حينما كنت طفلة في حوالي الرابعة، كنت أسير مع مربيتي بحذاء دير، وفي تلك المرة انفتحت أبواب الدير فرأيت الأطفال يأكلون الجيلاطي في مخاريط ويلعبون على أراجيح حديدية، فشرعت أراقبهم مأخوذة. رغبت في الدخول، إلا أن مربيتي قالت لا، لأنني لم أكن كاثوليكية. في اليوم الثاني كانت البوابة مقفلة. إلا أنني ظللت، سنة بعد سنة، أفكر فيما يجري، في هذا الحفل الرائع، الذي منعت عنه. أردت أن أتسلق الجدار، إلا أنني كنت صغيرة جدا. ضربت الجدار ذات مرة، وكنت أعلم طوال الوقت أنه كان هناك احتفال مدهش يجري هناك، غير أنني لا أستطيع الدخول. العزلة الروحية أساسات معظم مواضيعي. كتابي الأول كان مكرسا، بكامله تقريبا، لهذا الجانب وكل كتبي اللاحقة، كانت، بطريقة أو بأخرى، مهتمة به. الحب، وخاصة حب شخص ليس بمقدوره مبادلة الحب أو تقبله، يقع في قلب اختياري للشخصيات الغريبة التي أكتب عنها، إنهم أناس يكون عجزهم الجسدي رمزا لعجزهم الروحي على أن يحبوا أو يكونوا محبوبين، رمزا لعزلتهم الروحية.. لفهم عمل ما، يكون من المهم بالنسبة إلى الفنان أن يكون، عاطفيا، عند النقطة الميتة(2) تماما، ليرى، ليعرف، ليَخْبِر الأشياء التي يكتب عنها. قبل سنوات من إخراج هارولد كلرمان، حفظ الله قلبه" عضو الزفاف" أظن أنني أخرجت كل تفاصيل تلك الغرفة..نادرا ما تدرك أبعاد العمل الفني من قبل مؤلفه قبل إنجازه.
إنه مثل حلم يزهر. الأفكار تنمو، تتبرعم في صمت، وثمة آلاف من الإضاءات تأتي يوما بعد يوم أثناء المضي في كتابة العمل. البذرة تنمو في الكتابة مثلما تنمو في الطبيعة. بذرة الفكرة تتطور بالعمل واللاوعي معا، وكذلك النزاع الذي يجري بينهما.. أنا أفهم أجزاء فقط. أنا أفهم الشخصيات، لكن الرواية نفسها ليست في البؤرة. البؤرة تأتي في لحظات عشوائية لا يفهمها أحد، وأولهم في ذلك المؤلف.
بالنسبة إلي، غالبا ما تعقب هذه اللحظات جهدا كبيرا. بالنسبة إلي، هذه الإضاءات هي نعمة العمل. كل أعمالي تمت بهذه الطريقة. إن في اضطرار الكاتب إلى الاعتماد على لحظات الإضاءة هذه مخاطرة وجمالا، في نفس الوقت. بعد أشهر من التشوف والعمل، حين تكون الفكرة قد أزهرت، يكون التواطؤ رائعا. دائما تأتي من الوعي الباطن ومن غير الممكن التحكم فيها. عملت طوال سنة كاملة على"القلب صياد وحيد" دون أن أفهمه على الإطلاق. كانت جميع الشخصيات تخاطب شخصية مركزية. لكن لماذا؟. لا أعرف. كدت أن أقرر أن الكتاب ليس رواية، وأنه علي أن أقطعه على هيئة قصص قصيرة. إلا أنني استشعرت التقطيع في جسدي حين جاءتني تلك الفكرة، وكنت يائسة.
كنت قد اشتغلت لمدة خمس ساعات فقررت الخروج. فجأة وأنا أعبر أحد الشوارع، خطر لي أن هاري مينوفتز، الشخصية الذي كانت كل الشخصيات الأخرى تخاطبه، كان رجلا مختلفا، أبكم وأصم، وسرعان ما تغير الإسم إلى جون سنغر.(3)عندها ثُبَّتت كل بؤرة الرواية ولأول مرة تعلقت بكامل روحي بـ"القلب صياد وحيد". ما الذي تنبغي معرفته وما الذي لا تنبغي؟.كان جون براون من السفارة الأمريكية هنا في زيارتي، وأشار بأصبعه الطويل قائلا:"أنا معجب بك، يا كارسون، بسبب جهلك.".قلت:"لماذا؟.". فسألني:"متى وقعت معركة هاستنغز، وما سببها؟. متى وقعت معركة واترلو وماذا كانت أسبابها؟.". قلت:"جون، لا أعتقد أني أهتم كثيرا.". قال:"ذلك هو ما أعنيه. أنت لا تزحمين دماغك بوقائع الحياة.". حين شارفت على الانتهاء من"القلب صياد وحيد" أخبرني زوجي أن ثمة مؤتمرا للصم والبكم ينعقد في المدينة، في مكان قريب وافترض أنني راغبة في الذهاب كي أراقبهم. فقلت له بأن هذا آخر شيء أرغب في فعله، لأنني قد كونت تصوري عن البكم والصم ولا أريد لهذا التصور أن يتشوش.
