إتجاهات الرأي

طرابلس
° ° °
الجمعة السبت الأحد

فقدان المصداقية

الاحتجاجات في ايران

 لقد انشغل العالم أيما انشغال في‮ ‬شهر الصيف لهذا العام بالانتخابات الإيرانية،‮ ‬مع أن الترقب المسبق أولى تركيزا متساويا للانتخابات اللبنانية والإيرانية‮. ‬ولكن الانتخابات اللبنانية سرعان ما حسمت من خلال اعتراف المعارضة في‮ ‬اليوم ذاته بنتائج الانتخابات رغم تحفظها على بعض الوسائل والأساليب التي‮ ‬استخدمت فيها،‮ ‬ليتفرغ‮ ‬المشاهدون بعد ذلك لمتابعة حلقات المناظرة بين المرشحين للرئاسة الإيرانية‮. ‬ ولكن التحليل والتفكير والترقب والاستنتاج سرعان ما انحسر ليعطي‮ ‬طريقا لحملات إعلامية مكثفة تتابع لحظة بلحظة احتجاجات الفريق الخاسر في‮ ‬الانتخابات على النتيجة،‮ ‬رغم أن النتائج المعلنة أوضحت أن الفرق بينهما‮ ‬يصل إلى أحد عشر مليون صوت ‮ ‬وليست بضعة آلاف من الأصوات في‮ ‬ولاية واحدة‮ ‬يمكن أن‮ ‬يعاد فرزها كما حدث بين آل‮ ‬غور وجورج دبليو بوش عام‮ ‬2000. ‮ ‬لن أناقش هنا الموقف من نتائج الانتخابات ومن هو على حق ومن هو على باطل،‮ ‬ولكن الهدف هو أن أرصد سلوكا سياسيا وإعلاميا وأحلله وأضعه في‮ ‬الأطر والمعايير الدولية المتعارف عليها‮. ‬ فقد سبق للغرب أن أنكر نتائج انتخابات ديمقراطية حرة ونزيهة بشهادة الرئيس كارتر والأمم المتحدة التي‮ ‬جرت في‮ ‬غزة عام‮ ‬2005 ومع ذلك استنكف العالم الغربي‮ ‬عن الاعتراف بنتائج تلك الانتخابات،‮ ‬لا بل أطلق‮ ‬يد إسرائيل لتدمير الديمقراطية الفلسطينية عبر اعتقال ثلاثة وثلاثين عضو برلمان منتخب،‮ ‬وأصبح مجرد اعتقال نواب منتخبين،‮ ‬ومنهم رئيس البرلمان عزيز الدويك،‮ ‬يمثل فضيحة سياسية وأخلاقية لإسرائيل وحلفائها ونفاقهم المقيت‮. ‬

 ويسرد الرئيس كارتر كيف أنه اتصل باللجنة الرباعية،‮ ‬التي‮ ‬كان من المزمع أن تعقد في‮ ‬لندن بعد الانتخابات،‮ ‬وطلب من رئيسها إذنا بأن‮ ‬يتحدث للجنة ويضعها بصورة الانتخابات،‮ ‬فوافق الرئيس،‮ ‬ولم تعد رايس وزيرة الخارجية الأميركية في‮ ‬ذلك الوقت قادرة أن ترفض منح الفرصة لرئيس أميركي‮ ‬أسبق بعد أن وافقت أوروبا وروسيا على إعطائه فرصة الكلام‮. ‬وقيل للرئيس كارتر حينئذ لديك اثنتا عشرة دقيقة،‮ ‬فقال‮: ‬«هذا كل ما أحتاجه». وسافر إلى لندن على وجه السرعة وقدم عرضا عن نزاهة الانتخابات في‮ ‬غزة وشفافيتها وواجب الغرب الديمقراطي‮ ‬الاعتراف بنتائج هذه الانتخابات،‮ ‬وبعد أن قدم عرضا للرباعية،‮ ‬والكلام للرئيس كارتر،‮ ‬قرأت رايس الورقة الأميركية،‮ ‬التي‮ ‬أعدها مسبقا لها إليوت أبراهامز،‮ ‬ولم تأت ولو على ذكر جملة واحدة مما قاله الرئيس كارتر عن الانتخابات‮. ‬وأضاف الرئيس كارتر بحسرة‮ ‬«وكأنني‮ ‬لم أقل شيئا،‮ ‬وكأنني‮ ‬لم آت إلى لندن وأعرض ما حدث وما‮ ‬يتوجب علينا فعله».

