الدينية

طرابلس
° ° °
الجمعة السبت الأحد

إحياءُ‮ ‬التراث‮.. ‬وكيف نفهمه؟‮!‬

إحياء علوم الدين

عندما أخرج أبو حامد الغزالي‮ ‬كتابه‮ (‬إحياء علوم الدين‮)‬،‮ ‬لم‮ ‬يُردْ‮ ‬لكلمة الإحياء أن تكون زخرفاً‮ ‬على الغلاف‮ ‬يُبهر العين‮.. ‬إنما أراد أن‮ ‬يكون لاسم الإحياء معناه،‮ ‬وهو أن تُردَّ‮ ‬إلى شريعة الإسلام حياةٌ‮ ‬تتبدّى في‮ ‬سلوك المسلمين،‮ ‬بعد أن كان نبضها قد خفق في‮ ‬القلوب،‮ ‬إلى الحد الذي‮ ‬أغرى طائفة من المتصوفة أن‮ ‬يجعلوا الشريعة في‮ ‬ناحية والحقيقة في‮ ‬ناحية أخرى‮.‬ وعلى الغرار نفسه،‮ ‬إنْ‮ ‬أردنا اليوم إحياء التراث،‮ ‬وجب أن‮ ‬يكون لهذه الكلمة معنى،‮ ‬بأن نُخرج موروثنا الثقافي‮ ‬من‮ ‬غيبوبة ألمَّتْ‮ ‬به،‮ ‬ولايكون ذلك بإعادة طبع كتاب اصفَّرتْ‮ ‬أوراقه في‮ ‬كتاب أوراقه بيض،‮ ‬ثم نكتفي‮ ‬بذلك فنقول‮ :(‬إحياء‮)!‬ وهل تحيا الدمية إذا ألبسناها ثوباً‮ ‬غير ثوب؟ ولن‮ ‬يغير من الأمر شيئاً‮ ‬أن‮ ‬يضيف المحققون إلى الطبعة الجديدة هوامش مثقلة برموزها،‮ ‬فيقولون‮: ‬إن هذه اللفظة المعينة قد وردت في‮ ‬النسخة الفلانية كذا؛ وفي‮ ‬النسخة العلانية كيت،‮ ‬فهذا كله عمل أكاديمي‮ ‬له قيمته،‮ ‬لكنه لايحيي‮ ‬كائناً‮ ‬بعد موت‮.

‬ وإحياء التراث لايتحقق إلاّ‮ ‬إذا انتقل من كونه جملة مجردة تُكتب أو تُقال ليصبح‮ ‬غذاء لكائن حي‮ ‬معِّين،‮ ‬فيجرى في‮ ‬شرايينه دماءً‮ ‬مع الدماء،‮ ‬بمعنى أن‮ ‬يتحول في‮ ‬نفسه إلى ضرب من الحساسية،‮ ‬يتذوق مايتذوقه،‮ ‬وأن‮ ‬يفرز له مجموعة من القيم،‮ ‬يهتدي‮ ‬بها في‮ ‬قبول مايقبله من أنماط السلوك،‮ ‬فالعالم المستشرق إذا ماحقق كتاباً‮ ‬في‮ ‬التصوف الإسلامي‮ - ‬مثلاً‮ - ‬وشرح‮ ‬غوامضه في‮ ‬هوامش تدل على‮ ‬غزارة علمه وسعة اطلاعه،‮ ‬ليس‮- ‬بالضرورة‮ - ‬يُحيي‮ ‬هذا النص الذي‮ ‬حققه ونشره،‮ ‬بمعنى أنه قد لاينتهي‮ ‬من عمله هذا بأن‮ ‬يحيا حياة المتصوف صاحب النص،‮ ‬فالإحياءُ‮ ‬لايكون إلاّ‮ ‬بالتحرر من قيود الزمن،‮ ‬لنجعل من الماضي‮ ‬حاضراً‮ ‬حياً‮ ‬متجلياً‮ ‬فيما نأخذ وندع من شؤون الحياة‮.‬ إحياء التراث هو أن‮ ‬يخرج قارئه ودارسه بروح‮ ‬يستمدها مما قرأ أو درس،‮ ‬ليبثها في‮ ‬حناياه فإذا هو مصطنع لنظرة جديدة،‮ ‬من شأنها أن تعقد الأواصر بينه وبين السلف الذي‮ ‬أحيينا تراثه،‮ ‬حتى ولو وقف من مضمون إرثه موقف الناقد أو المتشكك‮. ‬فإذا قرأت ديوان المتنبي‮ ‬قراءة إحياء،‮ ‬خرجتُ‮ ‬وقد سَرَتْ‮ ‬في‮ ‬عروقي‮ ‬كبرياؤه،‮ ‬ثم لاينفي‮ ‬ذلك أن أقف منه موقف الناقد،‮ ‬المهم هو أن أعيد شيئاً‮ ‬من حياة المتنبي‮ ‬في‮ ‬حياتي،‮ ‬أو قل‮: ‬إن المهم هو أن أتقمصه ولو إلى حين،‮ ‬وبعدئذ‮ ‬يترسب منه في‮ ‬نفسي‮ ‬مايترسب ليبقى‮.‬ ولو قرأت أبا العلاء المعري‮ ‬قراءة إحياء،‮ ‬لخرجتُ‮ ‬منه آخر الأمر،‮ ‬بنظرة هي‮ ‬كنظرة الطائر،‮ ‬التي‮ ‬تنظر إلى الأشياء من علٍ‮ ‬فتعرف نسبة بعضها إلى بعض،‮ ‬فلا‮ ‬يكبر في‮ ‬عيني‮ ‬صغيرها،‮ ‬ولا‮ ‬يصغر كبيرها،‮ ‬بعد أن كنت قبل قراءته أنظر إلى تلك الأشياء نفسها نظرة الدود الزاحف على بطنه،‮ ‬تعترضه الحصاة الصغيرة فيحسبها في‮ ‬حجم الكوكب الذي‮ ‬لاتحده حدود‮.‬ اقرأ شيوخ المعتزلة‮ ‬قراءة إحياء،‮ ‬تُخرج منهم إنساناً‮ ‬يعتد بإرادته الحرة،التي‮ ‬أسبغتْ‮ ‬عليه كرامة الإنسان،‮ ‬لأنها ألْقتْ‮ ‬على كتفيه تبعات الإنسان‮.‬ أو اقرأ أبا الحسن الأشعري‮ ‬قراءة إحياء،‮ ‬نجدك بعدئذ قد عرفت لعقلك حدوداً،‮ ‬فعرفتَ‮ ‬ماله وماعليه،‮ ‬فله أن‮ ‬يذهب في‮ ‬التعقل إلى آخر مداه لاحرج عليه ولاقيد،‮ ‬لكنه إذا مابلغ‮ ‬ذلك المدى بقيت أمامه بقية لاتدخل في‮ ‬نطاقه،‮ ‬فيحيلها إلى منطقة الإيمان‮.‬

