮ ‬, من‮ ‬يهده الله فلا مضل له ومن‮ ‬يضلل فلا هادي‮ ‬له‮ ‬, وأشهد أن لا إله إلاَّ‮ ‬الله وحده لا شريك له وأشهد أنَّ‮ ‬محمداً‮ ‬عبده ورسوله‮ ‬, } يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتنَّ‮ ‬إلاَّ‮ ‬وأنتم مسلمون‮ ( ‬آل عمران‮ : ‬102 ‮) ‬يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي‮ ‬خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً‮ ‬كثيراً‮ ‬ونساءً‮ ‬واتقوا الله الذي‮ ‬تساءلون به والأرحام إنَّ‮ ‬الله كان عليكم رقيباً‮ { [ ‬النساء‮ : ‬1 ] , } يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً‮ ‬سديداً‮ ‬يصلح لكم أعمالكـم ويغفر لكـم ذنوبكـم ومن‮ ‬يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً‮ ‬عظيمـاً‮ ‬) الأحزاب‮ : 70-71

أمَّا بعد‮ : ‬فإنَّ‮ ‬أصدق الحديث كتابُ‮ ‬الله‮ ‬،‮ ‬وخير الهدي‮ ‬هديُ‮ ‬محمَّد‮ ‬وشر الأمـور محدثاتها‮ ‬،‮ ‬وكل محدثة بدعة‮ ‬،‮ ‬وكل بدعة ضلالة‮ ‬،‮ ‬وكل ضلالة في‮ ‬النار‮ .‬ فلقد أرسل الله‮ ‬ إلى العالمين رسلاً‮ ‬مبشرين ومنذرين‮ ‬،‮ ‬أناروا لهم الطريق وأوضحوا لهم السبيل‮ ‬, فأخبروهم بغاية خلقهم في‮ ‬هذه الدنيا‮ ‬،‮ ‬وأنَّ‮ ‬الله عزَّ‮ ‬وجلَّ‮ ‬لم‮ ‬يخلقهم عبثاً‮ ‬،‮ ‬ولم‮ ‬يتركهم هملاً‮ ‬, فما من نبي‮ ‬إلاَّ‮ ‬وقال لقومه‮ : } ‬يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله‮ ‬غيره‮ { ‬الأعراف‮ : ‬59 ] فهدى الله بهم أقواماً‮ ‬،‮ ‬وشقي‮ ‬بتكذيبهم آخرون‮ ‬, وشاء الله‮ ‬ أن‮ ‬يختم رسالاته إلى أهل الأرض بالنبي‮ ‬العربي‮ ‬محمَّد بن عبد الله‮ ‬ فأرسله في‮ ‬أم القرى بوادٍ‮ ‬غير ذي‮ ‬زرعٍ‮ ‬عند بيته المحرم‮ ‬, استجابةً‮ ‬لدعوة أبويه إبراهيم وإسماعيل عليهما الصلاة والسلام حين قالا‮ : } ‬ربنا وابعث فيهم رسولاً‮ ‬منهم‮ ‬يتلو عليهم آياتك ويعلمهـم الكتاب والحكمة ويزكيهـم إنَّك أنت العزيز الحكيـم‮ { ‬ ‮ ‬البقرة‮ : ‬129 ] ‮ ‬ فجاءهم برسالة خاتمة للرسالات السـابقة‮ ‬, وبعثه إلى جميع الإنس والجنِّ‮ ‬بعد أن كانت الرسل تُبعث لأقوامها خاصة‮ ‬, قال تعالى‮ : } ‬قل‮ ‬يا أيها الناس إني‮ ‬رسول الله إليكـم جميعاً‮ { ‬الأعراف‮ : ‬158 ] ‮ ‬ وأنزل له شريعة محكمة لتكون هدايةً‮ ‬للبشرية إلى أن‮ ‬يرث الله الأرض ومن عليها‮ ‬, وامتنّ‮ ‬الله عزَّ‮ ‬وجلَّ‮ ‬على عباده بأن أكمل لهـم هذا الدين الخاتـم‮ ‬, قال تعالى‮ : } ‬اليوم أكملت لكـم دينكـم وأتممت عليكـم نعمتي‮ ‬ورضيت لكـم الإسلام ديناً‮ { ‬ ‮ ‬المائدة‮ : ‬3 ] , وأبلغهم بأنَّ‮ ‬كل دين سـواه لن‮ ‬يُقبل عند الله‮ ‬, فقـال عزَّ‮ ‬وجلَّ‮ : } ‬ومن‮ ‬يبتغ‮ ‬غير الإسلام ديناً‮ ‬فلن‮ ‬يقبل منه‮ { ‬ ‮ ‬آل عمران‮ : ‬85 ] , وأنه هو الدين المرضي‮ ‬والسبيل المنجية‮ ‬, قـال تعالى‮ : } ‬إنَّ‮ ‬الدين عند الله الإسلام‮ { ‬ ‮ ‬آل عمران‮ : ‬19 ] , وكان طبيعياً‮ ‬أن‮ ‬يكون هذا الدين الذي‮ ‬أنزله الله رحمةً‮ ‬للعالمين مشتملاً‮ ‬على كل ما‮ ‬يصلح شؤونهم في‮ ‬دنياهم وآخرتهم كي‮ ‬لا تتفرق بهم السبل‮ ‬،‮ ‬ولا تضيق بهم الحيل‮ ‬, فربطهم بربهم عزَّ‮ ‬وجلَّ‮ ‬في‮ ‬عقيدةٍ‮ ‬ناصعةٍ‮ ‬نقيةٍ‮ ‬عرَّفتهم