تقارير ودراسات

طرابلس
° ° °
الجمعة السبت الأحد

أوباما وإعادة اكتشاف الدبلوماسية العامة

 الرئيس الأمريكي‮  

 أثار وصول الرئيس الأمريكي‮ ‬الجديد باراك أوباما لسدة الحكم في‮ ‬الولايات المتحدة التفاؤل لدى‮ ‬غالبية الأوساط السياسية والأكاديمية في‮ ‬العالم؛ لما نادى به من ضرورة العمل على توطيد أواصر العلاقات بين مختلف الدول عبر منهج دبلوماسي‮ ‬منظم‮ ‬يقوم على الحوار وتبادل وجهات النظر بهدف التوصل لأفضل نتائج‮. ‬وتدعيماً‮ ‬لهذا الاتجاه بدأ أوباما بالقيام بعدد من الزيارات لمختلف عواصم العالم لاسيما الإسلامي‮ ‬بدأها بتركيا والمملكة العربية السعودية والعاصمة المصرية‮. ‬

 وفى إطار تفسير مدى جدوى هذا المنهج الدبلوماسي‮ ‬الجديد أصدر مركز الدراسات الدولية والإقليمية‮ ‬،‮ ‬بجامعة جورج تاون‮ ‬،‮ ‬دراسة بعنوان‮ "‬الدبلوماسية الأمريكية العامة ما بعد فترة رئاسة بوش‮" ‬،‮ ‬للكاتب‮ "‬سينتيا شيندر‮" ‬،‮ ‬كمحاولة جادة لتدشين مرحلة جديدة في‮ ‬تاريخ الولايات المتحدة تهدف لتحسين وضعها ومكانتها العالمية التي‮ ‬كانت قد تشوهت نتيجة نهج إدارة بوش القائم على عنصر القوة كأساس لحل المشكلات الدولية‮.‬ تقوم تلك الدراسة على فرضية مفادها أن الولايات المتحدة الأمريكية قد فقدت مكانتها وتدهورت صورتها في‮ ‬العالم كدولة تسعى لحماية قيم ومبادئ عالمية مما أثر بشكل ملحوظ على نفوذها على المسرح الدولي،‮ ‬وبالتالي‮ ‬عليها اللجوء إلى مصادر وأساليب أخرى‮ ‬غير القوة التي‮ ‬أثبتت أنها‮ ‬غير قادرة على نشر القيم العالمية،‮ ‬كما أثبتت فشلها في‮ ‬ايجاد حلول مرضية للمشكلات الدولية المختلفة‮. ‬وفى هذا الإطار‮ ‬يقترح الكاتب ضرورة تبني‮ ‬ما أسماه‮ " ‬الدبلوماسية العامة‮". ‬

الدبلوماسية العامة بين الأفعال والأقوال‮ ‬ وفى إطار الحديث عن الدبلوماسية العامة كأداة لاستعادة المكانة الدولية للولايات المتحدة،‮ ‬تؤكد الدراسة على ضرورة قيام أوباما بعميلة دمج بين الأفعال والأقوال كدولة كبرى تسعى لنشر مبادئ وقيم عالمية،‮ ‬وليس فقط الاكتفاء بالأقوال فقط‮.‬ ولهذا‮ ‬يؤكد الكاتب على ضرورة القيام بأفعال تدعم وتساند ما تنادي‮ ‬به من مبادئ كنشر الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان لاسيما إغلاق معتقل جوانتنامو الذي‮ ‬يمثل أحد معاقل انتهاك حقوق الإنسان‮.‬ وفى مستهل تحليلها أكدت الدراسة على أن الدبلوماسية العامة لا تعني‮ ‬بالضرورة فرض الولايات المتحدة سياستها على الآخرين أو إقناعهم بها بل هي‮ ‬عبارة عن عملية ثنائية الاتجاه بين الولايات المتحدة والآخرين لا تقوم على التلقين فحسب وإنما على الاستماع والاحترام المتبادل بين الأطراف المعنية وذلك بهدف إيجاد رؤية أكثر وضوحًا‮.‬

