العرب يريدون إقناع الجميع وخاصة بأن السياسة الأمريكية تغيرت منذ جاء أوباما، فنراهم كلما تكلمواعن أمريكا قارنوا بين هذا العهد وعهد بوش الابن للبرهنة على مدى صوابية كلامهم في حين الواقع الذي لايريد أن يفهمه العرب أو على الأقل الطرف المفاوض منهم هو أن أمريكا وتاريخها مع العرب لم يبدأ ببوش ولن ينتهي بانتهائه ومن هذا المنطلق على العرب أن يبحثوا لنا عن تبرير آخر يفسر سبب جريهم خلف كلمات وتصريحات لم ير خيرها من شرها منذ أن ألقيت في القاهرة قد يكون الرجل طيبا ولكننا يجب الا نكون مغفلين مرة أخرى ولن نؤمن حتى نرى كلامه قد تحول إلى أفعال .جاءت مؤخرا فرصة لكي يتحدث العرب عن مدى الاختلاف الحاصل بين هذه الإدارة والإدارة السابقة فعندما قام جورج ميتشل مبعوث أوباما للشرق الأوسط بإلغاء لقائه مع نتنياهو تلفت العرب لبعضهم البعض مبتسمين كعلامة على صحة ظنهم في سياسة الرجل بل أن بعضهم صرح وبكل ثقة وعلى ضفاف هذا الموقف أن أمريكا أوباما قد شربت لبن السباع ولم تعد تخشى سطوة الصهاينة أو نفوذهم بينما الحقيقة تقول أن العرب مبالغون فالأمريكان لم يشربوا لبن السباع ولن يستطيعوا وقف الصلف الصهيوني والعرب قد قرروا المزيد من التنازل ولهذا هم لازالوا مستمرين في أوهامهم .فالذي حصل من ميتشل لايتعدى أن يكون سياسة وقد أعطت ثمارها .
إن الاستياء الأمريكي من استمرار عمليات البناء الصهيوني داخل الضفة والذي حاول ميتشل بالغائه اللقاء مع نتنياهو أن يبرزه كموقف أمريكي رسمي رافض لهذه العمليات كان بالإمكان قبوله والنظر اليه بتقدير لو أنه صدر من دولة أخرى غير الولايات المتحدة الأمريكية صاحبة الفضل الأول والأخير على هذا الكيان المارق فالعشم في دولة عظمى كأمريكا هو التكفير عن ذنبها في مساندتها طيلة سنين طويلة لهذا الكيان على حساب الحقوق العربية وبالتالي آن الأوأن أن تقوم أمريكا بمعاقبته ماديا عبر قطع كافة المعونات والمساعدات لا أن تقوم بمقاطعته في الفنادق والردهات .البعض المتابع للتحركات السياسية التي تجري هذه الأيام على الساحة العربية ربط هذا التصرف الأمريكي الأستعراضي بالموقف العربي المتراخي حيث أعتبره بمثابة تغطية لما قرره وزراء الخارجية العرب من تعهد ببذل قصارى الجهود في سبيل دعم التحرك الأمريكي واتخاذ ما يلزم من خطوات لدعم هذا التحرك والقبول بتطبيع تدريجي مع الكيان الصهيوني استجابة لطلب واشنطن وقبولا بكل ما ورد في خطاب الرئيس الأمريكي في جامعة القاهرة.مضيفين أنه طيلة المدة التي سبقت خطاب أوباما كان العرب يعتبرون مبادرتهم السلمية هي المرجعية في تحركاتهم السياسية في اتجاه حل الصراع العربي الصهيوني ولكننا نفاجأ ان بيان وزراء الخارجية العرب وبما يحمله من معاني ودلالات قد اعتبر خطاب الرئيس الأمريكي في القاهرة مرجعية لتحركهم السياسي وهو ما يدعو إلى الاستغراب والدهشة فأين السياسة العربية والنظرة العربية والموقف العربي كيف يتم تجاوز الخطاب السياسي العربي الرسمي لمجرد خطاب تم القاءه ولم نر نحن أصحاب الحق أي أثر لهذا الخطاب على عدونا غاصب أرضنا ومنتهك حرماتنا ثم أين ذهب ذلك التشدد العربي الذي لف المبادرة واعتبرها أمرا مقدسا لايقبل النقاش لمجرد أن عربي قد تساءل عن جدواها في ظل ضعف وهزال عربيين واضحين .