بصفات ربهـم وأسمائه‮ ‬،‮ ‬وبحقوقه عليهم وآلائه‮ ‬, وأظهرت لهم ما شاء الله من علوم الغيب‮ ‬, فعرَّفهم على مبدئهم ومنشئهم‮ ‬،‮ ‬وعلى معادهم ومصيرهم‮ ‬،‮ ‬وأوضح لهـم الغاية التي‮ ‬خُلقوا من أجلها‮ ‬, ووصف لهم حقيقة الحياة التي‮ ‬يعيشونها‮ ‬،‮ ‬والكون الذي‮ ‬يقيمون فيه‮ ‬،‮ ‬وكشف لهم كوامن نفوسهم وأسرارها‮ ‬, واشتمل على ما‮ ‬يحتاجون إليه في‮ ‬كل جوانب حياتهم الدينية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية والأخلاقية والتربوية والسلوكية‮ ‬, قال تعالى‮ : } ‬ونزَّلنا عليك الكتاب تبياناً‮ ‬لكل شيء‮ { ‬ ‮ ‬النحل‮ : ‬89 ] , فكان ديناً‮ ‬عظيماً‮ ‬،‮ ‬عرف قدره الأولون فتمسكوا به‮ ‬،‮ ‬وحرصوا على نشره في‮ ‬البشرية حاملين في‮ ‬قلوبهم الرحمة والشفقة على الناس‮ ‬،‮ ‬وقد رأوهم تائهين في‮ ‬دياجير الظلام تتلاعب بهم الأهواء‮ ‬, ثم توارثته الأجيال المسلمة مستمسكةً‮ ‬به‮ ‬،‮ ‬عاضةً‮ ‬عليه بنواجذها‮ ‬،‮ ‬لم‮ ‬يخالجها شكٌ‮ ‬في‮ ‬صلاحيته لكل زمان ومكان‮ ‬, كيف وهي‮ ‬تؤمن بأنه من عند ربها العليـم الخبيـر‮ } ‬ألا‮ ‬يعلمُ‮ ‬من خلق وهو اللطيـف الخبير‮ { ‬ ‮ ‬الملك‮ : ‬14 ] , وارتقت به تلك الأجيال إلى قمم سامقة‮ ‬،‮ ‬بعد أن كانت أمة العرب نسياً‮ ‬منسياً‮ ‬،‮ ‬فما كانت إلاَّ‮ ‬قبائل صغيرة في‮ ‬قلب الجزيرة العربية تمزقها الصراعات‮ ‬،‮ ‬وتنشب بينها الحروب على الناقة‮ ‬, والبئر‮ ‬, والفرس‮ ‬, أو قبائل أخرى أعطت ولاءها لدولة الفرس أو إمبراطورية الروم‮ ‬،‮ ‬فما لها معها من قرار ولا خيار‮ ‬, فلما حملت أمانة هذا الدين صار أهلها قادة للناس‮ ‬،‮ ‬وأئمة للعالمين‮ ‬, واستمر الرقي‮ ‬بالمسلمين عصوراً‮ ‬،‮ ‬فلمَّا‮ ‬غيّروا ما بأنفسهم‮ ‬،‮ ‬وأهملوا أوامر ربهم‮ ‬،‮ ‬غيَّر الله عزَّ‮ ‬وجلَّ‮ ‬أمورهم وأحوالهم‮ ‬, سنة الله التي‮ ‬لا تتبدل‮ ‬،‮ ‬مصداقاً‮ ‬لقوله تعالى‮ : } ‬ذلك بأنَّ‮ ‬الله لم‮ ‬يكُ‮ ‬مغيراً‮ ‬نعمة أنعمها على قوم حتى‮ ‬يُغيّروا ما بأنفسهم وأنَّ‮ ‬الله سميع عليم‮ { ‬ ‮ ‬الأنفال‮ : ‬53 ] , ولقد كان من قدر الأمة الإسلامية في‮ ‬قرونها المتأخرة أن تتعرض لمؤامرات عظيمة من طرف أعدائها من اليهود والنصارى‮ ‬،‮ ‬وغيرهم من الأمم الذين اكتشفوا حقيقةَ‮ ‬قوةِ‮ ‬هذه الأمة وعرفوا طبيعةَ‮ ‬دينها الذي‮ ‬يسري‮ ‬إلى قلوب العالمين سرياناً‮ ‬بديعاً‮ ‬لأنه دين الفطرة‮ ‬, فما كان منهم إلاَّ‮ ‬أن كادوا له المكائد فاحتلّوا أرضه‮ ‬،‮ ‬وسلبوا خيراته ودنّسوا مقدساته‮ ‬،‮ ‬كي‮ ‬يبقى أهله تابعين لهم في‮ ‬كل شؤونهم‮ ‬،‮ ‬فزرعوا بينهم الاختلاف والشقاق‮ ‬،‮ ‬وحرموهـم من وسائل الرقي‮ ‬والتقدم‮ ‬،‮ ‬وفرضوا عليهـم القيود والحصار‮ ‬, ولم‮ ‬يكن ذلك كله ليؤثّر في‮ ‬المسلمين لو أنهم كانوا متمسكين بدينهم حق التمسك‮ ‬،‮ ‬ومتوكلين على ربهـم حق التوكل‮ ‬،‮ ‬لأنَّ‮ ‬الله عزَّ‮ ‬وجـلَّ‮ ‬قـال‮ : } ‬وإن تصبروا وتتقوا لا‮ ‬يضركم كيدهم شيئاً‮ { ‬ آل عمران‮ : ‬120 ]غير أنَّ‮ ‬حصون المسلمين كانت مهددةً‮ ‬من داخلـها بسبب الجهل بدينهـم‮ ‬, وإهمالهم أوامر ربهم‮ ‬،‮ ‬وبتفرقهم وتشرذمهم‮ ‬،‮ ‬فلما فعلوا ذلك وكلهم الله لأنفسهم‮ ‬،‮ ‬فكان طبيعياً‮ ‬أن تكون هذه هي‮ ‬حالهم‮ ‬– إلاَّ‮ ‬من رحم الله‮ . ‬