 كما أن نجاح الدبلوماسية العامة وفقًا للكاتب‮ ‬يتوقف بالأساس على مدى قيام الولايات المتحدة بتوسيع أو إعادة تعريف دورها على المسرح الدولي‮ ‬بحيث لا‮ ‬يقتصر فقط على المناحي‮ ‬السياسية كشؤون المعاهدات والعلاقات الدولية بل‮ ‬يمتد ليشمل مجالات أخرى كالإعلام والثقافة والعلوم والتكنولوجيا والتعليم‮. ‬وبالتالي‮ ‬ينظر الكاتب إلى الدبلوماسية العامة بمفهومها الواسع ويعرفها على أنها كل الوسائل التي‮ ‬تستطيع الدولة استخدامها بهدف تقديم رؤيتها الخاصة للعالم‮.‬ شروط نجاح الدبلوماسية العامة‮ ‬ أما عن كيفية استغلال الإمكانات المتاحة،‮ ‬تشير الدراسة إلى ضرورة استخدام الولايات المتحدة ما تملكه من مقومات مثل‮: ‬قدرتها على استيعاب التنوع الاجتماعي،‮ ‬زيادة الفرص في‮ ‬المجتمع،‮ ‬حرية الرأي‮ ‬والتعبير،‮ ‬الجدارة الاجتماعية أو المجتمع القائم على الجدارة والمنافسة‮ ‬،‮ ‬في‮ ‬التأثير على الدولة المضيفة‮. ‬ذلك عملا بأهمية حسن اختيار الوسيلة أو الأداة المناسبة في‮ ‬كل حالة أو دولة على حدة والتي‮ ‬تتفق ومصالح الدولة الأخرى،‮ ‬فما قد‮ ‬يفلح لدي‮ ‬البعض قد لا‮ ‬يصلح مع البعض الآخر‮.‬ ترصد الدراسة عدة عوامل لابد من توافرها حتى تنجح الدبلوماسية العامة في‮ ‬تحقيق أهدافها المرجوة،‮ ‬يأتي‮ ‬في‮ ‬مقدمتها مايلى‮.‬ ‮

 ‬أولاً‮: ‬أن تقدم الخبرات والمساعدات للدول الأخرى في‮ ‬إطار تبادلي‮ ‬يقوم على الاحترام ويتمثل في‮ ‬فتح قنوات بين الدبلوماسيين الأمريكيين والدولة المضيفة لهم على أن‮ ‬يكون ذلك في‮ ‬إطار استراتيجية طويلة المدى تهدف لإقامة علاقات قوية فيما بينهم تسهم في‮ ‬تحقيق مزيد من التعاون بين الطرفين‮.‬

‮ ‬ثانيًا‮: ‬يجب أن تتسم الدبلوماسية العامة بقدر كبير من المرونة في‮ ‬الاختيار بين البدائل المتاحة والإبداع من حيث إيجاد حلول للمشكلات التي‮ ‬قد تنشأ من جراء استخدامها لتلك البدائل‮. ‬

 العلوم والتكنولوجيا كإحدى ‮ ‬أدوات الدبلوماسية العامة‮ ‬ أكدت استطلاعات الرأي‮ ‬وفقًا للدراسة على أن مجالي‮ ‬العلوم والتكنولوجيا في‮ ‬الولايات المتحدة هما الأكثر جاذبية بالنسبة لسكان العالم لاسيما في‮ ‬منطقة الشرق الأوسط مما‮ ‬يعطي‮ ‬الولايات المتحدة ميزة نسبية في‮ ‬حالة استخدامهما لتحقيق أهدافها باعتبارها أحد أهم أدوات الدبلوماسية العامة،‮ ‬وبالتالي‮ ‬ينتقد الكاتب عدم تقديم الولايات المتحدة مساعداتها في‮ ‬هذين المجالين،‮ ‬كما‮ ‬ينادي‮ ‬بضرورة الاهتمام بالقطاع الخاص فيما‮ ‬يتعلق بتقديم المساعدات التنموية وعدم قصرها على الدعم الحكومي‮ ‬فقط.وتأسيسًا على ذلك،‮ ‬تؤكد الدراسة على ضرورة استخدام العلوم والتكنولوجيا استخدامًا استراتجيًّا وذلك من خلال تكثيف الولايات المتحدة من مساعداتها في‮ ‬هذين المجالين اللذين‮ ‬يؤثران بشكل ملحوظ في‮ ‬المنظومة التعليمية لتلك البلدان مما‮ ‬يعطيهم القدرة على التوصل لحلول جذرية لمشكلاتهم المجتمعية بدلاً‮ ‬من محاولة حلها بصورة مباشرة‮.‬

 العالم الإسلامي‮ ‬من المنظور الأمريكي‮ ‬ يأخذ الكاتب في‮ ‬تلك الدراسة بالمفهوم الواسع للعالم الإسلامي‮ ‬والذي‮ ‬لا‮ ‬يقصر الإسلام على الدول العربية فقط وإنما المسلمين في‮ ‬شتى مناحي‮ ‬المعمورة بما فيها بعض مناطق قارة آسيا وحتى المسلمين الموجودين في‮ ‬الولايات المتحدة ذاتها‮.‬ وفى محاولة لمعرفة الأسباب الحقيقة وراء الخلاف بين العالم الإسلامي‮ ‬والولايات المتحدة،‮ ‬تؤكد الدراسة وفقًا لاستطلاعات الرأي‮ ‬الصادرة عن معهد جالوب لقياسات الرأي‮ ‬العام العالمي،‮ ‬على أن‮ ‬غياب الاحترام والتفاهم هما وراء كراهية المسلمين للولايات المتحدة وليس كما‮ ‬يظن البعض الحرب على العراق أو الإمبريالية الأمريكية أو حتى قضية الصراع الفلسطيني‮- ‬الإسرائيلي‮.