 في‮ ‬مفارقة صارخة مع هذه الحادثة التي‮ ‬استذكرها الرئيس كارتر في‮ ‬دمشق بعد أن أنجز إشرافه على الانتخابات اللبنانية وحيا موقف المعارضة هناك،‮ ‬شهدنا موقف الغرب من الانتخابات الإيرانية،‮ ‬حيث انشغل الساسة والإعلاميون الغربيون وتجاهلت الصحف ومحطات التلفزة برامجها المعدة وأخبار العالم،‮ ‬لتركز على حدث واحد ووحيد،‮ ‬ألا وهو اعتراضات الخاسرين في‮ ‬الانتخابات الإيرانية على نتائجها،‮ ‬حيث سارعت معظم الصحف الأميركية والغربية إلى الطعن بنتائج الانتخابات الإيرانية،‮ ‬وقرر كتّاب الرأي‮ ‬والأخبار والمحللون قرار رجل واحد أن الانتخابات في‮ ‬إيران لم تكن حرة،‮ ‬موجهين انتقادات لاذعة للحكومة الإيرانية ومعبرين عن أعمق الشكوك بنتائج هذه الانتخابات‮. ‬ ولا‮ ‬يتسع المجال هنا حتى لاستعراض العناوين التي‮ ‬امتلأت بها الصفحات الأولى والصفحات الداخلية للجرائد الأميركية والبريطانية والمجلات الرئيسة من‮ ‬«النيوزويك» إلى‮ ‬«الإيكونومست» (التي‮ ‬صدر عددها‮ ‬20 ـ‮ ‬26 الصيف‮ / ‬يونيو بعنوان‮: ‬إيران تنتفض‮)‬،‮ ‬ولكن الاستنتاج الدقيق والهام،‮ ‬هو أن الإعلام الغربي‮ ‬برمته،‮ ‬ومن دون أي‮ ‬تمايز،‮ ‬تبنى وجهة نظر الخاسرين وقدم دعما مطلقا لمرتكبي‮ ‬أعمال الشغب والتفجير وحرق الباصات وسرقة المحال التجارية وأصبحت كلمة الرعاع‮ ‬«Mob» فجأة كلمة إيجابية في‮ ‬صفحات الرأي‮ ‬الغربية،‮ ‬بل أصبحت‮ ‬«Mob» التي‮ ‬هي‮ ‬كلمة سلبية جدا في‮ ‬كل أدبيات السياسة الغربية لأنها تشير للجمهور اللامسؤول والفالت من عقاله،‮ ‬أصبحت كلمة خلاقة في‮ ‬حالة إيران‮ ‬«انظر الغارديان البريطانية‮ ‬19 الصيف ص23». ولاحظ الرئيس أوباما‮ ‬«عنف» الشرطة الإيرانية،‮ ‬ودان‮ ‬«الوحشية» وتباكى الجميع في‮ ‬الغرب على الحق في‮ ‬التظاهر من دون إيذاء،‮ ‬وهم الذين خلال ستين عاما لم‮ ‬يراقب أحد منهم‮ ‬يوما القتل والضرب والتنكيل بحق المتظاهرين في‮ ‬فلسطين على‮ ‬يد الشرطة الإسرائيلية،‮ ‬وحتى هذه الأيام،‮ ‬حيث تشهد نعلين وبعلين الفلسطينيتين تظاهرات أسبوعية ضد جدار الفصل العنصري،‮ ‬وغالبا ما‮ ‬يكون من ضمن المنكل بهم طلاب ومتظاهرون أميركان وغربيون،‮ ‬ومع ذلك لم‮ ‬يلاحظ سياسي‮ ‬غربي‮ ‬واحد حق الفلسطينيين في‮ ‬التظاهر،‮ ‬وبالطبع هم أعجز عن إدانة عنف الجيش الإسرائيلي‮ ‬ووحشيته ضد المدنيين العزل في‮ ‬غزة،‮ ‬لا،‮ ‬بل إن جنود الاحتلال الإسرائيلي‮ ‬قد اعتدوا على مديرة المركز الثقافي‮ ‬الفرنسي‮ ‬في‮ ‬نابلس وسحبوها من سيارتها أرضا وانهالوا عليها بالضرب المبرح قبل أن‮ ‬يسحب جندي‮ ‬إسرائيلي‮ ‬سلاحه عليها ويهددها بالقتل،‮ ‬ومع ذلك لم تفرد الصحف الغربية صفحات خاصة لهذا الاعتداء،‮ ‬علما أنه أحد الاعتداءات التي‮ ‬يقوم بها الجنود الإسرائيليون ضد الدبلوماسيين والمتظاهرين الغربيين الذين عبروا‮ ‬يوما عن قناعتهم بعدالة القضية الفلسطينية‮. ‬ وهل‮ ‬يرى الذين‮ ‬يراقبون ما‮ ‬يجري‮ ‬في‮ ‬إيران،‮ ‬عنف المستوطنين اليهود وهم‮ ‬يعتدون‮ ‬يوميا على المدنيين الفلسطينيين فيحرقون محاصيل المزارعين في‮ ‬نابلس ويحطمون سياراتهم ويجرفون أراضيهم الزراعية‮. ‬ هل‮ ‬يقرأ هؤلاء المتباكون على الخاسرين في‮ ‬إيران ما كتب آلان باببه وما قاله أبراهام بورغ،‮ ‬رئيس الكنيست الإسرائيلي‮ ‬الأسبق عن تفشي‮ ‬«العنصرية والفاشية والتطرف التي‮ ‬تهيمن على إسرائيل».