 ولا‮ ‬يختلف أبناء المسلمين اليوم‮ ‬،‮ ‬في‮ ‬أنَّ‮ ‬نجاتهم وخروجهم من ضعفهم لن‮ ‬يكون إلاَّ‮ ‬بما ارتقى به أسلافهم‮ ‬،‮ ‬أولئك الأقوام الذين فتحوا قلوب الناس قبل الأقطار‮ ‬, ونشروا المبادئ والقيم النبيلة في‮ ‬الأفاق‮ ‬, فما من مسلم‮ ‬يرى حال الضعف الذي‮ ‬أصاب الأمة والتأخر والتقهقر الذي‮ ‬عانت منه إلاَّ‮ ‬وأورثه ذلك حزناً‮ ‬وأرقاً‮ ‬،‮ ‬وزرع بداخله الرغبة في‮ ‬النهوض بأمته‮ ‬, لذا حاول كثيرٌ‮ ‬من الغيورين والمتحمسين‮ ‬،‮ ‬أن‮ ‬يساهموا بشكل أو بآخر في‮ ‬خدمة الدين والنهوض بالأمة‮ ‬, ولمَّا كانت جهودهم بشرية‮ ‬, واجتهاداتهم إنسانية‮ ‬, كان لابدَّ‮ ‬أن‮ ‬يشوبها الخلل‮ ‬،‮ ‬ويعتريها النقص والزلل‮ ‬،‮ ‬لأسباب كثيرة منها‮ : ‬غياب العلماء عن ساحة التوجيه‮ ‬, وحداثة التجارب‮ ‬, وقلة الخبرات‮ ‬،‮ ‬إلى‮ ‬غير ذلك مما ذكرناه في‮ ‬ثنايا هذه الدراسة‮ ‬, هذا مع صدق النوايا‮ ‬،‮ ‬وصفاء السرائر‮ ‬،‮ ‬وحسن الرغبات‮ ‬, فكان لزاماً‮ ‬على من‮ ‬يظهر له شيء من ذلك القصور‮ ‬, وتتكشف له تلك الأخطاء من نفسه أو من‮ ‬غيره‮ ‬،‮ ‬أن‮ ‬يبادر إلى إصلاحها وتقويمها بما‮ ‬يستطيع‮ ‬،‮ ‬ابتغاءَ‮ ‬مرضاة الله تعالى‮ ‬, وحذراًَ‮ ‬من سؤاله وعقابه‮ ‬, ونصحاً‮ ‬للأمة‮ ‬،‮ ‬وحرصاً‮ ‬على أبنائها ممن قد لا‮ ‬يدركون ما أدركه‮ ‬, أو لم‮ ‬يسلكوا ما سلكه‮ ‬, أو قصـرت تجاربهم عن تجاربه‮ ‬, فالمسلمون جسد واحد وأمة واحدة‮ .

‬ ولا‮ ‬يختلف المسلمون في‮ ‬القديم والحديث في‮ ‬أنَّ‮ ‬ثوابت دينهم لا تتغير ولا تتبدل‮ ‬،‮ ‬ولا‮ ‬يشكون في‮ ‬صلاحيته لكل زمان ومكان‮ ‬،‮ ‬وكذلك فإنهم لا‮ ‬يختلفون في‮ ‬أنَّ‮ ‬اجتهادات البشر في‮ ‬فهم هذا الدين‮ ‬يعتريها النقص والخطأ والتغيير‮ ‬, كما أنَّ‮ ‬تطبيقات الناس لأحكام الدين‮ ‬يقع فيها الخطأ والزلل والانحراف وغير ذلك‮ ‬،‮ ‬ثم هم مجمعون على وجوب رجوع المسلم إلى الحق متى ظهر له‮ ‬, وعلى فرضية تصويب أعماله وإجرائها على مقتضى ما‮ ‬يظهر له من الأحكام‮ ‬،‮ ‬ووجوب نصح المسلمين‮ ‬, وذلك لكي‮ ‬يتأهل هؤلاء المسلمون لقيادة البشرية العطشى للقيم والأخلاق‮ ‬, فلابدَّ‮ ‬للمسلمين كي‮ ‬يُرضوا ربهم فيمنحهم الرفعة والرقي‮ ‬أن تكون أعمالهم الظاهرة والباطنة وأقوالهم موافقةً‮ ‬للسبيل القويم‮ ‬،‮ ‬والصراط المستقيم‮ .‬ ومن أجل هذا الأمر وإعذاراً‮ ‬إلى الله تعالى‮ ‬, ورغبةً‮ ‬منَّا في‮ ‬نصح الأمـة‮ ‬،‮ ‬وانطلاقاً‮ ‬من تجربتـنا الخاصة‮ ‬, كانت هذه الدراسات والأبحاث الشرعية‮ ‬, والناصح مؤتمن‮ ‬, وقد خاطبنا بها كل من‮ ‬يمكن أن‮ ‬يستفيد منها‮ ‬،‮ ‬وإنما كتبناها لكل مسلم‮ ‬غيور‮ ‬،‮ ‬آلمه حال أمته المكلومة‮ ‬, وقد رأى جرأة الأمم عليها‮ ‬،‮ ‬وسمع صراخ أبنائها‮ ‬،‮ ‬وقد استبيحت أرضهم‮ ‬،‮ ‬وسفكت دماؤهم‮ ‬،‮ ‬وانتهكت حرماتهم‮ ‬،‮ ‬في‮ ‬بلاد كثيرة من فلسطين إلى العراق إلى أفغانستان‮ .