اختصم أمامي رجلان. قال الأول: خلق الله الإنسان وخلق معه أفعاله. وردّ الثاني: إذا كان الحال كذلك، ففيم الحساب.. والعقاب، ولم الجنة والنار؟ وفيما حشد الأول كل ماجاء في الأثر، احتكم الثاني إلى المنطق والعقل، وبراهين الفلسلفة وعلوم الطبيعة. لُذتُ بالصمت، وقفتُ حائراً أبحث عن جواب، وتذكرت في اللحظة المناسبة قصة الأشعري مع أستاذه: (سأل الأشعري أستاذه الجبائي عن رأيه في ثلاثة إخوة. فقد اختار الله أحدهم قبل البلوغ، وبقي الاثنان فآمن أحدهما وكفر الآخر، فأين يذهب الصغير؟ فقال الجبائي: إنه يذهب إلى مكان لاسعادة فيه ولاعذاب، فسأله الأشعري: لماذا يذهب إلى ذلك المكان وهو لم يأت شراً ولاخيراً؟ فأجابه : إنه اختُبر، ولأنه عُلم أنه لوبلغ لكفر، فقال الأشعري: فقد أحيا أحدهم فكفر، فلِمَ لَمْ يمته صغيراً؟ فسكت عن الجواب.
الواضح من هذه القصة الطريفة، أن الأشعري أراد أن يقول: مهما قال القائلون في تعليل المميز بين أهل الطاعة وأهل العصيان، فمردُّ ذلك في النهاية إلى علة واحدة هي إرادة الله. لقد ضاق الناس طويلاً وتأففوا من كثرة التعقيدات وما أحاط المسألة من لغو وجدل. ولانحسب أن قولاً من الأقوال في مسألة القدر لم يرَدْ له ذكر بنصّه، أو بعد التعديل والتنقيح فيه على لسان طائفة من طوائف المسلمين. وإذا كان من غير الممكن اختزال قضية عمرها ألوف السنين في بضعة قراطيس، فليت شعري، إن كان يجوز طيُ صفحة الزمان والقفز ببضعة سطور فوق ماكدَّ الإنسان وأرهقه، مُذ كان يسجد لإلهَيْ النور والديجور، وإلى حين صار عبداً للواحد الأحد؟!.
وإذا استحوز على دهشتي واهتمامي في هذه القضية شيء، فالقدر مفهومه وتطوره- لدى الفرقاء، مسلمين ومسيحيين، إذ لم يََسِرْ في خط واحد ولا على شاكلة واحدة، بل في منهجين متعاكسين: الأول - أعني الإيمان - أُهبط دفعة واحدة ، انتهى بشرط من شروط الإيمان الستة، وهي التسليم بالقدر خيره وشره من الله تعالى، ثم تنازع الناس فرقاً وشيعاً ومدارس، في حين بدأ الثاني من نقطة الصفر، وأخذ مفهومه للقدر يتطور ويتغير ويتبلور، ولّما يستكمل شكله النهائي رغم تشعب الآراء وبعد الزمان. آمن الإنسان في جهالته الأولى بالأرباب والأرواح. عبدها لأنها تتصرف في شؤونه. تمنعه بعض مايحب، وتبتليه ببعض مايكره، وتحشر أنفها فيما يريد وما لايريد. كان ينتظر المطر فلا يسقط المطر، ويخرج إلى الصيد ويعود منه بوفرة، أو خالي الوفاض فيندب حظه، لكنه يُحيل العلة على ماكان يُعبد .هكذا كان القدر في معناه القديم الساذج كلُّ ماتخيله الهمجي الأول عن القدرة سيطرة مرهوبة بيدها العطاء والحرمان.
كم استمر ذلك لانعرف، ولكنْ ما أن ارتقى الإنسان وصار يدرك شيئاً من نظام الأكوان، حتى ارتقى بالقدر من معنى الهوى الجامع إلى معنى التنظيم والتدبير. كان قدامى الهنود أوّل من اهتدى إلى وجود عامل خارجي (الكارما) يفرض سيطرة القدر على المكان والزمان وعلى الخالق والمخلوق. فإذا جاء الدور على البابليين - وهم أصحاب نجوم وأرصاد- آمنوا بسيطرة الكواكب على مقادير الأحياء وغير الأحياء.. فلا يجري في الأرض حدث إلاّ بحساب مرقوم في سجل الأفلاك والبروج، ولامهرب ولا علم للإنسان بطالعه الذي يلاحقه بالسعد أو النحس إلاّ بعلم المنجمين. أما المصريون فقد أدخلوا تعديلاً جوهرياً، حين اختاروا التوسط بين الإيمان بحرية الإنسان وسيطرة الأرباب. وسار اليونان على نهجهم، إذ اقتبسوا شيئاً من بابل وشيئاً من المصريين.. مع هذا فالمساهمة في مسألة القضاء والقدر تحسب اليونان في ميدان الفلسفة والتفكير لا في ميدان العقيدة والدين. تعاقبت الأيام وتوالت السنون، وإذا بالتاريخ يوافينا بقائمة من الأعلام والمشاهير، أدلى فيها كلٌ بدلائه: فكرةٌ تدحض فكرة، ورأىٌ يفند آخر: زينونُ وأتباعه الرواقيون، أبيقور، توماس هوب، ديكارت، عمانويل كانت، بينوزا، شوبنهور.