 لو ندد العالم الغربي‮ ‬بالقمع والعنف والعنصرية والوحشية التي‮ ‬تمارسها إسرائيل منذ سنوات ضد المدنيين الفلسطينيين لاكتسب موقفهم من أجل المرأة الإيرانية ندا سلطاني‮ ‬مصداقية لدى القارئ العربي،‮ ‬ولو أدان الرئيس الأميركي‮ ‬مقتل راشيل كوري‮ ‬الشابة الأميركية التي‮ ‬سحق جسدها البلدوزر الإسرائيلي‮ ‬فقط لأنها حاولت أن تحمي‮ ‬منزلا فلسطينيا من الهدم وطفلا فلسطينيا من القتل العشوائي،‮ ‬لصدقنا أنه مهتم بحياة ندا سلطاني‮. ‬لو قال الساسة الغربيون ولو مرة واحدة إنهم‮ ‬يراقبون ما‮ ‬يفعله المستوطنون اليهود وجنود الاحتلال من جرائم وعنف ووحشية ضد المدنيين من متظاهرين ومزارعين وطلاب،‮ ‬لأخذنا بجدية واحترام ما‮ ‬يقولونه اليوم عن الأحداث في‮ ‬إيران‮. ‬ولكن،‮ ‬وكما أن جنود وشرطة الاحتلال الإسرائيلي‮ ‬تمكنوا من ممارسة القمع والعنصرية ضد الفلسطينيين لعقود خلت دون أن‮ ‬يحتج سياسي‮ ‬أو إعلامي‮ ‬غربي،‮ ‬فإنهم بدأوا اليوم باستخدام العنف ضد الدبلوماسيين الغربيين مهددين الدبلوماسية الفرنسية في‮ ‬نابلس بالقتل‮. ‬بعد أن صمتوا لسنوات على قيام إسرائيل بقتل من تشاء من المدنيين العرب دون حساب،‮ ‬فإن انتصار الغرب لإحراق المساجد والسيارات والمباني‮ ‬العامة ونهب المحال التجارية في‮ ‬إيران من قبل مؤيدي‮ ‬الخاسرين،‮ ‬قد‮ ‬يبعث برسالة للشعوب الغربية نفسها أن هذا الخيار متاح لهم إذا لم ترق لهم نتائج الانتخابات التي‮ ‬تجري‮ ‬في‮ ‬أي‮ ‬مكان،‮ ‬بحيث تعني‮ ‬الديمقراطية حرية الشغب والإحراق والتخريب‮. ‬هل‮ ‬يبعث الغربيون من أنموذج تصرفهم مع الانتخابات الإيرانية رسالة إلى شعوبنا بأنها ليست ناضجة سياسيا كي‮ ‬تتقبل الخسارة في‮ ‬الانتخابات،‮ ‬أم أنهم‮ ‬يبعثون برسالة إلى شعوبهم التي‮ ‬إن أرادت الاحتجاج مستقبلا فيمكنها تقليد الاحتجاجات الإيرانية بالتفجير الانتحاري‮ ‬وإشعال النيران في‮ ‬المباني‮ ‬العامة وقتل الخصوم في‮ ‬الشوارع؟ أولم‮ ‬يكن ممكنا لخصوم أحمدي‮ ‬نجاد الغربيين أن‮ ‬يكونوا على موقفهم المعادي‮ ‬منه،‮ ‬ولكن في‮ ‬الوقت نفسه‮ ‬يقفون ضد أعمال التخريب والشغب والتفجير الذي‮ ‬يقوم به المحتجون،‮ ‬فيرسلون بذلك رسالة حضارية واضحة حول جوهر الديمقراطية ولا‮ ‬يزيدون التشويش الذي‮ ‬يلف قضيتها في‮ ‬بلداننا بسبب ازدواجية مواقفهم،‮ ‬أم أن الهدف هو تصعيد أزمة في‮ ‬إيران بعد أن تم افتعالها ومحاولة شق المؤسسة الدينية وتقويض النظام الإسلامي‮ ‬بما‮ ‬يخدم أهداف الغرب وأهداف إسرائيل،‮ ‬التي‮ ‬ما زالت،‮ ‬ومنذ أعوام خلت،‮ ‬تعتبر تقويض النظام الإيراني‮ ‬هدفا استراتيجيا لها وتضع كل المخططات والتمويل من أجل هذه الغاية‮. ‬ لقد كتب سكوت ريترز في‮ ‬الـ«إنرجي‮ ‬إنتلجنس» أن ما جرى في‮ ‬إيران لم‮ ‬يكن عفويا،‮ ‬وأنه مخطط له وممول منذ سنوات،‮ ‬ومن الواضح مما جرى في‮ ‬إيران ومن ردود الفعل الغربية عليه،‮ ‬أنه لم‮ ‬يكن هناك أي‮ ‬شيء عفوي‮ ‬فيما جرى‮. ‬فهل‮ ‬يمكن أن‮ ‬يقتنع أصحاب الشأن في‮ ‬منطقتنا أن القوى الغربية تتفاعل مع الأحداث في‮ ‬منطقتنا وفق مصالحها ورؤاها والفائدة التي‮ ‬تبغي‮ ‬جنيها من بلداننا وشعوبنا،‮ ‬وهل‮ ‬يمكن للبعض أن‮ ‬ينضج ويرى حقيقة أوهام‮ ‬يروجها الغربيون عن الديمقراطية والعدالة وحقوق الإنسان التي‮ ‬ترى أو لا ترى،‮ ‬وتراقب أو لا تراقب،‮ ‬وتعاقب أو تصمت وفق مصالح فئة حاكمة ومستحكمة بالقرار والمال والإعلام‮. ‬ ‮

التعليقات (0)

أضف تعليق

هذا الموضوع تم اغلاقه. لايمكنك ان ترسل اي تعليقات..

busy
حاليا يتواجد 428 متصفح لموقع صحيفة أويا

تسجيل الدخول