
قرأت في نتائج الدورة العادية الحادية عشرة لمجلس رئاسة دول تجمع الساحل والصحراء (س. ص) التي افتتحت أعمالها يوم السبت الماضي في منتجع "تليل" بصبراتة قرارات هامة من الوزن الثقيل تمس المعاش اليومي لكل مواطن في هذا الفضاء الإقليمي الأفريقي الفتي على المستوى السياسي والاقتصادي والاجتماعي والعسكري غير أنني أعتقد أنه لكي يكون لهذه القرارات "الثقيلة" التي اتخذتها القمة هنا على شاطئ المتوسط صدى في قلب الصحراء الكبرى وعلى ضفاف البحر الأحمر ولكي تعانق سواحل الأطلسي العظيم و ترتمي في أحضان الأدغال الأفريقية يجب أن تصاحبها الإرادة السياسية الصادقة ورجال يشمرون على سواعدهم ويغادرون مكاتبهم المكيفة وينزلون إلى الميدان للعمل والمتابعة وإلا ستكون هذه القرارات مجرد ظاهرة صوتية أخرى تؤكد ما قال أحدهم يوما "ووحدة في الدرج سنفنى ويفنى من بعدنا الأحفاد ولن ترى النّور" أو على رأي إخوتنا السودانيين" كلام جميل...".
لقد بينت الوثيقة التي وزعتها أمانة التجمع في ختام هذه القمة أن دول هذا الفضاء مدركة تماما لخطورة الأوضاع الأمنية والتحديات التي تواجهها في السودان وتشاد وفي العلاقات بين السودان وتشاد وفي الصومال وغينيا بيساو وموريتانيا وغينيا كوناكري وجمهورية أفريقيا الوسطى والعلاقات المتأزمة بين أريتريا وأثيوبيا والوضع في الكوت ديفوار وفي جزر القمر والتململ في الشريط الصحراوي خاصة في شمال مالي وشمال النيجر..غير أن هذه الوثيقة لم تعكس برأيي أي جديد يخرج عن إطار "تدارست القمة ، وأعربت عن ارتياحها أو عن إدانتها أو عن انشغالها العميق بحسب الحالة .. ولم تستطع أن تقرأ ما بين السطور وتستوعب ما أشار إليه رئيس التجمع رئيس الاتحاد الأفريقي القائد معمر القذافي في كلمته في افتتاح أعمال هذه القمة عند تناوله للأزمة المتفاقمة بين تشاد والسودان حيث قال "لابد وأن تُحل هذه الأزمة ولو بالتدخل بالقوة لفرض السلام".. واشارته الواضحة إلى ضرورة تفعيل هذا التجمع وإخراجه من القوالب القديمة للاستنكار والتنديد والإعراب عن الإرتياح عندما أكد أنه "يجب فرض عقوبات على الدول الظالمة " وكذلك إشارته الواضحة بأن عجز مثل هذه التجمعات عن اتخاذ إجراءات عملية لوقف الاقتتال والنزاعات وحمامات الدم سيقود إلى "وضع أفريقيا مجددا تحت الوصاية الدولية لعدم جديتها في حل مشاكلها" ..
لم أقرأ حقيقة أي جديد في نتائج هذه القمة ولم تختلف في تصوري عن عشرات القمم التي تشرفت بتغطيتها.. وإلا كيف نفسر تبني المجلس مجرد "مبدأ" تنظيم مناورات وتمارين عسكرية للقوات المسلحة للدول الأعضاء في تجمع س.ص في حين أن هذه الأوضاع المتفجرة والساخنة التي سببت عشرات الآلاف من القتلى ومئات الآلاف من المشردين وعرقلت برامج التنمية وعطلت النشاط الزراعي وأغلقت المدارس تستدعي تشكيل قوة عسكرية موحدة في هذا الفضاء على الأقل للتدخل السريع و"للضرب بيد من حديد على رؤوس مسببي الفتن والنزاعات" وتسليمهم للعدالة لمحاكمتهم وإيداع الكثيرين منهم مستشفيات الأمراض النفسية.