‬ وكتبناها لكل مسلم‮ ‬يرى الفرق الشاسع بين ما‮ ‬يتلوه في‮ ‬كتاب ربه‮ ‬،‮ ‬وما‮ ‬يعلمه من سير العظماء من أمته‮ ‬،‮ ‬وبين ما‮ ‬يشاهده من صورة مزعجة لبعض أبناء المسلمين اليوم‮ . ‬ وكتبناها لكل شاب التزم بدينه‮ ‬،‮ ‬وتمسك به‮ ‬،‮ ‬وأراد نصرته‮ ‬،‮ ‬والارتقاء به‮ ‬, ممن قد لا‮ ‬يحالفه السداد في‮ ‬إنزال هذه الرغبة في‮ ‬مكانها الصحيح‮ ‬،‮ ‬أو في‮ ‬طريقها المثمر الذي‮ ‬يخدم أمته‮ . ‬ وكتبناها لكل طالب علم وداعية‮ ‬يحرص على هداية الخلق‮ ‬،‮ ‬وبيان الحق‮ ‬،‮ ‬وإرشاد العالمين‮ ‬،‮ ‬وتعليم الجاهلين‮ . ‬ وكتبناها لكل مجاهد‮ ‬يحرص على رقي‮ ‬أمته‮ ‬،‮ ‬فيقف في‮ ‬وجه المؤامرات الخارجية بقلمه أو لسانه أو ماله أو سلاحه أو دعائه‮ .‬ وكتبناها لكل من ربطتنا به‮ ‬يوماً‮ ‬من الأيام‮ ‬،‮ ‬علاقةٌ‮ ‬أخويةٌ‮ ‬أو أدبيةٌ‮ ‬أو تنظيميةٌ‮ ‬فأَحَبَّ‮ ‬أن‮ ‬يطَّلع على خلاصة تجربتنا و زبدة قناعاتنا‮ . ‬ وكتبناها لكل منصف من الناس‮ ‬،‮ ‬ممن لا‮ ‬يدينون بديننا ممن‮ ‬يسمعون النعوت المشوَّهة التي‮ ‬تُنعت بها أمتنا أو‮ ‬يوصف بها ديننا‮ . ‬ وقد جعلنا هذه الدراسة مبوبةً‮ ‬على تسعةِ‮ ‬أبوابٍ‮ ‬،‮ ‬يشتمل كل واحد منها على فصول وعناوين فكان أولها باب‮ : ‬عقد الإسلام وكيفية ثبوته‮ : ‬وقد بينَّا فيه الخصال التي‮ ‬إذا أتى بها المرءُ‮ ‬ثبت له عقد الإسلام‮ ‬،‮ ‬ووجبت له حقوق المسلم‮ ‬،‮ ‬ونبهنا فيه على شيء من الخلل الواقع في‮ ‬هذا الباب‮ ‬،‮ ‬وما ترتب عليه من آثار سلبية‮ .

‬ ثم باب في‮ ‬العلم والعلماء‮ :
 ‬وشرحنا فيه فضل العلم الشرعي‮ ‬،‮ ‬وصفات أهله‮ ‬،‮ ‬وأهميته‮ ‬،‮ ‬وخطورة تصدُّر‮ ‬غير المؤهلين للفتوى‮ ‬, وذكرنا أنَّ‮ ‬الكثير من المصائب الواقعة على المسلمين اليوم مردها لنقص العلم‮ ‬،‮ ‬وتصدُّر من ليس أهلاً‮ ‬للفتوى والبتّ‮ ‬في‮ ‬المسائل الكبيرة لا سيما في‮ ‬أمور الدماء والأموال‮ . ‬ ثم ثلَّثنا بباب الدعوة إلى الله‮ : ‬والتي‮ ‬جعلها الله صفة لهذه الأمة‮ ‬, وذكرنا أهدافها‮ ‬،‮ ‬وميادينها وأنواعها‮ ‬،‮ ‬والحاجـة إليها‮ ‬،‮ ‬وشروطَ‮ ‬الدعاة وصفاتِهم‮ ‬, ثم باب الجهاد‮ : ‬فذكرنا فيه فضله‮ ‬،‮ ‬ومكانته‮ ‬, وأوضحنا أخلاقياته‮ ‬،‮ ‬وضوابطه‮ ‬،‮ ‬وآدابه‮ ‬،‮ ‬وذكرنا ما‮ ‬يترتب على التفلّت من تلك الضوابط من كوارث‮ ‬،‮ ‬وذكرنا نبذة تاريخية عن استعمال السلاح لتغيير الأوضاع السياسية‮ ‬،‮ ‬وموقف العلماء منها‮ ‬،‮ ‬ثم ربطنا ذلك بموقفنا من العمل المسلح بناءً‮ ‬على تجربتنا الخاصة‮ ‬, ثمَّ‮ ‬باب فقه الخلاف‮ : ‬وأوضحنا فيه أنواعه وما‮ ‬يسوغ‮ ‬منه وما لا‮ ‬يسوغ‮ ‬, وذكرنا أثر الجهل بأدب الخلاف في‮ ‬وحدة المسلمين‮ ‬،‮ ‬ممَّا‮ ‬يفكك الصفوف‮ ‬،‮ ‬ويُضعف وحدة الأمة‮ ‬،‮ ‬وأفردنا باباً‮ ‬للغلـو في‮ ‬الدين‮ : ‬وذكرنا مظاهره‮ ‬،‮ ‬وأسبابه‮ ‬،‮ ‬وآثاره السلبية على الفرد والأمة‮ ‬, ثم باباً‮ ‬للمصالح والمفاسد‮ : ‬وبينَّا أهمية مراعاة مآلات الأفعال‮ ‬،‮ ‬والموازنة بين المصالح والمفاسد في‮ ‬ضوء مقاصد الشريعة‮ ‬،‮ ‬وقرَّرنا أنَّ‮ ‬غياب هذه المعاني‮ ‬ينتج كمّاً‮ ‬هائلاً‮ ‬من الأخطاء في‮ ‬واقع الأمة الإسلامية‮ ‬, ثمَّ‮ ‬باب الأمر بالمعروف والنهي‮ ‬عن المنكر‮ : ‬والذي‮ ‬هو سبب خيرية الأمة‮ ‬, وذكرنا بعض الأخطاء التي‮ ‬تقع فيه‮ ‬،‮ ‬والتي‮ ‬قد تؤدي‮ ‬إلى نتائج سيئة رغم صفاء القصد‮ ‬،‮ ‬ثم ختمنا بباب في‮ ‬إنزال الأحكام على الناس‮ ‬،‮ ‬بيّنا فيه خطورة إنزال الأحكام على الناس لاسيما تكفير المسلم وذكرنا ضوابط إنزال الأحكام‮ ‬،‮ ‬ومن هم المؤهلون لإنزالها‮ ‬،‮ ‬ومتى‮ ‬ينزلونها‮ ‬،‮ ‬وقرَّرنا بأننا دعاة لا قضاة‮ ‬،‮ ‬ولسنا مكلفين بأن نفتش عن قلوب الناس‮ ‬،‮ ‬ولا أن نشق عن صدورهم‮ ‬،‮ ‬وإنما مهمتنا هي‮ ‬دعوة الناس إلى الخير‮.