لكن هذا القول نفسه‮ ‬يدلنا دلالة واضحة على أن ماكل موروث‮ ‬يجب إحياؤه بهذا المعنى‮.. ‬إنني‮ ‬عندما بلغت من الكتابة هذا الموضع،‮ ‬وثبتْ‮ ‬إلى ذهني‮ ‬أسطر من خطبة الحجاج بن‮ ‬يوسف،‮ ‬حملونا على حفظها والإعجاب بها،‮ ‬عندما كنا صغاراً‮ ‬لانميز في‮ ‬المحفوظ بين قول وقول‮ ‬،‮ ‬فكم مرة طُلب مني‮ ‬أو من رفاقي‮ ‬في‮ ‬الدرس أن ننهض لنلقي‮ ‬في‮ ‬نغمة الخطباء قول الحجاج‮: (‬أنا ابن جلا وطلاع الثنايا،‮ ‬متى‮ ‬أضع العمامة تعرفوني‮). ‬إني‮ - ‬والله‮- ‬لأرى أبصاراً‮ ‬طامحة وأعناقاً‮ ‬متطاولة،‮ ‬ورؤوساً‮ ‬أينعت وحان قطافها،‮ ‬وإني‮ ‬أنا صاحبها،‮ ‬كأني‮ ‬أنظر إلى الدماء ترقرق بين العمائم واللّحي‮.‬ فهل فتح المعلم‮ ‬يومئذ أبصارنا لننفرَ‮ ‬من صاحب القول،‮ ‬حتى لو كانت بشاعة معانيه ليست ثوباً‮ ‬لفظياً‮ ‬من حرير؟ هل أوحى لنا المعلم‮ ‬يومئذ بأن نتساءل في‮ ‬أنفة وعزة‮: ‬ماذا تكره‮ ‬ياحجاج من الأبصار إذا طمحت،‮ ‬ومن الأعناق إذا تطاولت؟ إنّ‮ ‬مثل هذا التراث من حقه أن‮ ‬يكون موضع درس عند علماء التاريخ السياسي،‮ ‬بل والتاريخ الأدبي،‮ ‬لكن ليس من حقه أن‮ ‬يحيا في‮ ‬نفوس قارئيه أو دارسيه‮.‬ إننا في‮ ‬موقفنا من التراث،‮ ‬ينبغي‮ ‬أن نتبين الخيط الأسود من الخيط الأبيض،‮ ‬فندرسهما معاً،‮ ‬ولكن ندرس الأبيض ليحيا في‮ ‬سلوكنا وندرس الأسود ليموت في‮ ‬ظلمته‮.‬ 

التعليقات (0)

أضف تعليق

هذا الموضوع تم اغلاقه. لايمكنك ان ترسل اي تعليقات..

busy
حاليا يتواجد 461 متصفح لموقع صحيفة أويا

تسجيل الدخول