أفترض أنه كان لجمس جويس نفس الموقف حين عاش في الخارج ولم يزر وطنه ثانية، لشعوره بأن دبلن قد ثُبتت داخله إلى الأبد، الأمر الذي كان صحيحا. رصيد الكاتب الأساسي هو الحدس، الوقائع الكثيرة تعيق الحدس. يحتاج الكاتب إلى معرفة أشياء كثيرة جدا، إلا أنه توجد أشياء كثيرة جدا لا يحتاج إلى معرفتها. إنه محتاج إلى معرفة الأمور الإنسانية حتى ولو لم تكن"مكتملة"، مثلما يقولون. يوميا أقرأ نيو يورك ديلي نيوز، وبانتباه شديد. إنه لمن المثير للاهتمام معرفة اسم زقاق العشيق الذي وقعت فيه حادثة الطعن، والظروف التي لا توردها النيو يورك تايمز أبدا. إنه لمن المثير، بالنسبة إلى حادثة القتل مجهولة الفاعل في جزيرة ستاتن، معرفة أن الطبيب وزوجته، حين طعنا، كان يرتديان مئزري نوم مورمونيين(4) من النوع المعروف بثلاثة أرباع. فطور ليزي بوردون، في اليوم الصيفي القائظ الذي قتلت فيها أباها كان مرق لحم ضأن. التفاصيل تستثير دائما المزيد من الأفكار أكثر مما تستطيع تأثيثه التعميمات. حين يقال اخترقت المسامير جانب المسيح الأيسر، يكون هذا أكثر لمسا وإثارة للعواطف مما لو قيل اخترقت جسده المسامير، فقط..لا يمكن للمرء تعليل الاتهامات بالمرضية. لا يستطيع الكاتب سوى القول أنه يكتب من بذرة تزهر فيما بعد في الوعي الباطن. الطبيعة ليست شاذة، الموات وحده هو الشاذ. فكل ما يخفق ويتحرك ويمشي في أرجاء الغرفة، بغض النظر عما يفعله، هو طبيعي وإنساني، بالنسبة إلى الكاتب. صمم جون سنغر وبكمه، في"القلب صياد وحيد" إنما هو رمز، وشذوذ القبطان بنديرتون الجنسي في"تأملات في العين الذهبية" رمز هو الآخر، للدلالة على الإعاقة والعنة. سنغر الأصم الأبكم رمز للعجز، وهو يحب شخصا غير قادر على تقبل حبه. الرموز توحي بالقصة والموضوع والحدث، وجميعها متناسجة بحيث لا يستطيع المرء أن يفهم بشكل واع أين يبدأ الإيحاء. أنا أصير الشخصيات التي أكتب عنها. أنا شديدة الانغماس فيها بحيث تصبح دوافعها دوافعي.
حين أكتب عن لص، أصير لصا، حين أكتب عن القبطان بنديترتون أصير رجلا شاذا جنسيا، حين أكتب عن أصم أبكم، أصير بكماء خلال زمن القصة. أصير أنا الشخصيات التي أكتب عنها و أبارك الشاعر اللاتيني تيرنس(5)الذي قال"ما من شيء إنساني غريب عني." حين حولت" عضو الزفاف" إلى مسرحية كنت مشلولة حينها ووضعي الخارجي كان بائسا حقا، إلا أنني حين أنهيت المخطوط كتبت إلى صديق:"أوه، كم هو رائع أن تكون كاتبا، لم يسبق لي أن كنت بمثل هذه السعادة.".عندما لايمضي العمل على ما يرام، فما من حياة أكثر بؤسا من حياة الكاتب. ولكن حين يمضي على ما يرام، حين تتسلط الإضاءة على العمل بحيث يمضي شفافا ويسيل، فما من سعادة تعادل تلك السعادة. لماذا يكتب المرء؟. ففي الواقع هذه أقل المهن مردودا من الناحية المالية. حسب محامي المبلغ الذي تحصلت عليه من كتابي"عضو الزفاف" الذي اشتغلت عليه ما يزيد عن خمس سنوات، فوجده ثمانية وعشرين سنتا لليوم. والمفارقة أن المسرحية المأخوذة عن نفس العمل أكسبتني مالا كثيرا كان علي أن أدفع ثمانين بالمئة منه للحكومة(وهو أمر كنت سعيدة، أو على الأقل علي أن أكون سعيدة، بفعله).. لابد وأن المرء يكتب انطلاقا من حاجة في الوعي الباطن إلى التواصل، إلى التعبير عن الذات. الكتابة مهنة الحلم والشرود، حيث يكون العقل غاطسا تحت اللاوعي والذهن المفكر مسيطَرا عليه، أفضل ما تكون السيطرة، من قبل الخيال. ومع ذلك ليست الكتابة فوضى ولاعقلانية كاملة. فبعض أفضل الروايات والأعمال النثرية في دقة أرقام الهاتف، إلا أن القلائل فقط من كتاب النثر يمكنهم تحقيق ذلك، لأن صفاء العاطفة والشعر ضروري. أنا لا أحب كلمة نثر، إنها شديدة الابتذال prosaic. النثر الجيد ينبغي أن يكون مخلوطا بضوء الشعر، النثر ينبغي أن يكون كالشعر، وينبغي أن يحمل الشعر معنى مثل النثر أحب أن أفكر في آنِّي فرانك(6)وانغماسها في التواصل الذي لم يكن تواصل طفلة في الثانية عشرة من عمرها فحسب، ولكنه تواصل الوعي والشجاعة.