ثم أين الخيارات العربية الأخرى ألا نملك نحن العرب إلا أن نكون تبعا ومنفذين لسياسات غيرنا؟.. إن ما صدر عن العرب هو عجيبة تضاف؟ إلى عجائبهم المتكررة،فالتشديد في البيان الصادر عن وزراء الخارجية العرب على ما ورد في خطاب أوباما وإعلانهم التمسك بالحل على قاعدة تحقيق السلام الشامل وقيام الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف هو أمر لم تذكره السياسة الأمريكية الحالية ولم يرد في خطاب أوباما المشار إليه ولا حتى في المبادرة الأمريكية الجديدة التي يعرضها المبعوث الأمريكي ميتشل!! إن التوجهات العربية نحو تبني خطاب الرئيس الأمريكي أوباما واعتباره مرجعية مقبولة من قبلهم لحل النزاع العربي الصهيوني قبل أن تتضح معالم هذا الخطاب العام أو تتم ترجمته إلى واقع يطمئن العرب على عودة حقوقهم إليهم أو يلبي طموحاتهم المشروعة يدخل في باب الأخطاء الاستراتيجية القاتلة التي ستنهي قضيتهم وإلى الأبد، فهذا الموقف العربي المؤيد للخطاب الأمريكي سيدخل القضية في متاهات يجيدها العدو الصهيوني ويقف عندها العرب عاجزين فدائما وكما هي العادة يكون العرب هم المطالبون بالتنازل وتقديم الضمانات والتعهدات وكأنهم هم المعتدين الذين يحتلون أرض الغير مما سيجعل العرب وبشكل دائم أمام مطالب ومطامع صهيونية لا حدود لها لأن الفهم الصهيوني لهكذا إعلان لن يرضى بأقل من التطبيع المجاني وهو ما يعني هزيمة للمشروع العربي للسلام الذي أنهكنا به النظام العربي الرسمي وبالمحصلة سيصطدم العرب برفض صهيوني مستميت لأي طلب عربي أوحتى أمريكي بقيام دولة فلسطينية مستقلة أو وقف تهويد القدس ولن يقبل العدو الصهيوني بعودة اللاجئين وبالتالي لن تكون هناك غير الهزيمة والإحباط . السياسات العملية الصهيونية المتطرفة حتى هذه اللحظة لم نر موقفا أمريكيا يوقفها أو يعمل على وقفها رغم مخالفتها لما جاء في خطاب أوباما هذا الخطاب الموجه في الأساس إلى فريقين متصارعين كان يفترض أن يحمل آلية معينة بحيث يتم من خلالها إيقاف كافة ما طالب الرئيس الأمريكي بإيقافه ولكننا نجد أن العرب وحدهم هم الذين سارعوا بتلبية متطلبات الخطاب دون أية ضمانات تحت ذريعة سحب البساط من تحت أقدام الصهاينة ووضع الكرة في ملعبهم بينما العرب دائما يلعبون نفس اللعبة ويخسرون .آخر ما قام به العدو الصهيوني وتطلب موقفا أمريكيا حازما كان بالإمكان أن نرى منه مصداقية على ما جاء في خطاب أوباما هو قيام العدو الصهيوني بالإعلان عن بيع املاك الغائبين أو اللاجئين من الفلسطينيين ضحايا حرب عام 1948 مسيحي التي فيها احتلت العصابات الصهيونية الأراضي الفلسطينية وأقامت ما تسميه بدولة إسرائيل وهي خطوة ليست جديدة لم تفاجئ سوى من يعتقد أن هذا الكيان الغاصب بإمكانه أن يلتزم بالمعايير الدولية في معاملته مع الفلسطينيين والعرب وأملاكهم التي يهيمن عليها، فالقانون الدولي وهذا من اختصاص أمريكا يمنع القوة الاستعمارية المحتلة التي قامت باحتلال الأرض بقوة السلاح من بيع أملاك السكان الأصليين.