لقد أثبت الإنسان في كل مّرة أنه كان ولايزال واحداً، يجمع بينه- وإن تباعد - خوف من المجهول ومصير مبهمٌ مشترك. قرر توماس هوب أن الإنسان يعمل مايريد.. لكنه لايريد مايريد، بل يريد ما فرضته عليه الوراثة، وطبيعة البيئة، وعادات المكان والزمان. أما ديكارت فاقترب خطوة من الله حين قال: إن الجسد محكومٌ بقوانين الطبيعة كسائر الأجسام المادية، لكنّ الروح طليقة من سلطان هذه القوانين، وعليها أن تجاهد الجسد، وتلتمس العون من الله بالمعرفة والقداسة في هذا الجهاد. كذلك سبينوزا، ربما اقترب خطوتين من الحضرة الإلهية، وكان جبرياً بكل ماتحمل الكلمة من معنى حين صرح:( إن كل شيء يقع في الدنيا فلابد أن يقع كما وقع، ولا يتخيل العقل وقوعه على نحو آخر، لأن كل شيء يصدر عن "طبيعة الجوهر السرمدي" وهو الله، ومافي الدنيا من خير وشر على السواء هو من إرادة الله، لكننا نتخيله شراً لأننا محدودون. وحين يأتي الدور على لايتبنز، تذكرنا إفاداته- جملة وتفصيلاً - بقوله تعالى :( عالم الغيب لايعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض ولا أصغر ولا أكبر إلاّ في كتاب مبين) ولم أجد في كلام الفيلسوف الألماني العظيم "كانت" ولا لدى صاحبه هيجل مايغري بالنقل والاستشهاد كأدنى تقدير. أما شوبنهور فقد حمّل الإنسان كلَّ شر، محاكياً في ذلك قصة التكوين وخطيئة آدم.. ولايزال فلاسفة العصر يصولون ويجولون بين قائل بالجبر وقائل بالاختيار، أو قائل بالاثنين معاً.. ثم مالبثت الفلسفة أن أزيحت عن موقعها وتقف في الصف الثاني لأن نهضة العلوم الطبيعية أدخلت هذه المباحث في نطاقها.
فمنذ القرن السادس عشر، قفزت فكرة "القانون الآلي" إلى الصدارة بوصفها ملاك النظام في هذا الوجود، ولامحل فيه لتصرف الأقدار بالتبديل والتحويل، رغم عدم إبطاله للعناية الإلهية أو التقدير الإلهي عند المؤمنين. من ذلك أن ديكارت فصل بين عالم المادة وعالم الروح وأن إسحاق نيوتن سمّى الجاذبية نفسها"روحاً" ثم حّلت الحتمية الحديثة محل الجبرية القديمة فالقائلون بالحتمية لايؤمنون بالنظم الآلية ،كما لايؤمنون بإرادة إلهية تعترض تلك النظم بالتبديل والتحويل. ولما تقدمت الكشوف الذرية في أوائل القرن العشرين وجُهت إلى الحتمية ضربة قاصمة، فتحت الباب واسعاً للقول بالحرية والاختيار، وذلك من خلال ما أثبته العالم الدانمركي "بوهر" بتنقل" الكهرب" من فلك إلى فلك بغير قانون معلوم.ثم نسف العالم الألماني (أوجست هايزبنرج) قانون الحتمية باللاحتمية. وإذا تركنا الغرب وعلومه جانباً ودخلنا الدين، واجهتنا في تاريخ علم الكلام الإسلامي ثلاثة فرق: 1- غلاة في الإثبات 2- غلاة في الإنكار 3- معتدلون بتقسيم آخر: جبريون، قدريون، ومعتدلون من أهل السنة، متوسطون بين القول بالجبر والقول بالاختيار. أقول: لو لم يكن من سُنن وأبجديات البحث، أن لايقفز المرء فوق خلاصات الفكر الإنساني لقفزت. لكنْ من غير المنطق أن يجازف المرء بالتوغل في دغل البراهين والبراهين المضادة، وهو لايدري أين سينتهي به المقام، أيطفو على السطح أم يغرق في جب بلا قرار. أجل هي ذي طبيعة الموضوع الذي بين يدينا، والذي دوَّخ الشرق والغرب معاً.