ثمة، بالفعل، عزلة هنا. إلا أنها عزلة جسدية أكثر منها روحية. منذ بضع سنوات مضت حدد والد آني فرانك موعدا لمقابلتي في فندق الكونتيننتال في باريس. تحدثنا معا وسألني عما إذا كنت سأحول يوميات ابنته إلى عمل مسرحي. أيضا أعطاني الكتاب، الذي لم أقرأه حتى ذلك الوقت. إلا أنني وأنا أقرأ الكتاب كنت منزعجة جدا إلى درجة أن ظهر طفح على يدي وقدمي، وكان لابد أن أخبره أنه لا يمكنني إنجاز المسرحية تحت هذه الظروف.. المفارقة هي مفتاح التواصل، مفتاح ما لا يقود عادة إلى إدراك الأشياء. كتب نيتشه مرة إلى كوزيما فاغنر قائلا:"لو يفهمني فقط ثلاثة أشخاص.". لقد فهمه كوزيما، وبعد سنوات بنى رجل يدعى أدولف هتلر نسقا فلسفيا كاملا على سوء فهم لنيتشه. إنه لمن المفارقة أن فيلسوفا عظيما مثل نيتشه وموسيقيا عظيما مثل فاغنر أسهما إسهاما كبيرا في معاناة العالم في هذا القرن.
الفهم الجزئي من قبل شخص جاهل إنما هو فهم مشوه وذاتي، وبهذا النوع من الفهم كانت فلسفة نيتشه وإبداعات رتشارد فاغنر عماد توجه هتلر العاطفي إلى الشعب الألماني. لقد كان قادرا على قذف الأفكار العظيمة في اليأس السائد في زمنه، الذي علينا أن نتذكر أنه كان يأسا حقيقيا. يتبح في الخميس القادم اسكواير Esquire عدد ديسمبر 1959. هوامش: معظم المعلومات الواردة بالهوامش مستمدة من مصادر مختلفة، ورقية وألكترونية، عربية وإنغليزية، لم نر داعيا للإحالة إليها. (1967-1917) CarsonMcCuller(1) أديبة أمريكية تكتب القصة و الرواية و الشعر و شعر الأطفال. :dead center(2)النقطة الميتة: نقطة في نهاية كل ضربة لذراع التحريك وذراع التوصيل تقع عندها الاثنتان على الخط المستقيم نفسه وتمون قوة التدوير صفرا. :singer (3)المغني. :Mormon(4) المورموني: عضو في طائفة دينية أمريكية أنشأها جوزف سمث عام 1830 وقد أباحت الزوجات فترة ما ثم حظرته. Publius Terentius Afer (5) Ter159-190) enceق.م (.. كاتب مسرحيات كوميدية روماني أصله عبد من شمال أفريقيا. تتميز مسرحياته بواقعية الشخصيات واللغة وتماسك الحبكة، ويعد سلفا مهمالـ"كوميديا السلوك" الحديثة. (1929-1945) Anne Frank (6) فتاة ألمانية يهودية عاشت معظم حياتها في هولندا. بدأت كتابة يومياتها بعد أن أتمت الثالثة عشر من عمرها(وليس الثانية عشرة كما تورد الكاتبة). كتبت معظم مواد هذه اليوميات اثناء الاختباء من المطاردة النازية(42-44) ثم في المعتقل الجماعي النازي الذي توفيت فيه. ترجمت اليوميات إلى عدد من اللغات وكتبت على أساس منها عدة أعمال أدبية(ترى هل سيتم الكشف عن يوميات أطفال فلسطينيين ولبنانيين وعراقيين، وسيحتفى بها على ذات المستوى؟).