‬ ونحن إذ كتبنا هذا فإنما كتبناه احتساباً‮ ‬لله سبحانه‮ ‬،‮ ‬ورجاءً‮ ‬لثوابه‮ ‬،‮ ‬وإبراءً‮ ‬لذمتنا أمام الله تعالى‮ ‬،‮ ‬ورغبة في‮ ‬أن‮ ‬يكون فيه نفع لأجيال المسلمين‮ ‬،‮ ‬وفي‮ ‬أمانينا أن نرى أمتنا أمةً‮ ‬متماسكةً‮ ‬في‮ ‬داخلها بين جميع أبنائها‮ ‬, ساعيةً‮ ‬نحو مجدها‮ ‬،‮ ‬متناسيةً‮ ‬خلافاتها‮ ‬،‮ ‬مستشعرةً‮ ‬الظرْف والواقع المرير الذي‮ ‬تمر به‮ ‬, منطلقةً‮ ‬للتصدُّر من جديد‮ ‬, فإنَّ‮ ‬في‮ ‬دينها زاداً‮ ‬يُبلِّغها مراداتها‮ ‬،‮ ‬وفي‮ ‬أبنائها طاقاتٍ‮ ‬وعقولاً‮ ‬كفيلة بالنهوض بها‮ ‬،‮ ‬وفي‮ ‬تاريخها رصيداً‮ ‬عظيماً‮ ‬يزرع الأمل في‮ ‬أجيالها‮.‬ ولقد حاولنا تبسيط العبارة بقدر ما استطعنا رغبةً‮ ‬في‮ ‬أن‮ ‬يستفيد مما كتبناه أكبر قدر من القراء على اختلاف المستوى والحال‮ . ‬ ونسأل اللهَ‮ ‬عزَّ‮ ‬وجلَّ‮ ‬أن‮ ‬يتقبل منَّا عملنا‮ ‬،‮ ‬ويجعله خالصاً‮ ‬صواباً‮ ‬،‮ ‬وأن‮ ‬ينفع به‮ ‬،‮ ‬إنَّه ولي‮ ‬ذلك والقادر عليه‮ .‬ وصلى الله على نبينا محمَّد وآله وصحبه وسلم تسليماً‮ ‬كثيراً‮ .‬

 ‮ ‬مدخــــــــل‮ :
‬ مسافة طويلة بين حمل السلاح لتغيير الأوضاع السياسية‮ ‬،‮ ‬تنظيراً‮ ‬وتحريضاً‮ ‬وتطبيقاً‮ ‬وممارسةً‮ ‬،‮ ‬وبين الاستعداد للمساهمة في‮ ‬البناء والتنمية‮ ‬،‮ ‬رغبةً‮ ‬وطموحاً‮ ‬ونُصحاً‮ ‬،‮ ‬مسافة تحمل بين طياتها الكثير من الأسئلة التي‮ ‬تزداد عدداً‮ ‬ونوعاً‮ ‬،‮ ‬كلما ازداد‮ ‬غياب العلم بمنطلقات ودوافع من حمل السلاح سابقاً‮ ‬ومن رغب في‮ ‬البناء مستقبلاً‮ .‬ ليس سراً‮ ‬أن نقول‮ ‬،‮ ‬إنَّ‮ ‬من كتب هذه الأبحاث التي‮ ‬تناولتها هذه‮ ‬’’الدراسات‮ ‬‘‘ هم من كتبوا قبلها أبحاثاً‮ ‬ومواضيع تحمل عكس مضامين ما تحمله دراسات اليوم‮ ‬،‮ ‬ولن‮ ‬يكون مستوراً‮ ‬أن‮ ‬يُعلَم أنَّ‮ ‬من حرَّض بالأمس على حمل السلاح لتغيير الأوضاع السياسية‮ ‬،‮ ‬هم من‮ ‬يذكر اليوم عدم جواز ذلك وهم من‮ ‬ينصح كل من‮ ‬يصله نصحهم بتجنبه‮.‬ لكن كيف‮ ‬يكون هذا ؟‮ ‬ سؤال هو أول ما سيطرحه من‮ ‬يقرأ الأبواب القادمة‮ ‬،‮ ‬أو تصله أخبارها‮ ‬, فكان لزاماً‮ ‬أن‮ ‬يُجاب عليه كي‮ ‬تُفهم تلك الدراسات في‮ ‬إطارها‮ ‬،‮ ‬وكي‮ ‬تؤدي‮ ‬الهدف الذي‮ ‬سُطِّرت من أجله‮.‬ التغيير سمة من سمات البشر‮ ‬،‮ ‬هذا أمر لا‮ ‬يختلف الناس فيه‮ ‬،‮ ‬وقد‮ ‬يكون علامةَ‮ ‬قوةٍ‮ ‬كما قد‮ ‬يكون علامة ضعف‮ ‬،‮ ‬وكل ذلك خاضعٌ‮ ‬لطبيعة ذلك التغيير وموضعه ودوافعه وأسبابه‮.‬ فهل التغيير في‮ ‬القناعات الشرعية كذلك ؟