لا يمكن للمتابع لما يجري في الصومال ؛ إلا القول أنه مجتمع دولي يفتقد إلى النزاهة السياسية والأخلاقية ؛ في موقفه مما يدور هناك ؛ ففي حين تتجمع أساطيل الدول الكبرى لمواجهة القراصنة الصوماليين ، يغيب الصومال الشعب المُدمى والمنكوب بفعل الجراحات الداخلية، التي دمرت الكيان الصومالي على مذبح المصالح القبلية التي انتصرت للقبيلة والعشيرة على حساب الدولة ؛ التي تشكل مظلة لمجموع الشعب الصومالي ، دون أن يحرك هذا المجتمع الدولي ساكنا لإنقاذ هذا الشعب المنكوب . ذلك أنه بمرور الزمن تطور نشاط القراصنة باكتسابهم مهارات فنية عالية ؛ وفرتها لهم كميات الأموال الهائلة التي تحصلوا عليها من عملياتهم المختلفة ، فامتلكوا الزوارق المطاردة السريعة ؛ ذات المحركات الحديثة ، وحصلوا على أسلحة خطيرة مثل آر بي جي ، وأجهزة استكشاف ووسائل اتصال متطورة ، بحيث بات مجال تحركها يتجاوز الشاطئ الصومالي إلى عمق المحيط الهندي ، الأمر الذي على ضوئه يمكن معه وباطمئنان ؛ تجاوز ربط عمليات القرصنة في راهنيتها بموضوع رد الفعل . ولهذا السبب فإن هناك من يربط بين القرصنة القائمة حاليا ، وبين بعض المنظمات الإسلامية التي توصف بالإرهاب ، وفي هذا الإطار صرح وزير الخارجية اليمني بأن " لدى الحكومة اليمنية ؛ معلومات عن وجود عناصر تنتمي لتنظيم القاعدة بين عصابات القراصنة " ؛ يعزز ذلك أن هناك إمكانيات لدى القراصنة لا تملكها إلا الدول .
فيما قال رئيس جهاز الأمن القومي ومدير مكتب الرئيس علي عبدالله صالح ، أنه لا يستبعد تورط عناصر تنظيم القاعدة في أعمال إرهابية في البحر ، خاصة وأن هناك على الأقل 83 سفينة أجنبية تعرضت لهجمات من قبل القراصنة في المحيط الهندي وخليج عدن حسب المكتب البحري الدولي خلال عام 2008 وهذا العدد يبلغ ضعف حصيلة العدد عام 2007 وتراوحت الفديات التي يحصل عليها القراصنة بين مئات الآلاف والملايين من الدولارات ، وذلك حسب نوع السفينة التي يستولون عليها وهوية الرهائن ، وقد قُدرت مكاسب القراصنة عام 2008 بحوالي 30 مليون دولار ، وهو إجمالي الفديات التي تدفعها الشركات الملاحية للقراصنة . وأمام هذه الفوضى القائمة في منطقة خليج عدن والساحل الصومالي والمحيط الهندي ؛ فإن مقاربات البحث عن الحل باستئصال هذه الظاهرة واقتلاعها من جذورها عبر مسارعة بعض الدول إرسال سفنها الحربية لخليج عدن ، واعتزام الاتحاد الأوروبي إرسال المزيد من السفن للمنطقة بهدف القيام بدوريات لمكافحة القرصنة ، تبدو حسب التايمز البريطانية " مجرد مسكنات مثل وضع شريط لا صق على الجرح ، وأن الحل الحقيقي لمواجهة الظاهرة هو التوصل إلى حل للصراع في الصومال " .
وتلك المقاربة هي ما توصل لها ولكن من زواية رؤية أخرى البنتاجون ؛ الذي يقول أنه من المستحيل السيطرة على منطقة بحرية تبلغ مساحتها 6.6 مليون كيلو متر مربع ، ولهذا السبب أعلنت وزارة الدفاع الأمريكية ، أن الحل لا يمكن أن يكون عسكريا فقط. وهذه القناعة التي بدأت تشق طريقها في ظل هذا التواجد المكثف للأساطيل الحربية الأجنبية للعديد من دول العالم ، خاصة بعد أن تم التيقن أنه ؛ وفي ظل وجود هذا الكم والكيف العسكري البحري ، فقد استمرت عمليات القرصنة ، بنفس الوتيرة ، حتى بدا واضحا أن صعوبة السيطرة على هذه الظاهرة ؛ تعود إلى أنها تأتي من بلد لا توجد به دولة وسلطة ؛ إن بالمعني السياسي أو الاقتصادي أو الأمني ؛ ومنذ عقدين من الزمن . والخص الأدميرال فيليب جونز قائد بعثة الاتحاد الأوروبي لأعمال الإغاثة في الصومال ؛ صعوبة الموقف إلى استحالة مراقبة مياه خليج عدن التي تزيد عن مليون كيلو متر مربع ؛ بعدد محدود من السفن الحربية ؛ ومن جانب آخر استحالة التحرك على الأرض الصومالية في الوقت الراهن في ظل الحرب الأهلية ، وغياب الدولة بمعناها العملي ، إضافة إلى تحول القراصنة إلى قوة ؛ بعد أن صالوا وجالوا في تلك المنطقة لمدة أربع سنوات .
وإذا ما سلمنا أن البداية هي في غياب الدولة التي تستطيع أن تفرض الاستقرار والأمن ؛ وتوحد البلاد فإن الشرط المقابل ، هو في أن تكف الدول الأخرى عن استباحة السيادة الصومالية ؛ من أجل محاصرة أي دور للقوى التي تريد أن تجعل من الصومال أفغانستان ثانية ؛ وأن تتحمل في الوقت نفسه الدول التي كانت وراء نهب ثروات الصومال ؛ ودفن نفاياتها في السواحل الصومالية ، مسؤولية التعويض على الشعب الصومالي جراء تلك الجريمة ، التي تعتبر تهديدا متعمدا لحياة ملايين الصوماليين ، إضافة إلى كل ذلك النهب للثروات السمكية الصومالية . ويكمل دائرة الحل ما طالب به الأمين العام للأم المتحدة بان كي مون ، من أن حل الصراع في الصومال باعتبارها الخطوة الأولى الضرورية على طريق مواجهة القرصنة ، على أساس أن الصراع مع القراصنة يتطلب مجموعة من المناهج تتضمن عملية السلم في الصومال ؛ ومساعدة الاتحاد الإفريقي الذي يقوم بمهام حفظ السلام في المنطقة ، كما يجب دعم القوات الأمنية الشرعية في الصومال وبعد ؛ إن استمرار الفراغ الأمني في المنطقة ؛ هو الذي مكن القراصنة من القيام بأعمالهم واستمرارها دون عوائق وخوف ؛ وهذا الأمر ينطبق على الصومال كما ينطبق على الدول العربية المشاطئة للبحر الأحمر وخليج عدن ؛ ذلك أن الفراغ هو الذي ؛ يسمح للقوى الأجنبية وقوى أخرى من التواجد في المنطقة على حساب مصالح شعوبها ، والشعب الصومالي هنا ؛ هو الأكثر تضررا في ذلك ؛ لأن ملء الفراغ ؛ كفيل عندئذ بسحب كل الذرائع من أيدي الدول الأوروبية وغيرها من حق التواجد في المنطقة ، وهو التواجد الذي يهدد وجود المنطقة وأمنها واستقراها ومصالح شعوبها . ومن الصومال نبدأ ، فمن هناك فقط يبدأ الحل .