‬وبالتالي‮ ‬تجيب نتائج تلك الاستطلاعات على التساؤل الأمريكي‮ ‬الهام والأكثر إلحاحًا وهو‮ " ‬لماذا‮ ‬يكرهوننا؟‮". ‬وعلى الصعيد الآخر،‮ ‬تؤكد الاستطلاعات السابقة عدم معرفة الشعب الأمريكي‮ ‬الكثير عن العالم الإسلامي‮ ‬حتى‮ ‬يستطيع الحكم عليه بصورة واضحة.من هنا‮ ‬يؤكد الكاتب،‮ ‬على أهمية ذلك الدور الذي‮ ‬من الممكن أن تقوم به الدبلوماسية العامة بخاصة العنصر الثقافي‮ ‬منها العادة تشكيل المنظومة الفكرية والثقافية للعالم الإسلامي‮ ‬مما‮ ‬يؤدي‮ ‬لتغير رؤيتها تجاه الولايات المتحدة‮.‬

 إشكالية الثقافة في‮ ‬الولايات المتحدة‮ ‬ بما أن الدراسة قد أكدت على أهمية الثقافة كأحد أكثر أدوات الدبلوماسية العامة تأثيرًا،‮ ‬كشف الكاتب النقاب عن أن المشكلة الحقيقة وراء عدم نجاحها حتى الآن‮ ‬يرجع إلى أن الثقافة في‮ ‬الولايات المتحدة لا تلقى أي‮ ‬دعم حكومي‮ ‬وتتمتع باستقلالية تامة،‮ ‬حيث‮ ‬يتولى إدارتها القطاع الخاص وبالتالي‮ ‬فهي‮ ‬تعبر عن رؤية من‮ ‬يملكها وليس رؤية الدولة‮.

‬ وفى إطار محاولة حل تلك الإشكالية،‮ ‬يؤكد الكاتب على ضرورة استثمار مزيدٍ‮ ‬من الأموال العامة والحكومية في‮ ‬توزيع وتسويق المنتجات الثقافية الأمريكية كالبرامج والأفلام الموجودة بالفعل والتي‮ ‬تتفق مع الرؤية التي‮ ‬تريد الولايات المتحدة نشرها وليس صناعة منتجات جديدة.

ولتحقيق مزيدٍ‮ ‬من النجاح،‮ ‬ينصح الكاتب ساسة الإدارة الأمريكية بتقديم دعم أكبر لكل من‮ ‬يسهم في‮ ‬نشر الوعي‮ ‬الثقافي‮ ‬والقيم العالمية في‮ ‬أي‮ ‬مكان في‮ ‬العالم لاسيما الممثلين،‮ ‬المفكرين،‮ ‬الأدباء،‮ ‬والقيادات المثقفة،‮ ‬ذلك تقديرًا لدورهم الهام في‮ ‬تحقيق أهداف الولايات المتحدة وخاصة في‮ ‬إنشاء مجتمعات منفتحة تتمتع بقدر لا بأس به من حرية الرأي‮ ‬والتعبير‮.‬

الخلاصة‮ ‬ إن الإخفاقات المستمرة والمتتالية التي‮ ‬شهدتها‮ ‬الساحة الأمريكية في‮ ‬الثماني‮ ‬سنوات العجاف وهي‮ ‬فترتا حكم الرئيس السابق جورج بوش وإدارته،‮ ‬قد أفرزت قدرًا كبيرًا من الوعي‮ ‬لدى الإدارة الجديدة بقيادة أوباما بضرورة العمل على تعديل أسلوب تطبيق الإستراتيجية الأمريكية وذلك بالعدول عن فكرة استخدام القوة المفرطة في‮ ‬حل الأزمات الدولية المختلفة والاستعاضة عنها بصيغة دبلوماسية جديدة تقوم على ثنائية الإقناع والاحترام المتبادل مما‮ ‬يسهم في‮ ‬تحسين صورة الولايات المتحدة،‮ ‬والتي‮ ‬أصابتها عديد من التشوهات في‮ ‬الآونة الأخيرة ناهيك عن عدم قدرتها على مواكبه سرعة الأحداث العالمية‮ .‬

واعتماد الإدارة على الدبلوماسية العامة سيمكنها من تحسين الصورة الأمريكية عالميًّا وعلى وجه الخصوص في‮ ‬العالمين الإسلامي‮ ‬والعربي،‮ ‬ولكن نجاحها‮ ‬يرتبط بثلاثة عوامل هامة ورئيسة هي‮ ‬كالتالي؛

أولاً‮: ‬إحداث شكل من أشكال الترابط بين الأقوال والأفعال،‮ ‬

ثانيًا‮: ‬ضرورة التركيز على الانخراط مع الآخرين في‮ ‬علاقات وليس توجيهم،‮ ‬

ثالثًا‮: ‬الاهتمام بالعنصر الثقافي‮ ‬سواء أكان أمريكيًّا أم‮ ‬غير ذلك‮ .‬

 تقرير واشنطن‮ ‬– أحمد زكريا الباسوسي‮

التعليقات (0)

أضف تعليق

هذا الموضوع تم اغلاقه. لايمكنك ان ترسل اي تعليقات..

busy
حاليا يتواجد 434 متصفح لموقع صحيفة أويا

تسجيل الدخول