‮ ‬ أهمية هذا السؤال تكمن في‮ ‬أنَّ‮ ‬من‮ ‬يكتب هذه الدراسات وهم‮ ( ‬أعضاء الجماعة الإسلامية المقاتلة‮ ‬, في‮ ‬السجن‮ ) . ‬لم‮ ‬ينطلقوا منذ بدايتهم لتحقيق أهدافهم‮ - ‬أيّاً‮ ‬كانت‮ ‬– لدوافع دنيوية أو أهداف أرضية أو رغبات شخصية‮ ‬, لم‮ ‬يكونوا‮ ‬يوماً‮ ‬من الأيام قُطَّاعاً‮ ‬للطرق حملوا السلاح لكسب مال أو متاع‮ ‬،‮ ‬ولم‮ ‬يقوموا بما قاموا به سعياً‮ ‬لطموحات ذاتية اعتاد البشر التنازع عليها‮ ‬, بل كانت منطلقاتهم من دوافع وقناعات شرعية‮ - ‬أوصلتهم إليها اجتهاداتهم‮ - ‬فرأوا أنَّ‮ ‬دينهم قد أوجبها عليهم‮ ‬, وأنَّ‮ ‬ربهم قد أمرهم بها‮ ‬, وأنَّ‮ ‬رسولهم قد ارتضاها لهم‮ - ‬وبغض النظر عن صوابها من عدمه‮ - ‬فإنها قد ترسَّخت في‮ ‬نفوسهم وأيقنوا بوجوب العمل بها وسعوا لإنزالها على أرض الواقع واضعين أمام أعينهم أنهم سيسألون عنها أمام ربهم‮ ‬, فبذلوا في‮ ‬ذلك زهرات شبابهم ونخبة أوقاتهم وأعمارهم‮ .‬ لقد رأوا أنَّ‮ ‬هناك بوناً‮ ‬شاسعاً‮ ‬بين حال المسلمين اليوم شعوباً‮ ‬وحكومات‮ ‬،‮ ‬وبين الصورة المثالية التي‮ ‬كان عليها المسلمون‮ - ‬شعوباً‮ ‬وحكومات‮ - ‬في‮ ‬عصور الازدهار وعلو المسلمين‮ ‬،‮ ‬زمن النبي‮ ‬ والخلفاء الراشدين‮ ‬،‮ ‬ورأوا تداعي‮ ‬الأمم من الشرق والغرب على بلاد المسلمين‮ ‬،‮ ‬وضعف حال الأمة وتفرق كلمتها وتشتت أبنائها‮ ‬, وعلموا أنَّ‮ ‬هذا الحال هو نتاج الابتعاد عن التمسك بدين الله عزَّ‮ ‬وجلَّ‮ ‬،‮ ‬الذي‮ ‬كان سبباً‮ ‬في‮ ‬رُقي‮ ‬الأمة الإسلامية وتصدرها وقيادتها للأمم‮ ‬،‮ ‬ورأوا أنَّ‮ ‬هناك واجبات شرعية ملقاة على عواتقهم‮ ‬،‮ ‬وأهمها هي‮ ‬السعي‮ ‬للنهوض بهذه الأمة وإخراجها من ظلمات الجهل وسواد المعاصي‮ ‬وقتامة الانحراف‮ ‬،‮ ‬إلى نور العلم بالدين ونصاعة الطاعة وبياض الاستقامة‮ .‬

 ولأنَّ‮ ‬الواقع‮ ‬يختلف عن المثال‮ ‬،‮ ‬والعمل‮ ‬يختلف عن التنظير‮ ‬, فإنَّ‮ ‬طريقهم قد أخذ منحىً‮ ‬آخر‮ ...‬ كان‮ ‬يمكن أن تبذل جهودهم في‮ ‬الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى بالكلمة الطيبة والحكمة والموعظة الحسنة‮ ‬،‮ ‬فيخرج بسببهم الكثير من الناس من ظلمات المعاصي‮ ‬،‮ ‬إلى نور الطاعة‮ ..... ‬لقد كان‮ ‬يمكن أن‮ ‬يتحقق ذلك‮ ‬, لو كانت الظروف‮ ‬غير ما كانت عليه الظروف‮ ‬،‮ ‬إلاَّ‮ ‬أنَّ‮ ‬ذلك لم‮ ‬يكن‮ ... ‬ولقد كان للواقع دَوْرُهُ‮ .... ‬ وكان لغياب العلماء ووسائل نشر العلم وقلة الموجهين دورٌ‮ ‬كبيرٌ‮ ‬في‮ ‬عدم صواب الاختيار‮ ‬, كما كان لقلّة مجالات الدعوة بل وانعدامها في‮ ‬بعض الأحيان بحيث لا‮ ‬يجد الإنسانُ‮ ‬سبيلاً‮ ‬متاحاً‮ ‬للعمل من خلاله لدين الله‮ ‬،‮ ‬كان لذلك كله دور كبير في‮ ‬تضييق دائرة الاختيار للعمل للدين‮ .‬ والناظر في‮ ‬تلك الظروف وما أحاط بها من ملابسات‮ ‬،‮ ‬لا‮ ‬يستغرب أن‮ ‬يكون ما‮ ‬يتولد عنها هو ما حدث في‮ ‬الواقع‮ ‬, أمَّا ماذا كان‮ ‬ينبغي‮ ‬أن‮ ‬يكون‮ ‬،‮ ‬فهذا ما كُتبت أبواب هذه الدراسات الشرعية من أجله‮.‬ ونعود للسؤال‮ : ‬وهو هل التغيير في‮ ‬القناعات الشرعية هو من ضمن التغيير الطبيعي‮ ‬والمحمود ؟ فنقول‮ : ‬لقد أجمع علماء الإسلام في‮ ‬القديم والحديث على وجوب رجوع الإنسان للحق متى ظهر له‮ ‬،‮ ‬وأجمعوا على أنَّ‮ ‬الرجوع إلى الحق أولى من التمادي‮ ‬في‮ ‬الخطأ‮ .