لا أحد يمكنه أن ينكر أن هذا التجمع الاقتصادي الفتي "من حيث العمر" الأكبر مساحة على مسـتوى أفريقيا 48 % من مساحة القارة) والأكثر تعدادا للسكان (حوالي 400 مليون نسمة ) حقق إنجازات كثيرة وملموسة على الأرض خاصة في مجالات الاستثمار وتحقيق التنمية الزراعية والأمن الغذائي وبناء الطرق وتشجيع الصناعات الصغرى وتفعيل دور المرأة وحماية الأطفال ومساعدة الشباب وتسهيل حركة تنقل البضائع بين الدول الأعضاء وتطوير المواصلات والاتصالات والخدمات وإلى حد ما تسهيل حركة تنقل المواطنين، وقد تحملت ليبيا العبء الأكبر ماديا إلا أن هذه الجهود بدأت تؤتي أكلها من خلال المشاريع الاستثمارية التي فتحت لها الدول الأعضاء أبوابها وقدمت لها التسهيلات اللازمة بعد أن أدركت أن المستثمر الليبي لم يأت ناهبا بل مشاركاً. إلا أن هذه الإنجازات تبقى مهددة كما في السابق طالما استمر شبح الحروب يخيم على هذا الفضاء وتواصلت النزاعات وما لم تخمد الحرائق وتقمع الفتن بالقوة.
ويتوجب على أمانة التجمع وبالأحرى مكتبها الإعلامي أن يواكب هذا الحراك على مستوى تحسيس المواطنين الأفارقة بأهمية هذه الإنجازات وتعبئة المجتمع المدني في هذا الفضاء للدفاع عنها والتصدي للإنقلابيين والمحرضين على النزاعات والفتن وفضح مؤامراتهم ومن يقف وراءهم . إن النشرة الإعلامية البسيطة جدا الصادرة عن التجمع لا تغني ولا تسمن من جوع فقد مل المواطن الأفريقي أخبار الاستقبالات والاجتماعات التي تتم في الغرف المكيفة.. وأعتقد أيضا أنه من غير المقبول أن يتوفر تجمع إقليمي بهذا الحجم على موقع على الشبكة العنكبوتية (الأنترنيت) ويرجع آخر تطوير لمادته الإعلامية إلى شهر النوار (فبراير ) 2009.. إذ لا يخفى اليوم على أحد أن معارك كثيرة وكثيرة جدا انتصرت فيها دول كبرى وصغرى على حد سواء بفضل سياسات إعلامية ناجعة دون أن تحرك لها جنديا واحدا.
أعود إلى ما أشرت إليه في الهوامش الأسبوع الماضي (أويا العدد 545) حول التمثيل المحتشم على مستوى اجتماعات المجلس التنفيذي التي تزامنت مع بدء أعمال الدورة 62 للمجلس الوزاري للمجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (إكواس) .. وقد انسحب هذا المستوى من التمثيل على اجتماع القمة كذلك. . واعتقد هنا أنه يتوجب على أمانة التجمع ضبط ساعتها وتنظيم جداولها لدعوة الاجتماع الدوري لمجلس الرئاسة في تاريخ محدد في شهر محدد ويوم محدد من كل عام آخذة في الاعتبار قمتي الاتحاد الإفريقي (أي النار – ناصر ) من كل عام والقمم الدورية للتجمعات الإقليمية الأخرى حيث إن العديد من الدول الأعضاء في (س.ص) تنتمي في نفس الوقت إلى تجمعات أخرى وكذلك القمة العربية ( الربيع من كل عام ).. ولا أعتقد أن السادة وزراء الخارجية الأعضاء في المجلس التنفيذي للتجمع تخلفوا عن الحضور قصدا.. ولا أرى سببا لعدم تحول جميع رؤساء الدول الأعضاء إلى صبراتة إلا لارتباطات دولية وإقليمية سابقة.. علاوة على أن اجتماع هذه الدورة العادية الحادية عشرة لمجلس رئاسة تجمع (س.ص) جاءت قبل شهر واحد من الموعد المقرر لقمة الاتحاد الأفريقي التي ستعقد بسرت.. فعلى الأمانة العامة للتجمع أن تعيد ضبط ساعتها وتجاوز تحديات الإعلام والإدارة الجيدة بعد 11 عاما من العمل الدؤوب.