إن قرار بيع أملاك الفلسطينيين في جميع الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 48مسيحي قرار صهيوني عنصري تعسفي يهدف لتوصيل رسالة واضحة وجلية للعرب بأن لا عودة إلى هذه الديار وأن ملف حق العودة يجب إغلاقه واعتباره وكأنه لم يكن وأن على العرب أن يحلوا هذه المشكلة خارج الدولة اليهودية أي بمعنى أوضح على العرب أن يوطنوا اللاجئين الفلسطينيين في بلدانهم بحيث يبقى كل فلسطيني لاجئ حيث هو في البلد الذي ضمه منذ عشرات السنين ونعتقد أن الكرم العربي لايرفض تقديم المعونة لأخيه الفلسطيني المحتاج فهذا عشم الصهاينة في العرب .. السؤال أين الدور الأمريكي من كل هذا ماذا ينتظر الأمريكان ليقوموا بموقف حازم وحاسم يقف في وجه هذه الاجراءات الاستفزازية الصهيونية التي تعقّد الأمور أكثر وتسد كل الطرق أمام الجهود الأمريكية والدولية الساعية والداعية لإحياء عملية السلام؟ كما أن هذه التصرفات تقطع الطريق أمام أي دور أمريكي حقيقي وفاعل بل وتعطي الانطباع غير الجيد حول الموقف الأمريكي وتظهره بمظهر المتردد والضعيف .
الصهاينة لا يسلمون رقابهم لأحد ولو كان صديقهم الأمريكي بعكس العرب تماما الذين يفرحون لمجرد كلمة إنسانية خرجت من أحدهم دون أن يبحثوا عن مدى مصداقيتها وقدرتها على التحقق مثلما حصل في الآونة الأخيرة من تهليل عربي لمجرد زيارة خاصة قام بها رئيس أمريكي أسبق لغزة حيث أخذت هذه الزيارة من الأصداء والفرقعات الإعلامية لدى العرب الشيء الكثير بالرغم من أن الرئيس كارتر لم يفعل شيئا للعرب يوم كان يملك زمام المبادرة وقد تهاطل عليه العرب يومها يخطبون وده ويتوسلون عدالته إلا أنه لم يستطع أن يزحزح الصهاينة عن مواقفهم فكيف للعرب أن يصدقوا أنه بمقدوره أن يفعل شيئا بعد أن فقد كل شيء بل على العكس من ذلك تماما يجب على العرب أن يشكوا فيه لو أن أمرا حدث على يديه لأن الصهاينة لم يقبلوه وهو رئيسا فهل يعقل أن يقبلوه مواطنا عاديا . خلاصة القول أن هناك حقيقة لاتتغير ويجب على العرب التعامل معها وأخذها بعين الاعتبار وهي أن الضغط على العدو الصهيوني لايكون عبر واشنطن فقط أو بالتمني على واشنطن أن تفعل ذلك وإنما يبدأ وينتهي من البلاد العربية وبواسطة تفعيل القدرات العربية لتكون قادرة على الضغط كما أن التعويل على حسن العلاقات مع واشنطن على أنها السبيل الوحيد للضغط هو أمر مخالف للحقيقة فيجب أولا أن تكون العلاقات بين العرب جميعا حسنة وجيدة حتى يكون بالإمكان تفعيل وسائل الضغط على هذا العدو كما أن الرهان على تبدل الرؤساء في البيت الأبيض الأمريكي واعتبار ذلك من أوجه الحل هو وهم وسطحية وقد أثبت هذا فشله طيلة السنين التي تبدل فيها الرؤساء الأمريكان.. إن العرب بأمس الحاجة إلى تغيير استراتيجياتهم المعتمدة على الاستجداء والتنازلات والعيش في الواقع الذي طالما هربوا من مواجهته والذي يقول لهم بلسان عربي فصيح أنه لا حل للقضية الفلسطينية التي طال أمد حلها إلا بالسلاح والسلاح وحده نعم العرب غير مهيئين الآن لأنهم لا يملكون جيوشا قادرة على خوض حروب جديدة العرب... العرب... كل ذلك مفهوم ولكن غير المفهوم هو بقاء بعض الأنظمة العربية وبعض مفكري تلك الأنظمة ومثقفيها تضحك على شعوبها من خلال ترويج أن مفاوضات ومحادثات سلام يمكن أن تعيد الحق لأهله.