‬ والحقيقة أنَّ‮ ‬هذا من كمال الخضوع والعبودية لله تعالى‮ ‬،‮ ‬فإنَّ‮ ‬الإنسان إذا كان‮ ‬يسعى لمرضاة الله عزَّ‮ ‬وجلَّ‮ ‬في‮ ‬أمره كله‮ ‬،‮ ‬فلا بدَّ‮ ‬أن‮ ‬يكون ظاهره وباطنه منقاداً‮ ‬لدينه ولأوامره‮ ‬،‮ ‬فمتى ظهر له حكم الله في‮ ‬شيء سارع إليه‮ ‬،‮ ‬لا‮ ‬يمنعه من ذلك هوىً‮ ‬في‮ ‬نفسه‮ ‬،‮ ‬ولا خوف من انتقاد‮ ‬غيره‮ ‬،‮ ‬ولا رغبة في‮ ‬متاع زائل‮ ‬،‮ ‬ولذلك جاء في‮ ‬الحديث‮ ( ‬لا‮ ‬يؤمن أحدكم حتى‮ ‬يكون هواه تبعاً‮ ‬لما جئت به‮ ) .‬ إنَّ‮ ‬المقصد من وضع الشريعة كما‮ ‬يقول الإمام الشاطبي‮ ‬رحمه الله هو‮ ( ‬إخراج المكلف من داعية هواه حتى‮ ‬يكون عبداً‮ ‬لله اختياراً‮ ‬كما هو عبدٌ‮ ‬له اضطراراً‮ ) .‬ وإذا ذكرنا أنَّ‮ ‬دوافعنا السابقة هي‮ ‬الرغبة في‮ ‬مرضاة الله تعالى‮ - ‬وإن جانَبَنَا الصواب‮ - ‬فهل‮ ‬يمكن أن نتردد في‮ ‬التمسك بالصواب الذي‮ ‬ظهر لنا؟ لا نريد هنا أن نذكر الأدلة الشرعية على جواز تغيير اجتهادات الإنسان‮ ‬،‮ ‬ولا أفعال وأقوال أئمة الإسلام‮ ‬،‮ ‬ولا نحو ذلك‮ ‬, إذ هو أشهر من أن‮ ‬يذكر في‮ ‬هذا الموطن‮ .‬ لقد سلكنا طريقاً‮ ‬قي‮ ‬سابق عمرنا ونحن نعلم مشقته وغرابته على الناس‮ ‬،‮ ‬ولم نلتفت إلى أقوال المنتقدين واعتراضاتهم حينها‮ ‬،‮ ‬فإذا علمنا الصواب في‮ ‬غير ذلك الطريق الآن‮ ‬, فهو أولى بالإتباع‮ ‬،‮ ‬هذا من جهة التغيير في‮ ‬الرأي‮ .‬

 أمَّا كيف‮ ‬يمكن ذلك ؟ فإنَّ‮ ‬الإنسان‮ ‬يزداد علماً‮ ‬يوماً‮ ‬بعد‮ ‬يوم‮ ‬, سواءً‮ ‬من العلوم الشرعية أو من تجارب الحياة‮ ‬،‮ ‬كما أنَّ‮ ‬واقع البشر‮ ‬يتغير تغيراً‮ ‬جذرياً‮ ‬يوماً‮ ‬بعد‮ ‬يوم‮ ‬, ومن‮ ‬غير المختلف فيه بين العلماء‮ ‬،‮ ‬أنَّ‮ ‬الاجتهادات الشرعية تُبنى على أمرين‮ ‬, العلم بالشرع والعلم بالواقع‮ ‬،‮ ‬ونحن من خلال دراستنا الشرعية‮ ‬واطّلاعنا على المسائل وتدقيقنا فيها‮ ‬،‮ ‬وكذلك دراستنا المتعمقة والدقيقة في‮ ‬تجربتنا التي‮ ‬استمرت سنوات طويلة‮ ‬،‮ ‬ونظرتنا للواقع المحيط وظروفه المتغيرة‮ ‬, توصلنا إلى القناعات التي‮ ‬أودعناها في‮ ‬هذه الدراسات والأبواب والتي‮ ‬أردنا بكتابتها أن نضع معالم واضحة لكل من‮ ‬يريد السير في‮ ‬طريقٍ‮ ‬يخدم به دينه وأمته‮ ‬, مستشعرين الأمانة العظيمة التي‮ ‬كُلِّف بها كل مسلم وهي‮ ‬النصح للمسلمين ولدينهم‮ ‬والكثير مما سنذكره في‮ ‬هذه الأبواب هو من المسائل العادية التي‮ ‬تطرح في‮ ‬الكتب الشرعية القديمة والحديثة‮ ‬, فهي‮ ‬مسائل مبثوثة في‮ ‬كتب الفقه وغيرها‮ ‬‮ ‬لكننا تعمدنا الحديث عنها باستفاضة لأننا‮ - ‬من دون الكثيرين‮ ‬غيرنا‮ - ‬لمسنا أهميتها وتأثيرها في‮ ‬قناعات كل إنسان‮ ‬يسعى لإقامة دينه‮ ‬،‮ ‬ورأينا أنَّ‮ ‬أي‮ ‬قصور فيها‮ ‬أو نقص في‮ ‬تصورها‮ ‬،‮ ‬أو انحراف في‮ ‬تطبيقها سوف‮ ‬يسوق في‮ ‬النهاية إلى نتائج تختلف تماماً‮ ‬عن‮ ‬غرض صاحبها مهما كانت نياته حسنة ومقاصده مشروعة‮ .‬ كان‮ ‬يمكن أن نكتفي‮ ‬بملخصات في‮ ‬تلك الأبواب ونحيل القارئ إلى مراجع العلماء الأولين والآخرين وسيجد فيها ما ذكرناه وزيادة‮ ‬, لكن ذلك لن‮ ‬يؤدي‮ - ‬في‮ ‬نظرنا‮ - ‬الغرض الذي‮ ‬أردناه لذلك حرصنا أن‮ ‬يكون التأصيل الشرعي‮ ‬هو الركيزة في‮ ‬هذه الدراسات‮ .