ولو علم الله خيراً من وراء تداوله بين بني البشر، لما أدخله في دائرة المعميات، ولما طبع على بابه عبارة :( إلاّ أن يشاء الله). لِمَ.. كيف.. ومتى يشاء؟.. أسئلة كانت وظلت معلقة، ولم يقم بالبرهنة عليها أحد.. بدءاً بالفلكي قارئ الكف والنجوم، وانتهاء بالجالس في أتون الذرة والكهارب. غير أنَّا للأسف ضيعناه، كعادتنا دائماً في العجز عن الاستنتاج، وسط التنفس في دوامة الماضي، والشغف المحموم بالتناحر المذهبي، والولع بما ردّ به الجبري على القدري، والمعتزلي على الأشعري، والوسطىُ عليهما معاً. أيُ فائدة تُرجى من وراء العودة إلى مسلسل المماحكات الكلامية والمبارزات اللفظية؟ هل ستزيدنا إيماناً فوق إيماننا.. أم ستسلبنا ما تبقى.. إن كانت هناك بقية من إيمان؟! وأغلب الظن أيضاً، أنني لن استفتي المصادر اليهودية رأيها لأنني أعرفه سلفاً، وأعرف أنها ستعود بذاكرتي إلى جنة"عدن" وإلى آدم وحواء، وطردهما من الجنة جرَّاء وجزاء فعلتهما الشنعاء بالأكل من الشجرة المحرمة، التي كانت ولم تزل لغزاً تنوء بحمله كاهل الأديان بما فيها الإسلام. أما الضائع الثاني الذي أفلت من سلطان معرفتنا وسط التجاذب والتجاذب المضاد، فإن مسألة القضاء والقدر تأرجحت طويلاً في أيدي فلاسفة الغرب، بين قرب من الله تارة والابتعاد عنه نحو الطبيعة تارة، شيئاً.. فشيئاً حتى أتم الشيطان ِنعمة، فتقطعت جميع حبال الاتصال، خاصة بعد اكتشاف الخريطة الوراثية للإنسان، ودور الموروثات في توجيه سلوكه. ومفارقة أخرى وأخيرة هي هذه" المسخرة" الدينية التي ابتكرها العقل التوراتي - التلمودي، بتقسيم الحظوظ بين الأفراد والشعوب قبل أن يولد المسيح فقررت: أن القدر لدى بني "إسرائيل" مشيئة حاكم "يأمر وينهى، ويرجع عما أمر به وقضاه"..
ولم يفهموا القدر على أنه نظام شامل الوجود محيط بالأكوان. ومن شأن العبارة التي حصرتها بين هلالين أن تذكرنا بدعاء يتوجه به المسلمون في منتصف شهر شعبان:" اللهمَّ إن كنت كتبتني عندك في أم الكتاب شقياً أو محروماً.. فامح اللهم.." "الدعاء". ليس في سيرة الإسلام مايشير إلى أن الله تبارك وتعالى إذا قضى أمراً أن يرجع فيه.. لأجل ذلك قال العارفون:" اللهّم إنا لانسألك ردّ القضاء ولكنْ نسألك اللطف فيه".. وهذا هو الجواب على دسائس الإسرائيليات. وصفوة القول: فقد أراح الله عباده المؤمنين ووفر عليهم عناء البحث فيما لاتدركه عين ولاتطاله يد.. أجل وكم في الحياة من أمور لاتوزن بميزان ولاتخضع لحساب:( تمدّد فيلسوف في حديقة منزله يوماً وراح يرقب حفيده الذي كان يهوى لعبة الأرقام.. قال الفيلسوف: أراك تحب الرياضيات كثيراً ياتوم. نعم أحبها كثيراً ياجدي.. ولماذا تحبها؟ قال الجد.. لأنها لغة العلاقات الصحيحة أجاب الطفل إذن سأطرح عليك هذه المسألة: إذا احتجنا إلى عشرة رجال لبناء بيت في عشرة أيام.. فكم نحتاج من زمن إذا أصبح عدد الرجال عشرين؟ قال توم : خمسة أيام.. وإذا جعلناهم أربعين ؟ قال توم: يومين ونصف وظل الجد يرفع عدد العاملين والطفل يقسم الزمن حتى أصبح دقيقتين هنا نظر الطفل مندهشاً وقال: لكن هذا غير ممكن ياجدي.