‬ وكان‮ ‬يمكن أن نجعل الأبحاث نصائح وإرشادات واستنباط للعبر من التجارب والممارسات دون التطرق إلى التأصيل الشرعي‮ ‬والتدليل‮ ‬, لكن ذلك لن‮ ‬يؤدي‮ ‬الغرض الذي‮ ‬أردناه لأننا ما أردنا أن‮ ‬يتلقف أحدٌ‮ ‬ممن‮ ‬يقرأ كتاباتنا نصائح مجردة أو آراء خاصة‮ ‬, بل أحببنا أن تنشأ عند الإنسان ملكة في‮ ‬تقدير الأمور ومن ثمَّ‮ ‬الاستقلال في‮ ‬الاختيار‮ . ‬ إننا كتبنا هذه الدراسات ونحن نعلم أنَّ‮ ‬الدوافع الأولى والمنطلقات التي‮ ‬انطلقنا منها كامنة في‮ ‬عقول وقلوب الكثير من أبناء الصحوة الإسلامية اليوم‮ ‬،‮ ‬وقد تتوفر الكثير من الظروف التي‮ ‬قد تؤدي‮ ‬إلى سلوك نفس السبيل الذي‮ ‬سلكناه مما قد ذكرناه سابقاً‮ ‬،‮ ‬ولذلك أحببنا‮ - ‬ناصحين‮ - ‬أن نوصل هذه القناعات لهؤلاء الإخوة الذين لا نشك في‮ ‬انقيادهم لما‮ ‬يرضي‮ ‬الله‮ ‬،‮ ‬وتمسكهم بما فيه نجاتهم في‮ ‬الدنيا والآخرة وحرصهم على رفعة دينهم وارتقاء أمتهم‮ .‬

 هي‮ ‬تجـربة خلاصتــها‮ :
‬ أنَّ‮ ‬أبناء الصحوة سيكونون بخير وسداد إذا ما رجعوا إلى العلماء الثقات في‮ ‬أمورهم وأعمالهم لاسيما فيما‮ ‬يترتب عليه نتائج عظيمة تتعلق بالمصالح العامة لبلدهم وأمتهم‮ ‬،‮ ‬وبقدر تزودهم بالعلم الشرعي‮ ‬وتبصرهم بالواقع فإنَّ‮ ‬اختياراتهم ستكون مسددةً‮ ‬وموفقةً‮ .‬وأنَّ‮ ‬طريق الارتقاء بالأمة طويل‮ ‬يحتاج إلى صبر ومصابرة‮ ‬،‮ ‬وجهد ووقت‮ ‬،‮ ‬لأنَّ‮ ‬الأمة الإسلامية لم تصل إلى ما وصلت إليه من تخلف وتأخر بين عشية وضحاها‮ ‬،‮ ‬بل كان ذلك نتيجة لتراكم عوامل كثيرة‮ ‬،‮ ‬استمر الانحدار فيها لقرون طويلة‮ ‬،‮ ‬فمثل هذا الخلل لا‮ ‬يمكن معالجته بحلول مستعجلة ولا أعمال حماسية‮ ‬،‮ ‬ولا تصرفات عاطفية‮ .‬ وأنَّ‮ ‬للأمة مصالح كبرى لابدَّ‮ ‬من معرفتها واستحضـارها والحرص عليها وعدم التفريط فيها‮ ‬, وذلك كوحدة المسلمين وهيبتهم واستقرارهم وأمنهم وسمعة الإسلام وأهله ونحو ذلك‮ ‬, فإن تعارض حفظها مع أيٍّ‮ ‬من المصالح الأصغر منها‮ ‬, فلا خلاف في‮ ‬ترك تلك المصالح الصغيرة‮ ‬, ولذا فإنَّ‮ ‬اعتبار مآلات الأمور معتبر شرعاً‮ ‬, والنظر في‮ ‬نتائج التصرفات مأمور به‮ ‬, ولن‮ ‬يكون ذلك إلاَّ‮ ‬بالتثبت الدقيق قبل الإقدام على أي‮ ‬أمر من الأمور‮.‬ وأنَّ‮ ‬من المطلوبات الشرعية‮ ‬, ما هو في‮ ‬منـزلة المقاصد التي‮ ‬جعلت مرادات للشارع‮ ‬،‮ ‬كهداية الناس وانتشار الإسلام وعلو أهله وصلاحهم وتكثير الخير‮ ‬, ومنها ما هو في‮ ‬منـزلة الوسائل المؤدية إلى تلك المقاصد‮ ‬, وذلك كالأمر بالمعروف والنهي‮ ‬عن المنكر والجهاد في‮ ‬سبيل الله ونحوه‮ ‬, فلا‮ ‬ينبغي‮ ‬جعل الوسائل‮ ‬غايات مقصودة لذاتها أو تقديمها على مقاصدها حال التعارض‮ ‬, وإلاَّ‮ ‬نتج من ذلك انعكاس في‮ ‬الأمور‮ .. ‬وغير ذلك من المسائل التي‮ ‬احتوتها هذه الدراسات‮ ‬،‮ ‬إذ أنَّ‮ ‬كل كلمة فيها وإن كانت مجردة فهي‮ ‬تذكير أو نصيحة أو إشارة أو فتح لأبواب الاهتمام والتثبت‮ ‬،‮ ‬ونسأل الله سبحانه وتعالى أن‮ ‬يسددنا في‮ ‬ذلك‮ .‬ يتبــــــــــــــــــــــــــــــــع

التعليقات (0)

أضف تعليق

هذا الموضوع تم اغلاقه. لايمكنك ان ترسل اي تعليقات..

busy
حاليا يتواجد 446 متصفح لموقع صحيفة أويا

تسجيل الدخول